الأستاذ الشيخ حسن الجواهري
بحث الفقه
45/11/10
بسم الله الرحمن الرحيم
يُشترط الإذن في انعقاد اليمين من الولد والزوج والمملوك/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ
الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /يُشترط الإذن في انعقاد اليمين من الولد والزوج والمملوك
أقول: هناك مناقشتان زائدتان على ما قاله المحقّق الخوئي (قده) وهما:
الأُولى: لو كان جواز حلّ اليمين أو توقّفها على الإذن كما ذكر صاحب العروة (قده) في صورة ما إذا كان متعلّقها مزاحماً لحقّ الوالد أو الزوج أو السيّد، فإنّ هذا قد ذُكر بنحو عام في قوله لا يمين في معصية (المذكورة في نفس الرواية)، فلا تكون خصوصيّة لهذه الموارد، وبما أنّ للجملة الأُولى والثانية والثالثة لها خصوصيّة، وهي احترام الوالد والزوج والسيّد، فلا حقّ للولد أن يحلف إلّا بإذن والده احتراماً له، وكذا لا حقّ للزوجة أن تحلف ولو لعدم منافات حقّ الزوج إلّا بإذن زوجها احتراماً له، وكذلك لا حقّ للعبد أن يحلف ولو في مباح احتراماً لسيّده، إذن هذه الجملات ليست مخصوصة بمنافاتها حقّ الوالد أو حقّ الزوج أو حقّ السيّد.
والثانية: إنّ عدم انعقاد اليمين إلّا بإذن الأب لو كان في صورة ما إذا كان المتعلّق مزاحماً لحقّ الجماعة المذكورة وعدم خصوصيّة لهم، فإنّه لا يختصّ بالولد مع والده، والزوجة مع زوجها، والعبد مع سيّده؛ بل يشمل حلف الزوج أن لا يراعي حقّ الزوجة، وكذا العبد أو الأب، بل يجري الحكم في جميع الموارد التي تعلّق الحلف بما هو متعلّق حقّ الغير.
إذن لهذه المناقشات تحمل الرواية على ظاهرها من اختصاصها بالعناوين الثلاثة من دون كون الحلف منافياً لحقّ الأب أو الزوج أو السيّد.
هذا كلّه في اليمين.
قال صاحب العروة (قده):
وأمّا النذر فالمشهور بينهم أنّه كاليمين في المملوك والزوجة، وألحق بعضهم بهما الولد أيضاً، وهو مشكل لعدم الدليل عليه خصوصاً في الولد إلّا القياس على اليمين بدعوى تنقيح المناط وهو ممنوع، أو بدعوى أنّ المراد من اليمين في الأخبار ما يشمل النذر لإطلاقه عليه في جملة من الأخبار منها خبران في كلام الإمام (عليه السلام)، ومنها أخبار في كلام الراوي وتقرير الإمام (عليه السلام) له، وهو أيضاً كما ترى، فالأقوى في الولد عدم الإلحاق [1] .
وأمّا بالنسبة إلى النذر فقد ذكر المصنّف (قده): إنّ المشهور بين العلماء أنّه كاليمين في المملوك والزوجة، ولذا لا يصحّ النذر منهما إلّا بإذن السيّد والزوج، وألحق بعضهم الولد أيضاً بالمملوك والزوجة، ثمّ استشكل في هذا الإلحاق بدعوى أنّ الدليل ورد في اليمين بأنّه لا يمين للولد مع والده، ولم يرد أيّ دليل على أنّ نذره كذلك (أي: لا ينعقد نذر الولد مع والده) إلّا إذا قلنا بالقياس على اليمين وهو ممنوع، ولذا ينعقد النذر من الولد ولا يعتبر فيه إذن الوالد.
ولكنّ المحقّق الخوئي (قده) ناقش ذلك، فقال: هذا غريب على مسلك المصنّف (قده)؛ لأنّه خصّ توقّف انعقاد اليمين على الإذن بما إذا كان منافياً لحقّ الوالد أو السيّد أو الزوج، ولا فرق في ذلك بين النذر واليمين لاعتبار الرجحان في متعلّقهما، ولذا لو كان متعلّق النذر منافياً لحقّ هؤلاء كان مرجوحاً لا ينعقد هذا النذر كاليمين، فلا حاجة في إلحاق النذر باليمين إلى دليل خاص حتّى يقال لا دليل على الإلحاق سوى القياس. وبناء على ذلك، إنّ البحث عن إلحاق النذر باليمين وعدمه ساقط على مسلك المصنّف (قده).
نعم، إنّ البحث عن الإلحاق يتمّ بناء على ما اخترناه من توقّف انعقاد اليمين على الإذن مطلقاً سواء كان متعلّقه منافياً لحقّ الوالد والزوج والسيّد أو لم يكن كذلك، أو بناء على انعقاد اليمين مطلقاً ولكن لهم الحقّ في حلّ اليمين.
ثمّ قال المحقّق الخوئي (قده): إنّ الظاهر عدم إلحاق النذر باليمين؛ لأنّ صحيحة منصور بن حازم وردت في اليمين، ولا يسري حكمها إلى النذر، ولذا يختلف حكم اليمين عن النذر، فلا تنعقد اليمين من الولد مع والده إلّا بإذنه لدلالة الصحيحة على ذلك، ولكن ينعقد النذر من الولد من دون إذن الأب ومن دون نهيه لعدم إلحاق النذر باليمين. نعم، للأب أن يحلّ نذر ولده؛ لأنّ متعلّق النذر يعتبر فيه الرجحان حتّى بقاء، فإذا نهاه الأب عن الإتيان بالمتعلّق يصبح مرجوحاً فينحل [2] .
ويردّ عليه:
أوّلاً: إنّ التعبير «بأنّ للأب أن يحلّ نذر ولده أو له الحقّ في حلّ يمينه» غير صحيح؛ لأنّ الوالد له حقّ المنع والنهي عن نذر الولد ويمينه وعهده، وبما أنّه يُشترط المتعلّق في هذه الأمور أن يكون راجحاً فمع نهي الوالد عن ذلك يصبح المتعلّق مرجوحاً وينحلّ بنفسه لا أنّ الوالد يحلّه.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي (قده) قال بعدم الفرق بين النذر واليمين لاعتبار الرجحان في متعلّقيهما.
وهذا من المحقّق الخوئي (قده) مخالف لمسلكه الذي قال فيه: إنّ متعلّق اليمين لا يتوقّف على الرجحان بل يتوقّف على جواز الفعل مع الإذن. نعم، النذر يتوقّف على الرجحان ولكن هنا خلط بينهما.
ثانياً: لو نذر الولد أن يأتي بصلاة الليل أو يقرأ القرآن أو نحو ذلك ولم يكن قصده تأثّر الوالد وتألّمه، فإذا نهى الوالد عن ذلك، فإنّ نهىه لا يوجب خروج المنذور عن الرجحان بل تبقى صلاة الليل وقراءة القرآن على رجحانها.
ثالثاً: إنّ المراد من لفظ اليمين في الروايات ـ إمّا في كلام الأئمّة (عليهم السلام) أو في كلام الراوي مع تقرير الأئمّة (عليهم السلام) ـ هو الأعم منها ومن النذر، وقد أطلق اليمين فيها على النذر، فيسري الحكم من اليمين إلى النذر.
وليس اللازم أن تكون الروايات كلّها صحاح؛ لأنّ الكلام في ثبوت إطلاق اليمين على النذر في لسان العرب.
منها موثّقة سماعة، قال: «سألته عن رجل جعل عليه أيماناً أن يمشي إلى الكعبة، أو صدقة، أو نذراً، أو هدياً إن هو كلّم أباه، أو أمّه، أو أخاه، أو ذا رحم، أو قطع قرابة، أو مأثماً يقيم عليه، أو أمراً لا يصلح له فعله؟ فقال: لا يمين في معصية الله، إنّما اليمين الواجبة التي ينبغي لصاحبها أن يفي بها ما جعل لله عليه في الشكر إن هو عافاه الله من مرضه، أو عافاه من أمر يخافه، أو رد عليه ماله، أو ردّه من سفر، أو رزقه رزقاً، فقال: لله عليّ كذا وكذا لشكر، فهذا الواجب على صاحبه (الذي ينبغي لصاحبه) أن يفي به» [3] ، فإنّ إطلاق اليمين على صيغة النذر ظاهر في قوله (عليه السلام) «إنّما اليمين الواجبة التي ينبغي لصاحبها أن يفي بها ... فقال: لله عليّ كذا وكذا لشكر».
ومنها: خبر السندي بن محمّد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قلت له: جعلت على نفسي مشياً إلى بيت الله، قال: كفّر عن يمينك، فإنّما جعلت على نفسك يميناً، وما جعلته لله ففِ به» [4] ، فإنّ قوله «جعلت على نفسي مشياً» نذر غير شرعي؛ لأنّ صيغة النذر الشرعي هي «لله عليّ»، وقد قال الإمام (عليه السلام): «كفّر عن يمينك»، وقد أطلق اليمين على هذا النذر.
ومنها: خبر الحسن بن عليّ، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: إنّ لي جارية ليس لها منّي مكان ولا ناحية، وهي تحتمل الثمن، إلّا أنّي كنت حلفت فيها بيمين، فقلت: لله عليّ أن لا أبيعها أبداً، ولي إلى ثمنها حاجة مع تخفيف المؤنة، فقال: فِ لله بقولك له» [5] ، فإنّ الرواي أطلق اليمين على صيغة النذر «فقلت: لله عليّ أن لا أبيعها أبداً» وأقرّ ذلك الإمام (عليه السلام).
ومنها: خبر الحسين بن بشير، قال: «سألته عن رجل له جارية حلف بيمين شديدة، واليمين لله عليه أن لا يبيعها أبداً، وله (إليها) حاجة مع تخفيف المؤنة؟ فقال: ف لله بقولك له» [6] .
ومنها: خبر مسعدة بن صدقة، قال: «سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)، وسئل عن الرجل يحلف بالنذر، ونيته في يمينه التي حلف عليها درهم أو أقل، قال: إذا لم يجعل لله فليس بشيء» [7] ، فإنّ قول الراوي «يحلف بالنذر» يدلّ على إطلاق كلمة اليمين على النذر مع إقرار الإمام (عليه السلام).