الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه
46/03/05
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان
الفرع الثاني: قال صاحب العروة (قده): إذا نذر أن يحجّ وقيّده بسنة معيّنة لم يجز التأخير مع فرض تمكّنه في تلك السنة، فلو أخّر عصى وعليه القضاء والكفّارة، وإذا مات وجب قضاؤه عنه، كما أنّ في صورة الإطلاق ـ إن لم يكن النذر مقيّداً بزمان معيّن ـ إذا مات بعد تمكّنه منه قبل إتيانه وجب القضاء عنه، والقول بعدم وجوبه بدعوى أنّ القضاء بفرض جديد ضعيف لما يأتي.
أقول: أمّا العصيان فلا إشكال فيه لمخالفة الأمر المتوجّه إليه (فِ بالنذر) بعد التمكّن منه، وأمّا ثبوت الكفّارة فلا إشكال فيه أيضاً، وهي إطعام عشرة مساكين.
وإنّما الإشكال في دليل وجوب القضاء عليه أو على وليّه بعد موته فيما لو لم يكن النذر مقيّداً بزمان معيّن أو كان مقيّداً بزمان معيّن؛ لأنّ هذه المسألة لم يرد فيها نصّ بالخصوص، ولا بدّ من الرجوع فيها إلى ما تقتضيه القاعدة لمعرفة الحكم.
نعم ورد النصّ على وجوب قضاء ما فات المكلّف من الصلوات الواجبة، أو قضاء ما فاته من الصيام الواجب في شهر رمضان، أو قضاء ما فاته من الصوم المنذور في يوم معيّن إذا تبيّن أنّه كان يوم عيد أو كان الناذر مريضاً أو مسافراً في ذلك اليوم. وكذا ورد النصّ على وجوب القضاء فيما إذا ترك الحجّ الواجب (حجّة الإسلام) حتّى مات، وكذلك لو نذر إحجاج الغير فتركه حتّى مات، فإنّه يجب على وليّه القضاء عنه من أصل التركة.
ولكن لو نذر أن يحجّ بنفسه في سنة معيّنة أو غير معيّنة أو نذر غير الحجّ كزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وعصى ولم يأت بالمنذور بعد التمكّن منه حتّى مات، فقد اختلف العلماء في وجوب القضاء عليه أو على وليّه بعد موته (على حسب القواعد) على أقوال:
القول الأوّل: ما ذهب إليه صاحب العروة (قده) من وجوب القضاء في مطلق الواجبات التي لم يأت بها المكلّف بعد تمكّنه منها، سواء كانت الواجبات متعلّقة بالنذر أو غير متعلّقة به كصوم شهر رمضان والصلوات الواجبة وحجّة الإسلام ونحو ذلك من سائر الواجبات، وسواء كان المنذور الحجّ أو غيره كنذر الاعتكاف ونذر زيارة الإمام الحسين (عليه السلام).
القول الثاني: ما ذهب إليه بعض العلماء من التفصيل بين وجوب القضاء في الواجب المتعلّق بالنذر مطلقاً سواء كان حجّاً أو اعتكافاً أو زيارة للإمام الحسين (عليه السلام)، وبين عدم الوجوب إذا لم يكن الواجب متعلّقاً بالنذر.
القول الثالث: ما ذهب اليه صاحب الجواهر (قده) من التفصيل بين نذر الحجّ ونذر غيره كالاعتكاف والزيارة، فإنّه يجب القضاء في الأوّل (نذر الحجّ) دون الثاني.
القول الرابع: لا يجب القضاء استناداً إلى أصل البراءة؛ لأنّه شكّ في أصل التكليف.
وأمّا دليل مختار صاحب العروة (قده) فإنّه مبني على أنّ جميع الواجبات الإلهيّة ديون لله تعالى سواء كانت مالاً أو عملاً مالياً أو عملاً غير مالي، وذمّة المكلّف مشغولة بتلك الدّيون، ولا يسقط ما في ذمّته إلّا بتسليم العمل لله فإمّا أن يأتي بها بنفسه أو يُقضى عنه، وهذا نظير الديون الشخصية للناس.
ويُردّ عليه: لا دليل على أنّ جميع الواجبات الإلهيّة دَين لله تعالى، فإنّ الله أوجب التكليف واعتبره على ذمّة المكلّف ما دام حيّاً، ولا يعني ذلك أن يكون التكليف دَيناً لله وتبقى ذمّته مشغولة به حتّى بعد الموت أو بعد انتهاء وقته إذا كان مؤقّتاً بحيث إذا مات يُقضى عنه ويُخرج من أصل تركته، فإنّ القضاء يحتاج إلى دليل جديد.
نعم حدوث الوجوب واعتبار التكليف على ذمّة المكلّف في الوقت أو زمن حياته وإن كان مقتضياً لاشتغال الذمّة به لكنّه لا يدلّ على وجوده بعد زوال الوقت أو بعد موته، واشتغال الذمّة به بعد الزوال أو بعد الموت يحتاج إلى دليل آخر غير دليل الحدوث، والمفروض في المقام انتفاؤه لعدم وجود نصّ في المقام يدلّ عليه.
وبناء على ذلك فأنّ دليل الوفاء بالنذر (فِ بالنذر) مطلقاً كان أو مقيّداً بسنة معيّنة يوجب تكليفاً على الناذر ما دام حيّاً وتكون ذمّته مشغولة به، ولكنّه لا يدلّ على وجوب الإتيان بالمنذور بعد مضي تلك السنة أو القضاء بعد موته، ولذا لو زالت المدّة أو مات فثبوت التكليف عليه بالقضاء يحتاج إلى دليل آخر، والدليل الأوّل (فِ بالنذر) لا يتكفّل ذلك.
وهذا بخلاف الدَّين الشخصي، فإنّ الذمّة تبقى مشغولة به حتّى لو مات، ولذا يجب أداؤه من أصل التركة.
إذن لو نذر أن يحجّ مطلقاً أو في سنة معيّنة ولكنّه لم يأت به بعد تمكّنه منه فثبوت القضاء بعد زوال الوقت أو بعد موته يحتاج إلى دليل جديد غير الدليل الأوّل الذي أوجب عليه العمل، والمفروض في المقام انتفاؤه، ولذا لا يجب عليه القضاء فضلاً عن وجوبه على وليّه.
نعم أُطلق الدَّين على الواجبات الإلهيّة في الروايات، وكذا أُطلق الدَّين على الحجّ كما ورد في رواية المرأة الخثعمية التي أتت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقالت: «يا رسول الله إنّ فرض الحجّ قد أدرك أبي، وهو شيخ لا يقدر على ركوب الراحلة، أيجوز أن أحجّ عنه؟ قال (صلّى الله عليه وآله): يجوز، قالت: يا رسول الله، ينفعه ذلك؟ قال (صلّى الله عليه وآله): أرأيت لو كان على أبيك دَين فقضيته، أما كان يجزئ؟ قالت: نعم، قال: فدَين الله أحقّ» [1] .
ويُلاحظ عليه: أوّلا: هذه الرواية ضعيفة السند. وثانياً: إنّ هذا الإطلاق في الحجّ الواجب وكلامنا في الحجّ المنذور. وثالثاً: مَن قال بأنّ كلّ دَين يُستخرج من التركة وإن لم يكن مالاً؟ وما هو الدليل على قضاء كلّ دَين حتّى لو كان عملاً ولم يكن مالاً؟
إذن مختار صاحب العروة (قده) غير صحيح.