الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه
46/03/06
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان
وأمّا دليل القول الثاني فقد استدلّ عليه أنّ النذر بخصوصه يوجب كون المنذور دَيناً على الناذر؛ لأنّ مفادّ صيغة النذر جعل المنذور لله تعالى، ولا فرق بين أن يقرّ بالدَّين لزيد ويقول مثلاً: له عليّ درهم، أو يقول: لله عليّ أن أحجّ إذا شافى الله ولدي من المرض العضال، ولذا هذه الصيغة توجب كون متعلّقها دَيناً في الذمّة فيجري عليه أحكام الدَّين ويجب القضاء عنه حتّى بعد انتهاء الوقت أو بعد الموت، ولا فرق في وجوب قضاء متعلّق النذر بين الحجّ والاعتكاف والزيارة.
ويُردّ عليه: إنّ النذر لا يدلّ إلّا على التزام المكلّف بالمنذور، ومفادّ صيغته أنّه التزم على نفسه بأداء المنذور لله تعالى، وهذا لا يوجب إطلاق الدَّين علىه.
وكذا مفادّ الصيغة ليس ملكية المنذور لله تعالى أيضاً، فإنّ ملكيته تعالى ذاتيه، ولا يمكن التمليك المتعارف بالنسبة إليه؛ لأنّ الملكية الاعتبارية تثبت في حقّنا ولم تثبت في حقّه تعالى إلّا أن ترجع إلى التكليف والإلزام، والتكليف بالنذر ووجوب الوفاء به يعني لزوم إنهاء العمل بإتيان متعلّقه.
وبناء على ذلك فإنّ الله تعالى لا يملك المنذور على ذمّة المكلّف، وإنّما هو مالك الملك والأكوان بالملكية الذاتية، وكلّ الأمور بيده وتحت سلطانه وقدرته ومشيئته من دون اعتبار أيّ جاعل.
ولو سلّمنا بذلك فليس كلّ دَين يجب قضاؤه من أصل التركة، فإنّ الدَّين المالي يجب قضاؤه من أصل التركة، وقد دلّ الدليل على ذلك، وأمّا الدَّين غير المالي فلم يدلّ دليل على قضائه من أصل التركة، ولذا لو قال الناذر: لله عليّ المجيء إلى مجلسك (أو تعزيتك) في اليوم الأوّل ولم يأت فلا دليل على وجوب القضاء عليه في اليوم الثاني أو الثالث.
والحاصل: إنّ النذر لا دَين ولا مملوك بل هو التزام بالفعل، فالقول الثاني غير صحيح.
نعم دلّت صحيحة علي بن مهزيار على وجوب قضاء ما فاته من الصوم المنذور في يوم معيّن إذا تبيّن أنّه كان يوم عيد أو كان الناذر مريضاً أو مسافراً في ذلك اليوم، حيث قال: «كتب إليه ـ يعني: إلى أبي الحسن (عليه السلام): يا سيدي! رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر، أو أضحى، أو أيّام التشريق، أو سفر، أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ وكيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: قد وضع الله عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء الله، وكتب إليه يسأله: يا سيدي! رجل نذر أن يصوم يوماً فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفارة؟ فكتب إليه: يصوم يوماً بدل يوم، وتحرير رقبة مؤمنة» [1] .
فلولا دلالة هذه الصحيحة على القضاء لكان مقتضى القاعدة هو البطلان؛ لأنّ متعلّق النذر يجب أن يكون راجحاً حين العمل، والمفروض أنّ الصوم المنذور في اليوم المعيّن صادف يوم عيد الفطر أو عيد الأضحى فلا رجحان فيه حينئذ. إذن دلالة هذه الصحيحة على القضاء على خلاف القاعدة، ولذا يجب الاقتصار فيها على موردها، ولا يمكن التعدّي منها إلى غيرها.
وأمّا دليل القول الثالث وهو التفصيل الذي ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) من وجوب القضاء فيما لو كان النذر متعلّقاً بالحجّ ومن عدم الوجوب لو كان متعلّقاً بغير الحجّ كنذر الاعتكاف والزيارة فقد استدلّ عليه بأنّ الحجّ يمتاز عن سائر الواجبات الإلهيّة؛ لأنّ المستفاد من النصوص أنّه دَين أو بمنزلة الدَّين فوجوبه على نحو الدَّينية بخلاف سائر العبادات البدنيّة، فإنّه (قده) قال: «إنّ الخطاب بالحجّ من الخطابات الدينيّة على معنى ثبوته في الذمّة على نحو ثبوت الدَّين فيها لا أنّه مثل خطاب السيّد لعبده يراد منه شغل الذمّة بإيجاده في الخارج وإن لم يثبت في الذمّة ثبوت دَين، ومن هنا وجب في حجّ الإسلام إخراج قيمة العمل من أصل التركة، وبهذا المعنى كان واجباً مالياً لا من حيث احتياجه إلى المقدّمات الماليّة ...» [2] . ولذا لو ترك الحجّ المنذور يجب عليه القضاء أو على وليّه بعد موته من أصل التركة؛ لأنّه دَين أو بمنزلة الدَّين، بخلاف مَن ترك نذر الاعتكاف أو الزيارة.
وقد ناقش المحقّق الخوئي (قده) ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده)، فقال: «لا فرق بين الأمرين إلّا ما قيل من أنّ الحجّ واجب مالي وإجماعهم قائم على خروج الواجبات الماليّة من الأصل بخلاف سائر الواجبات كالصلاة والصوم ونحوهما من الواجبات البدنيّة، ولكن من الواضح أنّ الحجّ أيضاً ليس بواجب مالي وإنّما المال يُصرف في مقدّماته وإلّا فأفعال الحجّ كالطواف والسعي والوقوف ليست بواجبات ماليّة إلّا الهَدي فإنّه واجب مالي.
وبالجملة: حال الحجّ كسائر الواجبات الإلهيّة البدنيّة، والواجب المالي ما وجب فيه صرف المال أوّلًا وبنفسه كالدّيون، ومجردّ صرف المال في تحصيل الواجب وصرفه في المقدّمات لا يجعل الواجب واجباً ماليّاً. على أنّه [الحجّ] لو كان واجباً مالياً فلا بدّ من التفصيل بين الحجّ وغيره من الواجبات، لا التفصيل بين نذر الحجّ ونذر غير الحجّ؛ إذ لا خصوصيّة للنذر حينئذ» [3] .
وقد أضاف المحقّق الخوئي (قده): «وأمّا بحسب الروايات فقد ورد تنزيل الحجّ منزلة الدَّين في موردين:
أحدهما: حجّة الإسلام، فإنّ النصوص دلّت على أنّها دَين أو بمنزلته بل المستفاد منها تقديم حجّ الإسلام على الدّيون الشخصية وهذا ممّا لا كلام فيه.
ثانيهما: نذر إحجاج الغير لا نذر الحجّ عن نفسه كما في صحيحة ضريس، قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجّة الإسلام نذر نذراً في شكر ليحجّنّ به رجلاً إلى مكّة، فمات الذي نذر قبل أن يحجّ حجّة الإسلام ومن قبل أن يفي بنذره الذي نذر، قال: إن ترك مالاً يُحجّ عنه حجّة الإسلام من جميع المال، وأُخرج من ثلثه ما يحجّ به رجلاً لنذره وقد وفى بالنذر، وإن لم يكن ترك مالاً إلّا بقدر ما يُحجّ به حجّة الإسلام حُجّ عنه بما ترك، ويحجّ عنه وليّه حجّة النذر، إنّما هو مثل دين عليه» [4] .
والظاهر أنّ إطلاق لفظ الدَّين على نذر إحجاج الغير إنّما هو بلحاظ تشبيهه بالدَّين من حيث قيام الولي بذلك، يعني: كما أنّ وليّ الميّت له التصدّي لأداء ديونه كذلك له أن يقوم بالحجّ عنه في مورد نذر الإحجاج إذا لم يتمكّن هو من ذلك، ولو كان ديناً حقيقياً لزم خروجه من الأصل لا من الثلث» [5] .
والحاصل بما أنّ الكلام في نذر الحجّ لا في الحجّ الواجب عن نفسه (حجّة الإسلام) ولا في إحجاج الغير، فإنّ إطلاق الدَّين على الحجّ المنذور غير صحيح وإن أُطلق ذلك في الروايات على هذين الموردين إلّا أنّهما أجنبيان عن محلّ الكلام، ولذا لا فرق بين نذر الحجّ ونذر غيره من الاعتكاف أو الزيارة. إذن ما ذهب إليه صاحب الجواهر (قده) من التفصيل لا يكون صحيحاً.