« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ باقر الايرواني
بحث الفقه

46/07/04

بسم الله الرحمن الرحيم

-الفصل العاشر ( في النفقات )– كتاب النكاح.

الموضوع: - الفصل العاشر ( في النفقات )كتاب النكاح.

 

وأما الحكم الثالث: - فالمستند له ثلاثة أدلة: -

الدليل الأول: - رواية السكوني المتقدمة، وهي ما رواه محمد بن يعقوب عن علي ابن براهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: - ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله:- أيما امرأة خرجت من بيتها بغير إذن زوجها فلا نفقة لها حتى ترجع )[1] ، ودلالتها على المطلوب واضحة حيث قالت ( خرجت من دون إذن زوجها ) ونحن في هذا الحكم فرضنا أنها تاركة للبيت الزوجي وهذا فيه دلالة أكثر على أنها هاجرة للبيت الزوجي وحينئذٍ تسقط نفقتها حتى ترجع.

يبقى اشكال قد تقدم في سند الرواية: - وهو أنَّ السكوني كيف يمكن توثيقه؟ وقد قلنا: - يمكن توثيقه من خلال عبارة الشيخ الطوسي في العدة حيث قال: - ( ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه ... والسكوني ... من العامة )، وأما النوفلي فصحيح أنه يرد في حقّه مثل هذا الكلام الذي ذكره الشيخ الطوسي ولكن نقول إذا قبلنا بروايات السكوني فلازمه أن نقبل بروايات النوفلي، لأنَّ السكوني عادةً يروي عنه النوفلي فإذا لم نقبل بالنوفلي فسوف يلزم من ذلك أن نردَّ نصف ثلاثة أرباع روايات السكوني، والمفروض أنَّ الطائفة قد عملت بروايات السكوني، فتثبت بذلك وثاقة النوفلي.

الدليل الثاني: - إنَّ النفقة إنما وجبت على الزوج للزوجة باعتبار أنها تتصدى للقيام بشؤون الزوجية والتي منها الأمر الجنسي وإدارة البيت الزوجي وما شاكل ذلك، فالنفقة وجبت لأجل هذه الأمور لأنها تقوم بأمر كبير وهو إدارة بيت الزوجية، فإذا فرض أنها تركت البيت الزوجي فهذا معناه أنَّ هذه الأمور سوف لا تقوم بها، وعليه فسوف تسقط النفقة لما قلنا من أنَّ النفقة قد ثبتت لأجل هذه الأمور. وهذا وجه استظهاري - أو جداني - ولم يرد في نصٍّ خاص.

الدليل الثالث:- الآيتان الشريفتان، وهما قوله تعالى:- ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾، فالدليل على جوب الانفاق على الزوجة هو هذه الآية الكريمة ونظائرها، وقوله تعالى:- ﴿ فإمساك بمعروف ﴾ يعني امسك الزوجة وأبقِها عندك بالنحو المتعارف، ومن المعلوم أنَّ النحو المتعارف هو أن ينفق عليها وهي تدير بيت الزوجية، وحينئذٍ إذا تركت بيت الزوجية وخرجت فإذا لم ينفق عليها ففي مثل هذه الحالة لا يصدق عليه إنَّ معاشرته لها وإمساكه لها ليس بالمعروف، بل هي التي خرجت من البيت الزوجي، وأما إذا كانت موجودةً في البيت وتديره وهو لم ينفق عليها فهذا يكون ليس إمساكاً بمعروف، وأما إذا فرض أنها خرجت رغم كونه مستعداً لتهيئة جميع الأمور فحينئذٍ لا يصدق عليه أنَّ معاشرته وامساكه ليس بالمعروف، وعليه فهذا الدليل بنفسه قاصر عن اثبات وجوب النفقة على الزوجة إذا خرجت من البيت تاركةً له.

هذا وقد يقال:- هناك بعض الأدلة التي لم تأخذ قيد الإمساك المعروف فنتمسك بإطلاقها لإثبات وجوب النفقة مطلقاً، وبكلمة أخرى:- إنَّ الآيتين المتقدمتين أمرتا بالإمساك والمعاشرة بالمعروف وقلنا إنَّ الإمساك المعاشرة بالمعروف هو لازمٌ فيما إذا فرض أنَّ الزوجة كانت موجودة في البيت الزوجي وتدير شؤونه فالإمساك والمعاشرة بالمعروف يتحقق بالإنفاق عليها، وأما إذا فرض وجود أدلة أخرى غير مقيدة بالمعروف فنتمسك بإطلاقها حينئذٍ لإثبات وجوب النفقة عليها مطلقاً، والأدلة الآخرى هي قوله تعالى:- ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾، فإنها تأمر بأنَّ يعطيها نفقتها وكسوتها بما هو المتعارف ولا يوجد فيها تعبير ( وعاشروهن بالمعروف ) وإنما الرزق لابد وأن يدفع إليها بالنحو المتعارف وأنه كم يكون مقداره في كل يوم فلا بد أن يدفعه إليها وكذلك الحال في الملابس، ومعتبرة الفضيل بن يسار، وهي وما رواه محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن ربعي بن عبد الله والفضيل بن يسار جميعاً عن أبي عبد الله عليه السلام:- ( في قوله تعالى ومن قدر عليه رزقه فلينفق ما آتاه الله، قال:- إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلا فُرّق بينهما )[2] .

فهذه الصحيحة مطلقة ولا يوجد فيها قيد ( المعاشرة بالمعروف ) كما في الآيتين المتقدمتين وإنما دلت على أنه يلزم أن ينفق الزوج على الزوجة ما يقيم ظهرها مع الكسوة وإلا فُرّق بينهما، وهكذا الحال في قوله تعالى:- ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ فإنَّ المقصود من المعروف في الآية الكريمة يعني أنَّ مقدار الرزق والكسوة يلزم أن يكون بالمتعارف ولكن لا يوجد فيها قيد المعاشرة بالمعروف، وإنما يلزم أن يدفع الرزق بالمقدار المتعارف، فنتمسك بإطلاق هذين الدليلين لإثبات وجوب النفقة على الزوجة حتى إذا خرجت من البيت الزوجي، فلماذا تتمسك بالآتين الكريمتين السابقتين وتترك التمسك بهذين المستندين اللذين يمكن من خلالهما اثبات وجوب النفقة على الزوجة مطلقا؟

قلت: - إنَّه لابد من قراءة جميع ادلة المسألة جنباً على جنب لا قراءة بعضها بقطع النظر عن البعض الآخر فإنَّ هذا ليس بصحيح، وإذا قرأناها جميعاً فالمستفاد منها هو أنَّ النفقة على الزوجة إنما تجب فيما إذا كانت معاشرتها بالمعروف.

وأما الحكم الرابع: - فحيث إنَّ الأمر في مثل هذه الحالة ليس بواضح، لأنَّ الزوجة موجودة في البيت الزوجي لكن اخلاقها كانت سيئة فوضوحٌ في أنَّ معاشرتها ليست بمعروف بحيث تسقط النفقة ليس بواضح، ومقتضى الاحتياط هو لزوم الإنفاق عليها.


logo