« قائمة الدروس
الأستاذ السيد مجتبی الحسيني
بحث الفقه

47/04/07

بسم الله الرحمن الرحیم

المسألة الثالثة في موجبات سجدتي السهو/موجبات سجدة السهو واحكامها /كتاب الصلاة

الموضوع: كتاب الصلاة/موجبات سجدة السهو واحكامها /المسألة الثالثة في موجبات سجدتي السهو

دخلنا في اليوم الماضي الى البحث حول (مسألة 3): إذا سها عن سجدة واحدة من الركعة الأُولى مثلًا وقام وقرأ الحمد والسورة وقنت وكبّر للركوع فتذكّر قبل أن يدخل في الركوع وجب العود للتدارك، وعليه سجود السهو ستّ مرّات، مرّة‌ لقوله: بحول اللّٰه، ومرّة للقيام، و مرّة للحمد، ومرّة للسورة، و مرّة للقنوت، ومرّة لتكبير الركوع، وهكذا يتكرّر خمس مرّات لو ترك التشهّد وقام وأتى بالتسبيحات، والاستغفار بعدها، وكبّر للركوع فتذكّر).

كان كلامنا في انه هل تكرر سجدة السهو منوط على تكرر السهو، او منوط على تعدد عناوين التي وردت فيها سجدة السهو على من زاد او نقص منها سهواً؟ وكذلك في الشك بين الرابعة والخامسة حيث يبني على الرابعة ويسجد سجدتي السهو لاحتمال زيادة ركعة فيها؟. وبعبارة أخرى هل موضوع وجوب سجدة السهو هو نفس السهو، او موضوعه الفعل الذي اتى به سهواً.

ان السيد الخوئي رضوان الله عليه جعل موضوع وجوب سجدة السهو هو نفس السهو، ولكننا أخيراً اخترنا ان موضوع سجدتي السهو هو العناوين التي وردت لها سجدتي السهو اذا زاد او نقص. وقلنا ان لسان الروايات تدل على ان موضوع وجوب سجدتي السهو هو أجزاء الصلاة القولية او الفعلية التي وردت لها سجدتي السهو لزيادتها او نقصانها. او الشك في أحدهما كما في الشك بين الخامسة والرابعة بعد اكمال السجدتين فقال: بعص أصحاب بحثنا هذا منكم مجرد الادعاء.

فرأيت لزوم توضيح وجه الخيار حتى لا يبقى شبهة في البين ولا سيما كلامنا مع احد اباقرة الفقه المرحوم آية الله السيد ابوالقاسم الخوئي رضوان الله عليه:

فنقول: ان السهو حالة طارئة على نفس المصلي وليس من أجزاء الصلاة فالخطاء او احتمال الخطاء منشأه السهو والنسيان، ولسان الروايات يؤيد هذا المعنى ايضاً، فاليوم نطل إطلالة على بعض النصوص الواردة في موضوع سجدة السهو كي يتضح صحة ما قلناه، فاليك بعض النصوص مع عدم التعرض لاسنادها رعاية للاختصار ونحن انما نراجع أليها للاستناد في كشف موضوع سجدة السهو فلسنا بصدد دراسة جميع مداليلها:

احدها: صحيحة: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: "عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ نَاسِياً فِي الصَّلَاةِ- يَقُولُ أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ؟ فَقَالَ: يُتِمُّ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ"[1] الحديث،

أي من تكلم ناسياً يسجد سجدتي السهو فاوجب سجدتي السهو للمتكلم فالتكلّم هو الموضوع و منشأه النسيان.[2]

ثانيها: صحيحة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: "إِذَا كُنْتَ لَا تَدْرِي أَرْبَعاً صَلَّيْتَ أَمْ خَمْساً- فَاسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ تَسْلِيمِكَ سَلِّمْ بَعْدَهُمَا".[3]

فأوجب سجدتي السهو لاحتمال زيادة ركعة.

ثالثها: صحيحة: سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: "قَالَ الرِّضَا عليه السلام فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ- إِذَا نَقَصْتَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَإِذَا زِدْتَ فَبَعْدَهُ". سعد بن سعد وثقه الكشي والنجاشي وهو من اصحاب الرضا والجواد عليهما السلام.

فيها تعليق سجدتي السهو على النقصان او الزيادة، ولكن فيها الامر باتيان سجدتي السهو في اثناء الصلاة أي اتيانها قبل السلام، فحمله صاحب الوسائل على التقية، ولكن هذا الأمر لا يسقطها عن حجية ما نحن بصدد اثباته.

رابعها: صحيحة زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام يَقُولُ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ- فَلَمْ يَدْرِ زَادَ أَمْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ- وَسَمَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صل الله عليه واله الْمُرْغِمَتَيْنِ. [4]

فالأمر بالسجدة لاحتمال الزيادة او النقصان في أفعال او اذكار الصلاة.

خامسها: صحيحة الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنِ السَّهْوِ؟ فَقَالَ: "مَنْ حَفِظَ سَهْوَهُ فَأَتَمَّهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ، وَإِنَّمَا السَّهْوُ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْرِ أَزَادَ فِي صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ مِنْهَا"[5]

فجعل سجدة السهو لاتمال الزيادة او النقيصة في أجزاء الصلاة.

سادسها: صحيحة مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: "سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَسْهُو فَيَقُومُ فِي حَالِ قُعُودٍ أَوْ يَقْعُدُ فِي حَالِ قِيَامٍ؟ قَالَ: يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَ هُمَا الْمُرْغِمَتَانِ تُرْغِمَانِ الشَّيْطَانَ".[6]

هنا أيضا الأمر بسجود السهو للقيام والقعود في غير موقعه وكون سجدتي السهو جابراً لمنقصة التي حدثت في صلاته، لا ينافي مع كونها مرغمة للشيطان ايضاً فعباداتنا كلّها مرغمة للشيطان.

سابعها: موثقة عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى: قَالَ: "سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنِ السَّهْوِ- مَا تَجِبُ فِيهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ؟ قَالَ: "إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَقُمْتَ- أَوْ أَرَدْتَ أَنْ تَقُومَ فَقَعَدْتَ- أَوْ أَرَدْتَ أَنْ تَقْرَأَ فَسَبَّحْتَ- أَوْ أَرَدْتَ أَنْ تُسَبِّحَ فَقَرَأْتَ فَعَلَيْكَ سَجْدَتَا السَّهْو"ِ- الحديث[7]

فهذا الحديث صريح على ان سجدة السهو للقيام مكان القعود وللقعود مكان القيام والقراءة مكان التسبيح، وبالعكس وهي أجزاء للصلاة.

وثامنها: مرسلة سُفْيَانَ بْنِ السِّمْطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: "تَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ- فِي كُلِّ زِيَادَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْكَ أَوْ نُقْصَانٍ".[8]

جعل فيها الزيادة اوالنقصان الداخل على المصلي موضوع لوجوب سجدتي السهو.

هذه الروايات التي ذكرناها نماذج من الروايات ولو ارادنا ان نستوعب كلها بلغ عددها عشرات من الروايات. وعلى كل حال متعلق وجوب سجدة السهو هي الخلل في اجزاءالصلاة الناشئة عن السهو والنسيان والشك. فما ذكره المصنف من تكرار سجدتي السهو صحيح على مبناه في ان لكل زيادة او نقيصة سجدتي السهو، ولكن من يحصر وجوب سجدة السهو في خمس موارد او ست موارد فلا يوافق المصنف كما توضّح من خلال تعليقات الواردة على العروة في هذه المسألة.

فما قاله السيد الخوئي: (انّ مقتضى ما ذكرناه من كون المعيار وحدة السهو وتعدّده وجوب السجدتين مرّة واحدة، لأنّ الكلّ قد نشأ عن سهو واحد، وإلّا فلو كان المدار على لحاظ المتعلّق وتقسيط السبب حسب تعدّده وجب لحاظ تعدّد السبب حينئذ بعدد الآيات، بل الكلمات، بل الحروف على المختار أو كلّ حرفين على المعروف من اعتبار الاشتمال عليهما في صدق التكلّم السهوي الموجب للسجدة على الخلاف المتقدّم في محلّه والكلّ كما ترى. وعلى الجملة: إن كان المدار على ملاحظة السهو نفسه لم يجب في البين عدا السجدتين مرّة واحدة، لنشئ المجموع عن سهو واحد، فلم يكن ثمّة إلّا زيادة واحدة، وهذا هو الصحيح. وإن كان المدار على ملاحظة المتعلّق لزم التقسيط حسب التفصيل المتقدّم. فالتفكيك الذي صنعه في المتن غير ظاهر الوجه)[9] .

هذه الملازمة التي ذكرها السيد الخوئي في غير محلها لان موضوع سجدتي السهو هو العناوين التي تترتب عليها سجدتي السهو منها الكلام الزائد والكلام عبارة عن كلمات مفردة بينها ربط وقد يتحقق بحرف واحد ك-ق- صيغة الامر من الوقاية او -عِ- صيغة الامر الوعاية او بحرفين ك-قف- و-قل- وقد يتشكل من كلمات كثيرة مايشمل على سطر او اكثر ويقال: للمتكلم ان يلحق بكلامه ما شاء فلا ينعقد الكلام الا بسكوت المتكلم قال ابن مالك:

(كلامنا لفظ مفيد كاستقم-اسم وفعل ثم حرفٌ الكلم-واحده كلمة والقول عم–وكلمة بها كلام قد يُعم).

وموضوع سجدتي السهو هو التكلم وقول صاحب العروة (الكلام الواحد موجب واحد وإن طال، نعم إن تذكّر ثمّ عاد تكرّر، والصيغ الثلاث للسلام موجب واحد،) لا يريد بذلك ان يجعل السهو موضوعاً لسجدة السهو ففي الكلام الطويل عند ما يتذكر فيقطع كلامه ثم يسهو ويأت بقسم آخر من كلامه التكرار ليس لتكرار السهو بل لتكرار الكلام، فما قاله في السهو الأول ثم سكت صار مصداق للكلام فوجب عليه سجدة سهو ثم المرة الثانية عند ما نطق ببقية مطلبه يصدق عليه كلام آخر فصار عنوانين متجانسين وكذلك، فالميزان هو تحقق عنوان الذي ورد عليه سجدتي السهو. فتأمل جيداً. ونكتفي بهذا المقدار من التوضيح في هاتين المسألتين وندخل في المسألة الرابعة في الجلسة الآتية ان شاء الله.

 


logo