46/06/05
أحكام الأيمان.
الموضوع: أحكام الأيمان.
• اما الكسوة. فالواجب ثوب يستر ما يجب ستره، وهو مسألة عرفية، والزائد مستحب.
• احكام النذر. معنى النذر، النذر حقيقة لغوية تدخل الشارع في شرائطها.
• التدخل في الشرائط لا يعني التدخل في المفهوم.
بعد التذكير بما مرّ من ناحية الاطعام كما وكيفا، اما من ناحية الكسوة.
الكسوة في رواية صحيحة في ح 5 محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أوسط ما تطعمون أهليكم، قال: ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك، قلت: وما أوسط ذلك؟ فقال: الخل والزيت والتمر والخبز، يشبعهم به مرة واحدة، قلت كسوتهم، قال: ثوب واحد. محمد بن الحسن باسناده عن الحسن بن محبوب مثله. [1]
من حيث السند: الرواية معتبرة، وذكرنا ان ابي بصير مشترك بين الضعيف والثقة، وقل علماء الفن أي علم الرجال انه إذا ذكر ابو بصير من دون توصيف فهو اما الاسدي أو المرادي وكلاهما ثقة.
ومن حيث الدلالة: الظاهر انه خلط الواجب وهو الخبز بالمستحب وهو الأدم، وإلا فاننا لا نتصور غذاء مشبعا بالخلّ وحده. وذكرنا ان مدّ من الخبز كاف للاحتياط لان الحفنة المذكورة في الروايات:"مد من حنطة وحفنة، والحفنة مقابل طحنه وحطبه.
اما الكسوة فقد وردت بالثوب والثوبين، وبالإزار والرداء للرجل والازار والخمار والدرع للمرأة، والظاهر كفاية الثوب الواحد الساتر واستحباب الباقي جمعا بين الروايات، وجعل الإزار والرداء والخمار وما شاكلها تطبيقا للباس ذلك الزمن.
لفت نظر:كقاعدة عامّة: عندما تكثر المصاديق يكون هناك مناط واحد يدل عليه فيضعف حصر مفهوم الكلي بخصوص المصداق المنصوص عليه. الحاجة للكسوة وهي "الثوب" المطابق للمعنى اللغوي ما يكسيه وكل زمن بحسبه.
إلى هنا نكون قد انتهينا من احكام اليمين.
اما اخوا اليمين: العهد والنذر.
ولقلة الابتلاء بالعهد سنؤخر بحثه، بعكس النذر الكثير الابتلاء فلا بأس ببحثه مختصر بما ينفعنا.
وقلنا ان الفرق بين النذر والعهد واليمين: قلنا انه يجمع الثلاثة الالتزام، لذلك لا يجوز نقضها وحلها اختيارا.
وفي تفصيلياتها اليمين في جوهره الدفع والزجر، النذر مجرد التزام، والعهد ارتباط بين طرفين، ولذلك هو قريب من العقد، لكن العقد اقوى استيثاقا.
النذر:
النذر: وهو بفتح الذال في الماضي وبكسرها وضمّها في المضارع. لغة -وليس بالمعنى الشرعي-: الوعد بخير أو شر، فيقال: " نذُر خير، ونذُر شر. وكثر الاستعمال في الاعلام، مما يُحذّر منه. ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِر﴾ِ [2] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر﴾ِ [3] ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [4]
ويطلق أيضا لغة -وليس حقيقة شرعية- على الالتزام بفعل أو ترك لله أو لجهة أو لشخص، فقد كان الجاهليون قبل الاسلام ينذرون الاضاحي للأصنام. وقد استعمل الشارع نفس المعنى اللغوي، لكنه في صحته أن يكون لله دون غيره.
ومن هنا يظهر التسامح في التعريف عندما يقال: " لغة كذا، وشرعا: الالتزام بقربه لله، أي يجعل المكلف شيئا في ذمته لله تقربا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [5] وقد ذكرنا سابقا أن القيود والشرائط التي يطلبها الشارع لتحصيل غرضه لا تغيّر في نفس المفهوم، هي تغير في اشتراط الصحة، أي المطلوب من متعلّق الأمر أو النهي، وهو من الأفراد ما يحقق غرض الشارع [6] وفرق بين المطلوب والمفهوم. مثلا في النكاح موضوع الحكم الشرعي موافقة ابيها، التدخل في الاجزاء والشرائط هو تدخل لبيان موضوع الحكم الشرعي للعنوان وليس لبيان العنوان. ومثال اخر مثلا في الشهر القمر تدخل الشارع في مفهوم بداية الشهر.
النذر عبادة، ومعنى العبادة:
العبادة: علاقة خاصّة تكشف عن خضوع وخشوع وتذلل من العابد للمعبود -حالات للعابد وليست نفس العبادة وهي دواعي- فالعبادة عمل تكشف عن تذلل وخضوع. يقول تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [7]
و﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [8] ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [9]
ويؤيد ما ذكرناه في معنى العبادة ما ذكره الشهيد الثاني زين الدين بن على العاملي (ره) في المسالك ص 315، ج11 موثقة اسحاق بن عمار:
1 - محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن صفوان عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: انى جعلت على نفسي شكرا لله ركعتين أصليهما في السفر والحضر أفأصليهما في السفر بالنهار، فقال: نعم، ثم قال: انى لأكره الايجاب أن يوجب الرجل على نفسه، قلت: إنى لم اجعلهما لله على إنما جعلت ذلك على نفسي أصليهما شكرا لله ولم أوجبهما على نفسي أفأدعهما إذا شئت؟ قال: نعم.
ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب مثله. [10]
فإذا كان النذر لله بمعنى ان تكون العلاقة بالله عز وجل تدل على علاقة تذللية خضوعية يجب الالتزام بها، وإلا فالنذر باطل لا قيمة له لخروجه عن كونه عبادة. فرق بين ان انذر ركعتين لله، وبين ان اصلي ركعتين شكرا لله.