« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الجواهري

بحث الفقه

45/11/04

بسم الله الرحمن الرحيم

انعقاد النذر والعهد واليمين من الولد والزوج والمملوك/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /كتاب الحجّ

 

الموضوع: كتاب الحجّ/فصل في الحجّ الواجب بالنذر والعهد واليمين /انعقاد النذر والعهد واليمين من الولد والزوج والمملوك

 

(مسألة1): ذهب جماعة إلى أنّه يُشترط في انعقاد اليمين من المملوك إذن المولى، وفي انعقاده من الزوجة إذن الزوج، وفي انعقاده من الولد إذن الوالد، لقوله (عليه السلام): «لا يمين لولد مع والده، ولا للزوجة مع زوجها، ولا للمملوك مع مولاه»، فلو حلف أحد هؤلاء بدون الإذن لم ينعقد، وظاهرهم اعتبار الإذن السابق فلا تكفي الإجازة بعده، مع أنّه من الإيقاعات وادّعى الاتّفاق على عدم جريان الفضوليّة فيها، وإن كان يمكن دعوى أنّ القدر المتيقّن من الاتّفاق ما إذا وقع الإيقاع على مال الغير، مثل الطلاق والعتق ونحوهما، لا مثل المقام ممّا كان في مال نفسه، غاية الأمر اعتبار رضا الغير فيه، ولا فرق فيه بين الرضا السابق واللاحق، خصوصاً إذا قلنا: إنّ الفضولي على القاعدة.

وذهب جماعة إلى أنّه لا يُشترط الإذن في الانعقاد، لكن للمذكورين حلّ يمين الجماعة إذا لم يكن مسبوقاً بنهي أو إذن، بدعوى أنّ المنساق من الخبر المذكور ونحوه أنّه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة المولى أو الأب أو الزوج، ولازمه جواز حلّهم له، وعدم وجوب العمل به مع عدم رضاهم به، وعلى هذا فمع النهي السابق لا ينعقد، ومع الإذن يلزم، ومع عدمهما ينعقد ولهم حلّه.

ولا يبعد قوّة هذا القول، مع أنّ المقدّر كما يمكن أن يكون هو الوجود يمكن أن يكون هو المنع والمعارضة، أي لا يمين مع منع المولى مثلاً، فمع عدم الظهور في الثاني لا أقلّ من الإجمال، والقدر المتيقّن هو عدم الصحّة مع المعارضة والنهي ... [1]

ذهب جماعة إلى أنّه يُشترط في انعقاد اليمين (وكذا النذر والعهد) من المملوك إذن المولى، ويُشترط في انعقاده من الزوجة إذن الزوج، ويُشترط في انعقاده من الولد إذن الوالد، فإذا حلف هؤلاء الثلاثة بدون الإذن لم ينقعد؛ لقوله (عليه السلام): «لا يمين لولد مع والده، ولا للزوجة مع زوجها، ولا للمملوك مع مولاه».

وذهب آخرون ومنهم المصنّف (قده) إلى أنّه لا يُشترط الإذن في انعقاد اليمين (والنذر والعهد)، فينعقد من دون الإذن إلّا أنّ المولى والزوج والوالد لهم الحقّ في حلّ اليمين.

الثمرة:

تظهر الثمرة بين القولين في انعقاد اليمين (والنذر والعهد) وعدمه، فإنّه لا تنعقد اليمين على القول الأوّل؛ لأنّ الإذن فيه شرط الصحّة فلا يمين إلّا بإذن المولى والزوج والوالد، وتنعقد اليمين على القول الثاني لكن لهم الحقّ في حلّ اليمين. وبناء على ذلك، لو مات المولى أو الزوج أو الوالد قبل الإذن، فإنّه لا تصحّ اليمين ولم تكن منعقدة على القول الأوّل ولا قيمة لهذا اليمين؛ لاشتراط الإذن في صحّته، ولكنّه تصحّ اليمين على القول الثاني وتكون منعقدة. وكذا تظهر الثمرة في وجوب الكفّارة على مخالفة اليمين في القول الثاني دون الأوّل، فإنّه بناء على القول الثاني تصحّ اليمين حتّى لو لم يأت الإذن لا سابقاً ولا لاحقاً بشرط عدم نهي المولى والزوج والوالد عن ذلك، فيجب العمل بها حينئذ، وعليه الكفّارة إذا خالف، بخلاف القول الأوّل فإنّه لا كفّارة على المخالفة إذا لم يأت الإذن لا قبل الحلف ولا بعده.

ملاحظة:

جمع صاحب الشرائع (قده) بين القولين حيث قال: «ولا تنعقد (اليمين) من الولد مع والده إلّا مع إذنه، وكذا يمين المرأة، والمملوك، إلّا أن يكون اليمين في فعل واجب أو ترك قبيح، ولو حلف أحد الثلاثة في غير ذلك كان للأب والزوج والمالك حلّ اليمين ولا كفّارة» [2] ، فإنّه (قده) حكم أوّلاً بعدم انعقاد اليمين من الولد والزوجة والمملوك إلّا مع الإذن، ثمّ بعد ذلك حكم بأنّه لو حلف أحد هؤلاء الثلاثة كان للأب والزوج والمولى حلّ اليمين ولا كفّارة عليهم، ولازم ذلك هو انعقاد اليمين؛ لأنّ الحلّ وإبطال اليمين إنّما يكون بعد انعقاده لا قبله.

ثمّ وجّه صاحب الجواهر (قده) كلام صاحب الشرائع، فقال: لا تناقض في كلامه؛ لأنّ المراد من حكمه أوّلاً بعدم انعقاد اليمين بقرينة الآخر بأنّ لهم الحقّ في حلّ اليمين هو كونها يمين متزلزلة، ويصدق على هذه اليمين أنّها غير منعقدة، وليس المراد من عدم الانعقاد معنى الفساد حتّى يكون منافياً لما ذكره من جواز حلّ اليمين [3] .

قول أهل السنّة:

قال أهل السنّة تنعقد اليمين (والنذر والعهد) من الزوجة والمملوك والولد من دون إذن المولى والزوج والوالد، والمراد من الولد هو ما ولده هذا الرجل وقد يلد ذكراً أو أنثى فيكون شاملاً للأنثى أيضاً.

ودليلهم في ذلك هو أنّ الإبن كأبيه، والزوجة كزوجها.

وهذه الفتوى من أهل السنّة بناء على عدم حجيّة أخبار الأئمّة (عليهم السلام)؛ لأنّهم يعتقدون أنّ الأئمّة (عليهم السلام) لا يسندون الأخبار إلى رسول الله (صلّ الله عليه وآله) فتكون الرواية مقطوعة ومرسلة وغير مسندة، ولذا ذهبوا إلى صحّة اليمين والنذر والعهد من هؤلاء الثلاثة من دون إذن الزوج والمولى والوالد.

وفيه: إنّ روايات الأئمّة (عليهم السلام) متواترة وصريحة في أنّ ما يقولونه عن آبائهم (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّ الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى، فإنّهم (عليهم السلام) ليسوا مجتهدين ولا من أهل الرأي، ولا يقدّمون آراءهم على الكتاب والسنّة. ولذا لا توجد هذه المسألة عند أهل السنّة بل إنّها موجودة في كتب الإماميّة فقط؛ لأنّهم يعتقدون بأنّ كلام الإمام (عليه السلام) هو كلام رسول الله (صلّ الله علىه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى.

منشأ الخلاف في المسالة (عند الإماميّة):

إنّ منشأ الخلاف في هذه المسألة هو الاختلاف في الاستظهار من صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وغيرها، حيث قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا يمين للولد مع والده، ولا لمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة» [4] .

وادّعى صاحب العروة (قده) أنّ المنصرف من الصحيحة المذكورة وغيرها هو أنّه لا يمين للولد مع نهي الوالد ومعارضته، وكذا لا يمين للمملوك ولا الزوجة مع نهي المولى والزوج، فإذا لم ينه ولم يعارض الوالد أو الزوج أو المولى تنعقد اليمين من دون حاجة إلى الإذن، ولازم ذلك أنّ لهم الحقّ في حلّ اليمين، وليس المستفاد منها أنّه لا تنعقد اليمين من الأوّل، بينما المحقّق الخوئي (قده) يرى أنّ اليمين متوقّفة على إذن الوالد والزوج والمولى، فلا تصحّ اليمين إلّا بإذن منهم.

وذكر صاحب الجواهر (قده) [5] وجهاً يؤيّد به ما ذهب إليه صاحب العروة وقبله من العلماء من انعقاد اليمين من دون إذن ومع عدم المعارضة والنهي إلّا أنّ لهم الحقّ في حلّ اليمين، وحاصل ذلك: لا بدّ من تقدير كلمة «الوجود» أو «المنع والمعارضة» في قوله (عليه السلام) «لا يمين للولد مع والده»، أي: «لا يمين للولد مع وجود والده» أو «لا يمين للولد مع منع الوالد ومعارضته»، فالأمر يدور بين التقديرين، إمّا أن يقال بأنّه لا تنعقد اليمين مع وجود الوالد إلّا بإذنه، أو يقال بأنّه لا تنعقد اليمين مع منع الوالد ومعارضته، وعلى سبيل المثال لو حلف الولد مائة يمين، ونهى الوالد عن ذلك بمقدار ثلاثين مرة، فإنّه على التقدير الأوّل لم تنعقد جميع الأيمان، وعلى التقدير الثاني لم تنعقد الأيمان بمقدار المنع والمعارضة فينعقد سبعون يمين منها. وبناء على ذلك، لو كان المنصرف من الروايات هو عدم جواز مزاحمة الوالد والزوج والمولى، وكان المقدّر كلمة «المنع والمعارضة» كما ادّعى ذلك صاحب العروة وجماعة أُخرى فهو وإلّا تصبح الرواية المذكورة ونحوها مجملة من دون ترجيح لأحد التقديرين، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن منها، وهو عدم صحّة اليمين مع المعارضة والمنع؛ لأنّ المقام من قبيل دوران الأمر في التخصيص بين الأقلّ والأكثر، فيؤخذ بالأقلّ المتيقّن والزائد يكون داخلاً تحت العام، فإنّه إذا كان الخاص، أي: «لا يمين للولد مع والده» مجملاً، وأدلّة الوفاء باليمين عامّة، يخرج الأقلّ المتيقّن من العام وهو اليمين الذي يعارض واجبات الوالد والزوج والمولى. ولذا يكون هذا الوجه مؤيّداً لما ذهب إليه صاحب العروة وجمع من العلماء، وتنعقد اليمين من الولد إذا لم ينه الوالد عن ذلك وإن كان له الحقّ في حلّ اليمين.

ولكنّ المحقّق الخوئي (قده) ناقش ما ذكره صاحب الجواهر فقال [6] : لا حاجة إلى التقدير؛ لأنّ «لا» النافية للجنس تُعرض على نفس الماهيّة، والماهيّة بنفسها قد تكون موجودة وقد تكون معدومة من دون أيّ واسطة في البين، وبناء على ذلك، إنّ «لا» النافية للجنس تُعرض على مفهوم وماهيّة اليمين، ولذا ماهيّة اليمين تكون معدومة مع وجود الوالد من دون إذنه، وليس المعدوم هو الوجود أو المعارضة.

وقال المحقّق الخوئي (قده): إنّ المعنى ـ والله العالم ـ أنّ يمين الولد لا يجتمع مع الوالد، فلا حاجة إلى التقدير حتّى يتردّد الأمر بين التقديرين فالنصّ ظاهر في إلغاء اليمين ما دام الوالد حيّاً.

ولكنّ المتفاهم عرفاً من ذلك أنّ إلغاء اليمين من جهة رعاية الوالد، فإن أذن أو أجاز تنعقد اليمين، فالرواية تنهى عن يمين الولد مستقلّاً حتّى إذا لم يطّلع عليها الأب بل لا بدّ من إذنه واطّلاعه.

ويُردّ عليه: إنّ التقدير المذكور في كلام صاحب الجواهر (قده) ليس بعد «لا» النافية للجنس حتّى يقال إنّها تنفي ماهيّة اليمين في قوله «لا يمين للولد مع والده» ولا تنفي الوجود أو المعارضة، بل المقدّر المذكور بعد كلمة «مع»، فتكون الرواية «لا يمين للولد مع وجود الوالد إلّا بإذنه»، أو «لا يمين مع منع ومعارضة الوالد».

ولا ينبغي أن يُحمل كلام صاحب الجواهر (قده) على تغيير محلّ التقدير بجعل المقدّر «الموجود» بعد كلمة «لا يمين»، وبجعل المقدّر «المعارضة» بعد كلمة «مع» كما قال المحقّق الخوئي (قده).

 


logo