46/11/01
الصلاة في فضاء مغصوب/مكان المصلي /كتاب الصلاة
الموضوع: كتاب الصلاة/مكان المصلي /الصلاة في فضاء مغصوب
أفاد اليزدي (رض) أن الفضاء الذي يحيط بالسقف إذا كان مغصوباً أو نفس الفضاء الذي يصلي فيه الإنسان مغصوباً فالصلاة باطلة في الحالتين.
بخلاف سيدنا الأعظم وحكيم الفقهاء (رض)، حيث حكما (رض) بالصحة في الحالتين؛ لأن العلمين (رض) هاهنا في هذه الفروع كلها تقريباً ملتزمان بأن الفضاء لا يؤثر في الصلاة، إنما المؤثر فيها نفس الجسم الذي يكون مغصوباً ويكون التصرف تصرفاً في نفس ذلك الجسم.
ولذلك التزم السيد الأعظم (رض) في المقام بأن السجود إذا كان في المكان المغصوب هاهنا فالصلاة باطلة؛ لأن السجود تصرف في موضعه بالأعضاء السبعة الجبهة والجبين والرجلين وإصبعي الرجلين، أما إذا لم يكن كذلك بل الفضاء هو المغصوب، فلا تصرف والصلاة صحيحة.
نعم، نسب السيد الأعظم إلى المشهور أن باقي أعمال الصلاة مثل الركوع والقيام ونحو ذلك إذا قلنا إنها تصرف في الفضاء ـ والتصرف فيه مبطل ـ فيمكن القول ببطلان الصلاة.
تقدم في أوائل هذا البحث هو البحث عن مكان المصلي أن سيدنا الأعظم (رض) فسر المكان بتفسيرين:
التفسير الأول أن يكون المكان محيطاً مستوفياً شاملاً للجسم، وأنا هناك في خدمتكم قلت إن المعنى المعروف عند الحكماء في تفسير المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي المماسّ للسطح الظاهر من الجسم المحوي، هذا هو المكان.
والسيد الأعظم (رض) هناك أفاد معنى ثانياً للمكان وهناك قلنا إن هذا المعنى الثاني للمكان هو في الواقع الحيز وقد عبر عنه بالمكان وهو الفضاء الذي يكون ظرفاً للجسم.
هناك أفاد أن المقصود في المقام هو المعنى العام الشامل للمعنيين، فقد ينطبق الأول وقد ينطبق الثاني، وجاء بمثال للمعنى الثاني وهو اشتراط عدم الصلاة تحت سقف قريب للانهيار، وإلا فالصلاة باطلة.
هناك التزم ببطلان الصلاة فيما إذا كان نفس الظرف ممنوعاً من الصلاة فيه لخوف الهلاك من أن يقع السقف ونحو ذلك، فلمَ في هذه المسائل ترك ذلك؟
هنا يقول إن الفضاء ليس مبطلاً للصلاة بل المبطل هو نفس التصرف!
في درس سابق قدمت في خدمتكم أن العلمين لم يفسرا معنى التصرف ومعنى الانتفاع، وقدمت في خدمتكم أن التصرف هو مباشرة الشيء نفسه أما الانتفاع فهو استفادة فائدة من دون أن يكون مباشرة للشيء.
بعد التذكير بهذه المقدمات نعود إلى محل البحث وهو أن الفضاء المحيط بالسقف الفوقاني مغصوب أو نفس الفضاء المحيط بجسم المصلي مغصوب.
هاهنا السيد الأعظم حكم بصحة الصلاة، غريب جداً!
بعدما آمن ببطلان الصلاة تحت سقف مخوف أن يقع على الأرض واعتبره مؤثراً ببطلان الصلاة، هاهنا يحكم بصحة الصلاة!
يعني في المكان المخوف حكم ببطلان الصلاة وأما إذا كان الفضاء الذي يكون محيطاً بالمصلي أو السقف الذي عليه المصلي حكم بصحة الصلاة؟ أتصور أن في كلامه تناقضاً بين رأييه، الرأي المتقدم هناك في أوائل بحث المكان والرأي الذي أفاده في المقام.
وأما حكيم الفقهاء (رض) في الفرع السابق فقد حكم بصحة الصلاة مطلقاً سواء كان السقف معتمداً على الأرض المغصوبة أم لا، من جهة كونه انتفاعاً لا تصرفاً.
والتحقيق في المقام، أنا التزمنا في خدمتكم بأن الفضاء المحيط بالجسم كما يعتبر في المكان ـ بالمعنى الأول أي ما يمسه الإنسان بقيامه وركوعه وسجوده ـ أن يكون مباحاً، فأيضاً نفس الظرف الذي يصلي فيه لابد أن يكون مباحاً.
فعليه ما أفاده اليزدي (رض) تام وما أفاده العلمان (رض) غير واضح.
أما حكيم الفقهاء فكلامه مبني على أن الظرف والفضاء لا يكون مغصوباً أصلاً، بل لو كان مغصوباً فليست الصلاة في ظرف مغصوب تصرفاً به؛ باعتبار أن أجزاء الصلاة عنده ليست متحدة مع الفضاء، هكذا أفاد (رض)، وكذلك السيد الأعظم.
مسألة أخرى وهي لو صلى في مكان مباح فوقه سقف مغصوب، حكم اليزدي (رض) بالبطلان إن لزم منه التصرف بالسقف المغصوب، أما إذا لم يلزم فلا يصدق التصرف في نفس الظرف والمحيط فلا تكون صلاة باطلة.
وعلى هذا بنى، فإذا صلى في أرض مباحة تحت خيمة مغصوبة فإن كان هذا تصرفاً بالخيمة فالصلاة باطلة، وإن لم يعد تصرفاً في الخيمة، فلا، وكذلك في حبال الخيمة بل والمسامير والأوتاد.
وقلنا في خدمتكم أن الأعلام الثلاثة: السيد الأعظم وحكيم الفقهاء واليزدي لم يفسروا قوله: عرفاً ، وتكرار هذه الكلمة في كلماتهم غير واضح جداً.
كما قلت في خدمتكم مراراً في الأصول والفقه أن الرجوع إلى العرف في تحديد المصاديق غير واضح وإن اشتهر جداً بين الفقهاء (رض)، والصحيح أن المصاديق تؤخذ بطريق العقل لا من العرف؛ لأن العرف يتسامح في مقام تطبيق المفهوم على المصداق.
اعتماد فقهاء الثلاثة السيد اليزدي (رض) والسيد الأعظم (رض) وحكيم الفقهاء (رض) على العرف في صدق أن هذا تصرف في الخيمة المغصوبة أو السقف المغصوب أو ليس تصرفاً فيه غير واضح.
ثم يظهر في كلام اليزدي (رض) في هذه المسألة مسامحة أو إجمال، فقد خلط بين الانتفاع والتصرف، فمثلا الصلاة في المكان المباح تحت السقف المغصوب أو تحت الخيمة المغصوبة يعتبر يقول ربما يكون هذا تصرفاً ولكن الصلاة في ظل حائط الغير ليس تصرفاً بالمغصوب بل هو انتفاع.
عجيب، أليست الصلاة تحت الخيمة انتفاعاً بالخيمة، بل هو انتفاع لأن التصرف هو الممارسة، والمباشرة أما إذا لم يكن ذلك فلا يعد تصرفاً.
فالأمثلة التي أفادها اليزدي (رض) كلها أمثلة انتفاع وليس أمثلة تصرف.
ثم قال في ضمن كلامه (رض) أنه إذا كان لا يمكنه الصلاة إلا تحت الخيمة لشدة الحر مثلاً، فإن عد تصرفاً فالصلاة باطلة وإلا فلا.
قلنا إنه ليس تصرفاً، بل انتفاع، كذلك في صورة الخوف من ظالم، أو العدو، إذا صلى خارج الخيمة، وهذا أيضاً ليس تصرفاً بالخيمة بل انتفاع بها.
خلط (رض) بين الانتفاع وبين التصرف في هذه الأمثلة التي ذكرها (رض)، وأساس المشكلة أن الفقهاء السادة الأجلاء حكيم الفقهاء والسيد الأعظم والسيد اليزدي اعتمدوا على العرف في تحديد المصداق.