46/06/13
بسم الله الرحمن الرحیم
في جواز الجهر بالبسملة في جميع الصلوات/كيفية صلاة الاحتياط /كتاب الصلاة
موضوع: كتاب الصلاة/كيفية صلاة الاحتياط /في جواز الجهر بالبسملة في جميع الصلوات
وصل بحثنا الى المقطع الأخير من المسألة الأولى في كيفية صلاة الاحتياط حيث قال السيد: (ويجب فيها الاخفات في القراءة وإن كانت الصلاة جهريّة حتّى في البسملة على الأحوط وإن كان الأقوى جواز الجهر بها بل استحبابه).
وذكرنا بعض ما يمكن ان يستدل به على وجوب الاخفات في البسملة ومناقشاتها والقائل بالوجوب من الفقهاء المشهورين هو ابن ادريس رضوان الله عليه في السرائر وبعض ما استدل به لوجوب الاخفات كون الاخفات موافقا لقاعدة الاحتياط ونوقش في كلامه بان هذا المورد من الشك في التكليف ومرجعه البراءة لا الاحتياط.
والوجه الآخر: التمسك بإطلاق ما دل على عدم جواز الجهر في القراءة في الركعتين الأخيرتين وصلاة الاحتياط بديل عنهما ويجب المماثلة بينهما، ورُدّ بانّ وجوب الاخفات ليس له دليل لفظي وانما الدليل هو سيرة المتشرعة وما ذكر عن فعل اهل البيت عليهم السلام، وهو دليل لبي لا يمكن ان نأخذ به، الا بقدر المتيقن منه والمتيقن من السيرة هو آيات الحمد بعد البسملة فشمول السيرة في الاخفات البسملة ليست من المتيقن في السيرة بل لا يحتمل الإطلاق بعد ذهاب المشهور إلى جواز الجهر في البسملة بل استحبابه. هذه المطلب قد تعرضنا لها في اليوم الماضي.
بعد مراجعة الى نص كلام ابن ادريس رأيت فيه عدة ادلة لم نذكرها وفي ذكر كلامه أولاً أداء لحقه وثانياً فيه فوائد منها: الاستئناس بكلام القدماء، فإليك نص كلامه رضوان الله عليه مع اختصار غير مخل بالمقصود:
قال ابن ادريس: (أمّا الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم في الركعتين الأخيرتين، فلا يجوز)،
ثم استدل لكلامه بأمور:
اولاً:قال: (لأنّ الأخيرتين لا يتعيّن فيهما القراءة، وانّما الإنسان مخيّر بين التسبيح والقراءة،.. وان الجهر بالبسملة في الركعتين الأوليين مستحب، لأنّ فيهما يتعين القراءة، فأمّا الأخيرتان فلا يتعيّن فيهما القراءة.. فإنّ الجهر بالبسملة واجب كوجوبه في جميع الحمد. وأمّا الآخرتان فلا يجوز الجهر بالقراءة، إن أرادها المصلّي، فقد صار المراد بالجهرية الركعتين الأوليين، دون الأخيرتين).
اما المناقشة في هذا الدليل: انه لا دليل على حصر الاستحباب فيما يتعين فيه القراءة دون ما يتخيّر؟
ثانياً: قال: (ولا خلاف بيننا في أنّ الصلاة الإخفاتية لا يجوز فيها الجهر بالقراءة، والبسملة من جملة القراءة،....)
والجواب عنه: لو كان هناك دليل لفظي بعدم جواز الجهر بالقراءة لكان مجال للتمسك بإطلاقه ولكن يُدّعى عدم توفر اطلاق لفظي وانما المستند سيرة المتشرعة وسيرة اهل البيت عليهم السلام وهذا دليل لبي لا يمكن الاستدلال به الا بالقدر المتيقن والبسملة ليست منه.
ثالثاً قال: (وأيضا فطريق الاحتياط، يوجب ترك الجهر بالبسملة في الأخيرتين، لأنّه لا خلاف بين أصحابنا بل بين المسلمين في صحّة صلاة من لا يجهر بالبسملة في الأخيرتين، وفي صحّة صلاة من جهر فيهما خلاف).
والجواب عنه: نَعَمْ، الاحتياط لا بأس به ولكنه غير لازم لان هنا الشك في التكليف وهو مجرى البراءة.
رابعاً: قال: (وأيضا فلا خلاف بين أصحابنا في وجوب الإخفات في الركعتين الأخيرتين، فمن ادّعى استحباب الجهر في بعضها وهو البسملة، فعليه الدليل).
والجواب عنه: الذي لا خلاف فيه هو أصل القراءة ولكن خصوص البسملة فيها خلاف ومتعلق للشك في وجوب الاخفات وهو من الشك في التكليف وهو مجرى البراءة.
خامساً: في رد من يستند الى إطلاق استحباب الجهر بالبسملة قال: (فإن قيل: عموم الندب والاستحباب بالجهر بالبسملة. قلنا: ذلك فيما يتعيّن ويتحتم القراءة فيه، لأنّهم عليهم السّلام قالوا يستحب الجهر بالبسملة فيما يجب فيه القراءة، والركعتان الآخرتان خارجتان من ذلك. فقد قال شيخنا أبو جعفر الطوسي رحمه اللّٰه في جمله وعقوده في قسم المستحب: والجهر ببسم اللّٰه الرّحمن الرحيم في الموضعين «[1] » يريد بذلك الظهر والعصر، فلو أراد الآخرتين من كلّ فريضة لما قال في الموضعين، بل كان يقول في المواضع).
والجواب عنه: ان اثبات الشيء لا ينفي ما عداه فإثبات استحباب الجهر فيما يتعين في القراءة لا ينفي استحبابه أيضا في القراءة التي ليست بواجبة، مضافا الى انّ القراءة في الركعتين الأخيرتين واجبة كعدل للتخيير.
سادساً: قال: (وأيضا فلا خلاف في أنّ من ترك الجهر بالبسملة في الآخرتين لا يلحقه ذم، لأنّه امّا أن يكون مسنونا على قول المخالف في المسألة، أو غير مسنون على قولنا، وفي كلا الأمرين لا ذم على تاركه، وما لا ذم في تركه ويخشى في فعله أن يكون بدعة ومعصية يستحق بها الذّم ومفسدا لصلاته، فتركه أولى وأحوط في الشريعة).[2]
والجواب عنه: ان الأولوية المستحبة نعم، ولكن لا يوجب العمل به ما دام هو تكليف مشكوك ومورد للبراءة،
هذا ما تفضل به المرحوم ابن ادريس الحلي وهنا نَودّ ان ننظر الى الروايات هل لا نجد فيها ما يدل على وجوب الجهر في الجهرية والإخفات في الإخفاتية، حتى يستفاد منها الاطلاق ليشمل البسملة ايضاً واليك نصوص الواردة عن اهل البيت عليهم السلام:
عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام "فِي رَجُلٍ جَهَرَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي الْإِجْهَارُ فِيهِ- وَأَخْفَى فِيمَا لَا يَنْبَغِي الْإِخْفَاءُ فِيهِ؟ فَقَالَ: أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ مُتَعَمِّداً فَقَدْ نَقَضَ صَلَاتَهُ- وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِياً أَوْ سَاهِياً- أَوْ لَا يَدْرِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ" [3] . هذه الصحيحة بدلالة المفهوم المخالف تفيد وجوب رعاية الاخفات والجهر، لان مفردة لا ينبغي تفيد نفي الجواز.
وما رواه الشيخ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ جَمِيعاً عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ: قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي الْجَهْرُ فِيهِ- وَ أَخْفَى فِيمَا لَا يَنْبَغِي الْإِخْفَاءُ فِيهِ- وَ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِيمَا يَنْبَغِي الْقِرَاءَةُ فِيهِ- أَوْ قَرَأَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي الْقِرَاءَةُ فِيهِ- فَقَالَ" أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ نَاسِياً أَوْ سَاهِياً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ" [4] .
مفهوم جواب الإمام تدلّ على لزوم رعاية كل منها. الى هنا تم الدلالة اللفظية على لزوم رعاية الجهر بالقراءة في موارد الجهر ولزوم رعاية الاخفات في موارد الاخفات ولكن هناك ادلة تستثني البسملة عن لزوم الاخفات وهي:
وما رواه مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَيَّاماً- فَكَانَ إِذَا كَانَتْ صَلَاةٌ لَا يُجْهَرُ فِيهَا- جَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ- وَكَانَ يَجْهَرُ فِي السُّورَتَيْنِ جَمِيعاً".[5]
فهذه الصحيحة صريحة في تخصيص البسملة بجواز الجهر فيها بل تفيد الاستحباب لملازمة الامام عليه السلام بالجهر بها.
وما رواه مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ قَالَ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَتَعَوَّذَ بِإِجْهَارٍ- ثُمَّ جَهَرَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".[6]
هذا الحديث انما يفيد جواز الجهر بالبسملة. وظاهرها كانت القراءة خافتاً لان الاجهار بالبسملة جاء بعد الاجهار بالتعوذ فالفاصل بينهما كان خافتاً.
وَ الشيخ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ صَبَّاحٍ الْحَذَّاءِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهما السلام: "يَا ثُمَالِيُّ إِنَّ الصَّلَاةَ إِذَا أُقِيمَتْ- جَاءَ الشَّيْطَانُ إِلَى قَرِينِ الْإِمَامِ فَيَقُولُ- هَلْ ذَكَرَ رَبَّهُ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ ذَهَبَ- وَ إِنْ قَالَ لَا رَكِبَ عَلَى كَتِفَيْهِ- فَكَانَ إِمَامَ الْقَوْمِ حَتَّى يَنْصَرِفُوا- قَالَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَيْسَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ- قَالَ بَلَى لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ يَا ثُمَالِيُّ- إِنَّمَا هُوَ الْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".[7]
هذه المرسلة تفيد جواز الجهر ببسملة في جميع الصلوات بل استحبابها
وما رواه مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فِي الْخِصَالِ بِإِسْنَادِهِ الْآتِي عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع فِي حَدِيثِ شَرَائِعِ الدِّينِ قَالَ: وَالْإِجْهَارُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ. [8]
ما رواه الصدوق وَفِي عُيُونِ الْأَخْبَارِ بِأَسَانِيدَ تَأْتِي عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ الرِّضَا عليه السلام فِي كِتَابِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ: قَالَ: "وَالْإِجْهَارُ- بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ سُنَّةٌ" [9] .
فيها إطلاق تشمل جميع الصلوات وفي جميع الركعات وتفيد جواز واستحباب.
وما في العيون بِالْإِسْنَادِ السَّابِقِ عَنْ رَجَاءِ بْنِ أَبِي الضَّحَّاكِ عَنِ الرِّضَا عليه السلام: "أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ- فِي جَمِيعِ صَلَوَاتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ". [10]
نعم ولو كانت في هذه الروايات ما هي ضعيفة السند ولكن فيها الصحاح والتصريح بجواز الجهر بالبسملة بل استحبابه. فنستنتج ان الأمر بالاخفات في القراءة ولو يشمل البسملة بإطلاقه ولكن الروايات الصريحة في جواز بل استحباب الجهر فيها تستثنيها عن بقية الآيات في الحمد وفي ركعتي الأوليين ايضاً وهذا ما عليه عامة فقهائنا العظام.