46/11/13
صلاة المحبوس في المكان المغصوب/مكان المصلي /كتاب الصلاة
الموضوع: كتاب الصلاة/مكان المصلي /صلاة المحبوس في المكان المغصوب
ذكر اليزدي (رض) أن بعض المحبوس المضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب، والسيد حكيم الفقهاء (رض) اعترض عليه بأن المحبوس من مصاديق المضطر وذكره مرة أخرى لا موجب له ولا فائدة.
أفاد السيد الأعظم (رض) أن المقصود من المحبوس هناك المحبوس عن كل تصرفاته وهاهنا المقصود به المحبوس عن الصلاة إلا في المكان المغصوب فقط وضرب مثالاً ما إذا كان الجائر الظالم مجبراً على الصلاة في مكان معين مع طائفته مثلاً وهذا يختلف عن المحبوس، هكذا في تقريرات سيدنا الأعظم (رض).
والتأمل فيما أفاده السيد الأعظم يوجب فهم عمق المسألة وأنه ليس كذلك.
ففي هذه الصورة لو أتى بالصلاة المأمور بها من قبل الظالم فحينئذٍ لا تكون بأمر الله سبحانه، والصلاة التي هي يأتي بها المكلف امتثال لأمر الجائر وهي غير الصلاة التي يأتي بها بأمر الله سبحانه، فإن كان الوقت واسعاً كما هو المفروض في الصلوات الخمسة تقريباً بإمكانه أن يصلي مع جماعة الجائر ويصلي بعد ذلك فرضه.
فالصحيح أن يفسر كلام اليزدي (رض) بتفسير آخر إن أمكن ذلك، لذا نقول: قد يكون الإنسان محبوساً والحبس يكون عن الخروج عن هذا المكان وهذا يؤدي إلى الصلاة في هذا المكان، فنفس المحبوس ليس مأموراً بالصلاة في مكان مغصوب، لكن اضطر إليها واحتاج إليها.
وبعبارة واضحة قد يكون نفس الحبس سبباً وقد يكون سبب شيئاً آخر، فيكون كلام اليزدي (رض) ـ إن صح فهم خادمكم ـ بياناً لمصاديق الاضطرار إلى الصلاة في مكان مغصوب، فيبقى كلامه مطلقاً لا يقيد بالظالم أو بغير الظالم.
كيفما كان هذا الكلام حسب فهمنا لكلام اليزدي (رض).
ثم وقع البحث في مطلبين وهو أن المكلف قد يعتقد بالغصبية في المكان، وقال اليزدي إذا كانت الصلاة مع قصد القربة وإن كان اعتقاده بالغصبية خلاف الواقع، فإن أمكن منه قصد القربة يحكم بصحة الصلاة، وإلا فببطلانها.
وإن كان الأمر بالعكس بأن اعتقد إباحة المكان ولكنه في الواقع كان مغصوباً فحينئذٍ يحكم بصحة الصلاة.
حكيم الفقهاء (رض) ربط المسألة ببحث التجري إن قلنا إن التجري لا يغير الواقع وانما يعتقد الحرمة وفي الواقع ليس حراماً فهو متجرٍ وإن لم نقل بحرمة التجري أي الفعل الذي تحقق فيه التجري لم يحكم بحرمته فحينئذٍ ما أفاده صحيح.
وإن حكمنا بحرمته واقعاً فهي باطلة، ووفق ذلك ففي صورة العكس أي ما إذا كان الفعل مباحاً ولكنه محرم واقعاً وحينئذٍ لا شك أنه يحصل منه قصد القربة، هذا الذي اشتهر بين الأعلام (رض) في المقام.
أفاد السيد الأعظم كما في مصباح الأصول أن التجري يقتضي قبح الفاعل ولا يقصد ولا يحصل القبح الفعلي أي أن الإنسان إذا اعتقد بأن هذا الفعل حرام وهو لم يكن حراماً فحينئذ هذا الفاعل قبيح باعتبار اعتقاده بالحرمة وإقدامه عليها وهذا يكشف عن قبح الفاعل وفي نفس الوقت يكون قبح الفاعل استلزم أن يكون هذا الفعل قبيحاً وهو قبيح بعنوان أنه تحقق فيه التجري، فحكم (رض) بأن تجري نفس الفاعل قبيح لا لقبح فعله بل بقبح اعتقاده ولكن بما أنه فاعل قبيح فما صدر منه هو حالةَ هذا الاعتقاد فهو أيضاً قبيح بالملازمة لا بالذات، فحينئذٍ يحكم بحرمته حرمة غيرية لا ذاتية.
بمعنى أن الفعل نفسه ليس فاسداً ولكنه صدر من فاسد فعلى هذا يكون الفعل أيضاً قبيحاً.
فحكم (رض) بقبح الفعل بالعرض لا بالذات، هذا مفاد كلام السيد الأستاذ (رض).
بعض المعلقين على الأصول والفقه أشكلا على السيد الأعظم (رض) بدعوى أنه ما دمت معتقداً بأن هذا الفعل الذي تحقق التجري في ضمنه هو قبيح فلما حكمت بإباحته، هذا إشكال بعض معلقين على بحث السيد الأعظم (رض).
ولكن هذا الاعتراض من المستشكل على السيد الأعظم غير واضح؛ فقد يكون الفعل قبيحاً في حد نفسه وقد يكون قبح الفعل مكتسباً بقربه من فاعل قبيح أو سبب آخر ولا يكون ذلك القبح ناشئاً عن ذات الفعل، فإذا لم يكن ناشئاً عن ذات الفعل فهذا القبح لا يؤدي إلى الفساد، وأما إذا كان القبح ناشئاً من ذات الفعل ومن قبح الفعل لدى المولى (عج) فهو يوجب الابتعاد ولا يوجب صحة قصد القربة، هذا ما صدر من السيد الأعظم والإشكال عليه.
وما أفاده حكيم الفقهاء فقد قال كما لخصنا في خدمتكم أن التجري إن قلنا بحرمته فالصلاة باطلة وإن لم نقل بحرمته فالصلاة صحيحة.
والذي ينبغي أن يقال قد حققنا في الأصول مفصلاً وتحقيقاً أن قبح الأفعال قبح شبه ذاتي، ذات الفعل قبيح فالله تعالى حرم عليّ هذا الفعل وأما إذا لم يكن قبيحاً بالقبح شبه الذاتي فالشارع لم يجعله محرماً.
والمكلف قد يكون عالماً بهذه الحرمة، فإن كان عالماً فهو معاقب على فعله وإن لم يكن عالماً فهو معذور بارتكاب هذا المحرم، هكذا بنينا في الأصول في خدمتكم وقلنا إن حرمة الشيء وحليته خاضعة للقبح الواقعي وللحسن الواقعي للفعل وأما إذا كان الإنسان جاهلاً بالحرمة أو غافلاً عنها ونحو ذلك فحديث رفع عن أمتي ما لا يعلمون وما اضطروا إليه إلى آخر حديث الرفع ـ الذي حكم السيد الأستاذ بصحتهـ يحكم هنا.
فالنتيجة أنه حرمة ذاتية وحرمة يعتقدها الإنسان فيترتب عليه العقاب أو لاعتقاده يترتب وأما أن هذا الفعل الذي أتى به مباح واقعاً ولكنه اعتقد حرمته ولم يكن حراماً واقعاً فحينئذٍ هذا المكلف لم يأتِ بالحرام أبداً.
نعم إن كان جاهلاً بالحرمة فهو معذور ولكن إن لم تكن الحرمة واقعية فالحرمة لا وجود لها وإذا لم تكن موجودة في المقام أبداً فالاعتقاد لا يؤثر في الواقع ولا يغيره أبداً، وإلا فلو كان الاعتقاد يغير الواقع ففساد الدنيا لا ينتهي حتى يمتد إلى الآخرة أيضاً كما يعتقد فلان بأن فلاناً خليفة.
فهذا ألا يعاقب يوم القيامة باعتقاده خلافة فلان الذي لعنه الله ورسوله؟
فالنتيجة الاعتقاد بشيء لا يغير الواقع إنما يوجب إذا كان غير مقصر.
والنتيجة أن ما أفاده اليزدي (رض) غير واضح، وأن الفعل إن كان في الواقع مباحاً وكان الآتي به معتقداً بالحرمة فاعتقاده بالحرمة لا يؤثر على الواقع بل تكون الإباحة واقعية موجبة لصحة الصلاة.
واما إذا كان الأمر بالعكس بأن كان الفعل واقعاً مباحاً فقد حكم (رض) بصحة الصلاة ولكن قلنا إنه نحكم أيضاً بصحة الصلاة بدعوى أن تلك الحرمة الواقعية مخفية عليه وإذا كانت مخفية فلا يعاقب كما فهمنا من حديث الرفع، رفع عن امتي تسع منها ما لا يعلمون.
هذا كلامنا في هذه المسألة والعلم عند الله.