« قائمة الدروس
آیةالله الشيخ بشير النجفي
بحث الفقه

46/10/27

بسم الله الرحمن الرحيم

حكم الجاهل بالغصبية/مكان المصلي /كتاب الصلاة

 

الموضوع: كتاب الصلاة/مكان المصلي /حكم الجاهل بالغصبية

 

وقع الكلام في خدمتكم في الدروس السابقة في الأحق والأولى هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين.

وأشرت في خدمتكم أن بعضهم جعل الأحق بمعنى الأولى، من جملتهم حكيم الفقهاء (رض) فإنه في مقام دفع دلالة الروايتين[1] بعد تصحيح الروايتين ذهب إلى أن الاحقية استعملت بمعنى الأولوية وقيل إنه محل إشكال؛ إذ ليس هناك حقان وأحد الحقين أثبت وأعقد من الآخر، فالروايتان مع صحتهما فرضاً مجملتان من حيث الدلالة.

هكذا نقل السيد الحكيم (رض) عن بعضهم، وفي مقام الدفع لهذا الاشكال أفاد السيد (رض) هاهنا أن الأحقية بمعنى الأولوية.

ثم إنه (رض) مثّل بمثالين لاستعمال الأحقية بمعنى الأولولوية، وأحد المثالين أن يقال إن المالك أحق بماله من الغير، وما أفاده حكيم الفقهاء (رض) غير واضح:

أما استعمال الأحق بمعنى الأولى فقد نقل صاحب مجمع البحرين عن المصباح المنير أن كلمة أحق تستعمل بمعنيين: أحدهما بمعنى الأولى كما ذكر حكيم الفقهاء (رض) والآخر بأن يكون كلاهما مشتركين في الحق ويكون حق أحدهما أفضل وأعقد من حق الآخر، ونقل عن صاحب المصباح المنير أنه يقال: البنت أولى بنفسها من وليّها، فلا شك أن الولي له حق في البنت لا ينكره أحد، فعليه استعمال الأحقية بمعنى الحق الزائد على الآخر لا يمكن إنكاره أصلاً.

وصاحب مجمع البحرين لم يرد على صاحب المصباح بل أقره حسب ظاهر كلامه.

فإذن قول حكيم الفقهاء (رض) بأن الأحق بمعنى الأولى في المقام، لا نرضى به أبداً؛ ظاهر الأحق اسم تفضيل، الأحق معنىً اشتقاقي بمعنى الثبوت، فإذا كان أحد الشخصين شيء ثابت له والآخر أيضاً له شيء ثابت، ولكن مع إضافة فيقال أنه أحق، فعلى هذا في مكان المسجد ونحو ذلك يكون المرء جالساً في مكان وقام من ذلك المكان لأجل شيء دلت الرواية كما قرأنا في خدمتكم على أن ذلك الذي سبق هو أحق به.

فإنكار استخدام كلمة أحق بمعنى أن كليهما مشترك في الحق ولكن تعلق أحدهما أقوى من الآخر كما فعل حكيم الفقهاء غير واضح؛ إذ ظاهر الروايتين أن الأحقية هاهنا بمعنى أن لأحد الطرفين حقّاً واحداً وللثاني حقّين، بعدما حكم حكيم الفقهاء (رض) بصحة الروايتين معاً الأولى والثانية حسبما هو واضح لديكم ولست أبحث عن هذه الجهة.

لاحظوا في كلام الروايتين، الأولى هكذا جاء السؤال والجواب:

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: تكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجئ آخر فيصير مكانه، فقال: من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته.

فالظاهر من كلامه أن الحق ثابت للطرفين معاً باعتبار أن السائل ذكر في السؤال مواضع مستحبة للكل فهذا معناه ثبوت حق للكل ولكن هذا الذي سبق إلى مكان هو أولى من غيره فصار له حقان: حق مشترك بين المسلمين كما هو واضح، والثاني خاص به من جهة السبق.

فالنتيجة أن هذا هو الظاهر من الرواية.

أما الرواية الثانية: عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل، وكان لا يأخذ على بيوت السوق كراء.

ومعنى التقييد بكلمة الليل أنه أولى من الآخر في المسجد أو في المكان أو السوق ونحو ذلك.

فالنتيجة أن ما أفاده حكيم الفقهاء (رض) غير واضح جداً.

ثم هناك مطلب آخر وهو أنّا التزمنا خلافاً لصاحب العروة (رض) ببطلان الصلاة في المكان المغصوب عالماً كان أو جاهلاً وعللنا ذلك أن الكون جزء من الصلاة وأن الصلاة ظرف لهذا المكان فهو لا يمكن إنكاره، وما أصر عليه حكيم الفقهاء وكذلك السيد الأعظم أعلى الله درجاتهما في عليين من أن الجزئية تثبت فقط في السجود، وهذا جداً غير واضح عند خادمكم؛ باعتبار أن القيام هل كان في الهواء؟ حتى لو كان في الهواء فنفس الظرف المحيط في الأرض تابع لها من حيث الإباحة والغصب.

مع أن حكيم الفقهاء آمن به في الطائرات ثابتة الملكية ولذلك قال إن الطائرة حينما تريد أن تعبر من دولتها إلى دولة أخرى تستأذن من صاحب الدولة، فالنتيجة إصرار حكيم الفقهاء وإصرار السيد الأعظم (رض) على أن الجزئية فقط في السجود غير واضح؛ فالصلاة في المكان المغصوب تصرف في حالة القيام، والركوع.

بل في بعض كلمات العظيمين يستفاد أن حالة الانحاء ليست في الصلاة أيضاً، ولكن هل يجوز أحدهما أن يحول وجهه إلى الخلف أو إلى اليمين واليسار في حالة الانحناء إلى السجود أو إلى الركوع؟

ثم إن اليزدي (رض) حكم ببطلان الصلاة مع العلم دون الجهل بالغصبية، ونحن قلنا بل مطلقاً سواء كان عالماً بها أو جاهلاً؛ لأن الكون في المكان جزء من الصلاة فالصلاة في المسجد تعني القيام والقعود وغير ذلك من الأعمال وكلها أجزاء من الصلاة، فنفس الكون فيها مطلوب.

ثم هناك مطلب آخر وهو أنه هل يفرق في الحكم بين الصلاة المستحبة والصلاة الواجبة، هل هذا الحكم ـ وهو بطلان الصلاة في المكان المغصوب مطلقاً كما التزمنا نحن أو مع صورة العلم والعمد كما أفاد اليزدي (قده) ـ مختص بالصلاة الواجبة أو يتعداها إلى المستحبة؟

نُقل عن المحقق (رض) الحكم بالبطلان في المستحبة أيضاً، وأشكل عليه حكيم الفقهاء وكذلك السيد الأعظم (رض).

السيد الأعظم (رض) قال إن الفرق بين المستحبة والواجبة فقط من جهة قوة التكليف وضعفه كأنه يفرق بين الاستحباب وبين الوجوب أن أحدهما طلبه شديد وهو الوجوب والثاني طلبه ضعيف فيشكل على المحقق (رض).

ولكن يرد على سيدنا الأعظم أن هناك بعض الشرائط مشترطة في الصلاة الواجبة لم يثبت أنها مطلوبة في المستحبة أيضاً، فمثلاً مطلوب في الصلاة الواجبة أن تكون مع الاطمئنان والطمأنينة والتوجه إلى القبلة من أولها إلى آخرها، ولكنها في الصلاة المسستحبة ليست كذلك.

فالنتيجة أنه قد قرر في محله أن ليس كل ما هو شرط في صحة الصلاة واجبة هو شرط في المستحبة.

والسيد الأعظم يعطي الحكم كأنه على نحو اجتماع النقيضين فلا يختلف اثنان فيه، يقول إنه لا يمكن أن تختلف طبيعة الصلاة الواجبة والمستحبة وكلاهما بحقيقة واحدة! وهذا غير واضح:

وأما الاستدلال ـ كما عن بعضهم ـ بأن أحد المتلازمين لا يستلزم انتقال الحكم من أحد المتقدمين إلى الآخر، فلست أدري من قال بهذه المقالة باعتبار أنه إذا كانتا حقيقة واحدة كما هو المدعى فلا يمكن أن يكون ما هو شرط في الصلاة الواجبة ليس شرطاً في الصلاة المستحبة وبالعكس، كيف خفي ذلك على السيد الأعظم!


[1] وهما الرواية الأولى والثانية من الباب السادس والخمسين من أبواب أحكام المسجد.
logo