« قائمة الدروس
الأستاذ السيد عبدالکریم فضل‌الله
بحث الفقه

46/05/28

بسم الله الرحمن الرحيم

أحكام الأيمان.

الموضوع: أحكام الأيمان.

     ادلة وجوب الوفاء باليمين.

أ- الآيات: "ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الايمان" و "احفظوا ايمانكم".

ب- الالتزام هو مقوّم لمفهوم اليمين.

ج- الروايات.

د- الاجماع: وفيه انه مدركي، بغض النظر عن الاشكال فيه كبرويا وصغرويا.

     وجه عدم لزوم اليمين وجواز المخالفة مع الكفارة، قوله تاعلى: "قد فرض الله لكم تحلّة ايمانكم".

     بيان مورد نزول الآية، وانها لا تبين حكما خاصا بالنبي (ص).

     اليمين حقيقة لغوية وليست شرعية.

 

حكم اليمين:

الكلام في يمين العقد وليس في يمين المناشدة ولا اللغو وغيرها.

الحكم الاول: هل يجب الالتزام باليمين؟

اليمين بعد انعقادها لا يجوز الحنث بها فهنا حكمان:

حكم تكليفي وحكم وآخر وهو وجوب الكفارة. وسنذهب إلى وجوب الالتزام باليمين لادلة كثيرة من الايات والروايات، وجوهر اليمين.

الاول حكم تكليفي وهو الاثم لمخالف اللازم، حرمة الحنث، لأمور:

أ- قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [1] ويمكن الاستدلال ايضا بقوله تعالى في نفس الآية: ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ .

والامر ظاهر وواضح في الوجوب.

ب- اليمين في جوهره التزام لغة وشرعا، وجواز الحنث -المخالفة- ينافي الالتزام.

ج- الروايات.

د- لا يبعد الاجماع على ذلك، ولكنه مدركي، ولما قلنا ما في الاجماع كبرى وصغرى، وذكرنا ما فيه تفصيلا في درس الاجماع. ومخالفة الاجماع أمر صعب نفسيا والاحتياط افضل في هكذا مسائل عندما يكون الدليل مخالفا للاجماع.

اما قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [2]

الآية ذكرت تحلة اليمين مطلقا وتخصيصها بالرسول يحتاج للدليل، " لكم" مطلقة، فإذن يجوز حل اليمين. هذه الآية دالة على جواز حل اليمين مطلقا وجواز المخالفة، كل ما في الأمر تجب الكفارة حينئذ بادلة اخرى.

هذه الآية وردت في حفصة وعائشة كما ورد في روايات عند ابناء العامّة:

نزول الآية كما ورد في تفسير التبيان للطوسي (ره): النزول: اختلفت أقوال المفسرين في سبب نزول الآيات، فقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى الغداة، يدخل على أزواجه امرأة امرأة. وكان قد أهديت لحفصة بنت عمر بن الخطاب عكة من عسل. فكانت إذا دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حبسته وسقته منها. وإن عائشة أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية حبشية عندها: إذا دخل رسول الله على حفصة، فأدخلي عليها فانظري ماذا تصنع. فأخبرتها الخبر، وشأن العسل، فغارت عائشة وأرسلت إلى صواحبها فأخبرتهن وقالت: إذا دخل عليكن رسول الله فقلن: إنا نجد منك ريح المغافير، وهو صمغ العرفط، كريه الرائحة. وكان رسول الله يكره ويشق عليه أن يوجد منه ريح غير طيبة، لأنه يأتيه الملك.

قال: فدخل رسول الله على سودة، قالت: فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله ثم إني فرقت من عائشة، فقلت: يا رسول الله! ما هذه الريح التي أجدها منك أكلت المغافير؟ فقال. لا ولكن حفصة سقتني عسلا. ثم دخل على امرأة امرأة، وهن يقلن له ذلك فدخل على عائشة، فأخذت بأنفها، فقال لها: ما شأنك؟

قالت: أجد ريح المغافير أكلتها يا رسول الله؟ قال: لا بل سقتني حفصة عسلا. فقالت: جرست إذا نحلها العرفط. فقال: والله لا أطعمه أبدا. فحرمه على نفسه. [3]

الاقوال في القصة كثيرة تراجع في مصدرها في كتب التفاسير واسباب النزول.

وقد يقال ان الرسول لم يحلف يمينا، وقد يقال كرد ان الرسول التزم من دون يمين. لكن الروايات تشير إلى انه حلف وكذلك الآية الكريمة تشير بـ "تحلّة ايمانكم" أي ان الله عز وجل اعتبره يمينا، فليس من الصحيح ان نقول ان هذا لم يكن يمينا.

وقد يقال: إن الآية خاصة بالنبي (ص) للتعبير بالنبي لا بالرسول. ونقول: هذه مجرد إشارة لا تصل إلى مرحلة الدليلية، ولا تخصص عموم: "ولكم في رسول الله اسوة حسنة". وثانيا: بـ " لكم" في قوله تعالى: " قد فرض الله لكم تحلّة ايمانكم" إشارة إلى غير الرسول أيضا إذ لم يقل: " لك".

ويمكن حمل الآية على استحباب التكفير عن اليمين والنذر غير المنعقد.

نقول: ان اليمين تارة منعقد وأخرى غير منعقد. في المنعقد تجري الكفارة. في غير المنعقد لا يجب، ولكن وردت روايات في النذر انه يستحب التكفير، واليمين ملحق بالنذر غالبا فبناء عليه – وإن لم يتم ذلك عندنا لاختلافهما جوهرا ومفهوما، فيمكن القول باستحباب الكفارة حتى في اليمين غير المنعقد -اليمين المرجوح-.

ونشير إلى ان الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فيها اشارة إلى ذم الزوجات، ومدح اخلاق الرسول (ص) حيث إنه لا يفعل ما يشعر انه يؤذيهن، بل يفعل ما يرضيهن بما لم يكن مرجوحا.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [4] اي ان هذا النوع من اليمين مرجوح غير منعقد، الآية تبين عدم انعقاد هذا اليمين، وهي مسألة شرعية وليست مسألة لغوية، فعند بعض ابناء العامة ومن الجاهلية حتى لو كان اليمين مرجوحا يجب الالتزام به. الله عز وجل يقول انه فرض حل هذا اليمين لانه مرجوح، الله يبين بان اليمين المرجوح ينحل.

 


[3] تفسير التبيان، الشيخ الطوسي (ره)، ج10، ص46.
logo