« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الجواهري

بحث الفقه

46/03/04

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان

 

(مسألة8): إذا نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان فالظاهر جواز التأخير إلى ظنّ الموت أو الفوت فلا يجب عليه المبادرة إلّا إذا كان هناك انصراف، فلو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً، والقول بعصيانه مع تمكّنه في بعض تلك الأزمنة وإن جاز التأخير لا وجه له ... [1]

فروع في هذه المسألة:

الفرع الأوّل: قال صاحب العروة (قده): لو نذر أن يحجّ إذا شافى الله ولده من المرض العضال ولم يقيّده بزمان معيّن فالظاهر جواز التأخير إلى ظنّ الموت أو ظنّ العجز، ولا يجب عليه المبادرة في أوّل أزمنة الإمكان، وبناء على ذلك لو مات قبل الإتيان بالحجّ في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً؛ لأنّ التكليف لم يكن منجّزاً عليه ما دام التأخير جائزاً، فإنّ العصيان لا يجتمع مع جواز التأخير.

وقد يردّ عليه: ذهب بعض العلماء إلى أنّ الأمر يدلّ على الفورية كما نقل ذلك المحقّق الخميني (قده) عن شيخه المحقّق الحائري (قده) حيث قال في أواخر عمره: إنّ العلل الشرعية كالعلل التكوينية، فكما أنّ ترتّب المعلول في الأمر التكويني على علّته التكوينية يكون فورياً ولا انفكاك أصلاً بينه وبين الفورية، فكذلك الحال في العلل التشريعة، ومنها نذر الحجّ في المقام فلا بدّ أن يكون فورياً [2] .

ولكنّنا قد حقّقنا في الأصول أنّ الأمرـ وكذا الأمر المستفاد من دليل (فِ بالنذر) في المقام ـ إنّما يدلّ على إيجاد الطبيعة المأمورة بها من دون دلالة على الفور أو التراخي.

ولعلّ دليل القول بجواز التأخير إلى ظنّ الموت أو ظنّ العجز هو أصالة السلامة، وقد ذكر ذلك المحقّق الميرزا التبريزي (قده) حيث قال: «ما يمكن أن يقال في وجه ما ذُكر كون أصالة السلامة في أمثال المقام أصل عقلائي يُحرز به التمكّن والإتيان بالفعل مستقبلاً ما لم يكن في البين ما يظنّ معه بعدم التمكّن كالموت أو غيره» [3] .

ويُردّ على فتوى صاحب العروة وما ذكره المحقّق الميرزا التبريزي (قدّس سرّهما) أنّه لا دليل على اعتبار ظنّ الموت أو ظنّ العجز، فإنّه ليس بحجّة، بل الظاهر أنّه يجوز له التأخير مع الاطمئنان بالحياة أو مع الاطمئنان بعدم العجز عن إتيان الواجب في وقت متأخّر، أو يجوز له التأخير مع حصول الوثوق بإتيان المنذور في وقت متأخّر، وأمّا إذا لم يحصل له ذلك فلا يجوز التأخير بل يجب عليه المبادرة إلى الإتيان بالحجّ النذري بحكم العقل من دون دلالة الأمر على ذلك.

إذن لا بدّ أن نقول: ليس للمكلّف تأخير أداء الواجب ما لم يوجد هناك مؤمّن في التأخير، والمؤمّن هو الاطمئنان أو الوثوق بإتيان الواجب لاحقاً في وقت متأخّر، فإذا وُجد فهو وإلّا لا يجوز التأخير لا مع الظنّ ولا مع الشكّ.

إذن لو نذر أن يحجّ ولم يقيّده بزمان معيّن فالظاهر جواز التأخير إن حصل له الاطمئنان أو الوثوق بإتيان الواجب في المستقبل وإلّا لا يجوز له ذلك.

وقد يقال بوجوب إتيان الحجّ النذري فوراً في أوّل أزمنة الإمكان، وليس ذلك لدلالة الأمر على الفورية، فإنّه لا يدلّ على الفورية ولا على التراخي كما تقدّم، ولا لأدلّة حرمة التسويف؛ لإنّها منصرفة إلى الحجّ الواجب وهو حجّة الإسلام، بل إنّما تجب المبادرة إلى إتيانه لأنّ النذر أوجب حقّاً لله على المكلّف، وصاحب الحقّ سبحانه وتعالى لم يرض بالتأخير إلّا إذا كان دليل على ذلك، والمفروض في المقام انتفاؤه فيجب عليه الإتيان بالمنذور فوراً في أوّل أزمنة الإمكان. وقد يُستشهد على ذلك أنّ مقتضى الإطلاق في عقد الإجارة أو عقد البيع هو التعجيل في تمليك المنفعة أو التعجيل في تمليك العين، ولا يجوز التأخير لو أُطلق العقد.

وفيه: إنّ النذر يستوجب حقّاً لله على المكلّف وهو طبيعي الفعل، والأمر به ـ أي: الأمر بالطبيعي ـ لا يقتضي الفور والتراخي، فإن كان هناك حجّة على جواز التأخير كالاطمئنان أو الوثوق بإتيان العمل في وقت متأخّر فهو وإلّا لا يجوز التأخير.

وأمّا ما ذُكر من أنّ المقتضي في عقد الإجارة أو عقد البيع هو التعجيل فهو لأجل القرينة الدالّة عليه عرفاً، فإنّ مقتضاها تعجيل تمليك المنفعة على الوجه العرفي خصوصاً إذا كانت المنفعة سكنى دار أو عقار، وكذلك الحال في تمليك العين إذا كانت ممّا يحتاج إليه عرفاً، ولكنّ المفروض في المقام انتفاء هذه القرينة الدالّة على التعجيل؛ لأنّ الأمر ـ كما ذُكر ـ لا يدلّ على الفورية ولا على التراخي أصلاً.

والحاصل: إنّ المنذور إذا لم يُقيَّد بزمان معيّن يجوز تأخيره مع الاطمئنان أو الوثوق بالتمكّن منه في المستقبل؛ لأنّ الاطمئنان أو الوثوق هو الحجّة، لا الظنّ بعدم الموت أو عدم العجز كما ذكر صاحب العروة (قده) ذلك، إلّا أن يقال إنّ مراده (قده) من الظنّ هو الظنّ المتآخم والقريب من العلم، ولكنّه بعيد؛ لأنّ معنى الظنّ عرفاً ليس ذلك.

 


logo