« قائمة الدروس
آیةالله الشيخ بشير النجفي
بحث الفقه

46/10/24

بسم الله الرحمن الرحيم

حكم الجاهل بالغصبية/مكان المصلي /كتاب الصلاة

 

الموضوع: كتاب الصلاة/مكان المصلي /حكم الجاهل بالغصبية

 

كان الكلام في الدرس السابق في كلام حكيم الفقهاء (رض) وقلنا إنه التزم بأن لبس الثوب خارج عن الصلاة وهو تكليف مستقل عن الصلاة، فلا يشترط فيه التقرب إلى الله، وقد ذكرنا في خدمتكم بعض الملاحظات في الذي أفاده (رض).

ومن جملة الملاحظات أن الظاهر والعلم عند الله كون النهي متعلقاً بالصلاة وبلس الثياب المغصوبة أيضاً، فكما أن الكون في مكان مغصوب ممنوع فكذلك بالنسبة إلى الثياب، فالمصلي إذا كان لابساً لثوب مغصوب أو ثوب نجس أو نحو ذلك نحكم ببطلان صلاته من هذه الجهة.

ملاحظة أخرى أنه ورد في القرآن عدة مرات الأمر بطاعة الله سبحانه والنهي عن معصيته، فلو فرضنا فرضاً أن النهي لا تعلق له بالصلاة انما متعلق النهي هو الثوب كما أفاد حكيم الفقهاء (رض) نقول أن هذا الشخص ليس مطيعاً، فالنتيجة التي وصل إليها السيد الحكيم غير واضحة أصلاً.

هذا ما كان يتعلق بكلام السيد حكيم الفقهاء (رض) في هذه المسألة.

أما ما أفاده سيدنا الأعظم (رض) فإنّه نسب إلى المشهور ـ كما هو كذلك ـ القول بالصحة فيما إذا كان الجهل عن قصور وأما الجهل عن تقصير فهو ملحق بالعالم، وذلك خارج عن محل الكلام وهو الظاهر من عبارة اليزدي (رض).

واعترض السيد الأعظم (رض) على ما أفاده المشهور بأنه ليس صالحاً وهو عنده محل إشكال من جهة، باعتبار أن ما أفاده المشهور من التفصيل بين العالم والجاهل وأن الجاهل يحكم بصحة صلاته بخلاف العالم، فهو مبني على القول بجواز اجتماع الامر والنهي وحينئذٍ يكون متعلق الأمر ومتعلق النهي مختلفين ومعنى القول بالجواز في الأصول أن متعلق الأمر لا يتعدى إلى متعلق النهي والنهي لا يتعدى متعلقه إلى متعلق الأمر.

فإذا كان كل منهما منفصلاً عن الآخر فيكون هذا القول على هذا المبنى، ولكن المبنى ليس مطابقاً لقول المشهور، لأن المشهور القائل بصحة الصلاة إذا كان جاهلاً قاصراً نفسه قائل بعدم جواز الاجتماع.

وأما على القول بامتناع الاجتماع فمعنى ذلك أن متعلق الأمر والنهي واحد وهذا معناه أن ما تعلق بالأمر عين ما تعلق بالنهي فحينئذٍ لا يصح قول المشهور، هذا ملخص ما أفاده السيد الأعظم في المقام.

وهو متعرض لهذه المسألة في الأصول مفصلاً حسب محاضرات الأصول الجزء الرابع لمن أحب أن يراجع.

ولكن ما أفاده (رض) غير واضح من عدة جهات، منها أن القول بجواز الاجتماع يعني أن متعلق الأمر والنهي هي الصلاة وحينئذٍ يصح القول بأن كل منهما أي النهي والأمر متعلقاً بالصلاة ولكن هذا الكلام يتم على مبنى خادمكم من أن متعلق النهي عن الصلاة في المكان المغصوب أو الثوب المغصوب هو نفس الصلاة وهي المنهي عنها وأما إذا لم تكن الصلاة نفسها منهياً عنها بل يكون كما قال سيدنا الأعظم وحكيم الفقهاء أن النهي متعلق باللبس وليس متعلقاً بالصلاة فعلى هذا إشكاله الذي أفاده غير واضح جداً، فانه ليس في المقام متعلق واحد حتى يكون فيه هذا الكلام.

بحسب رأيه الشريف (رض) متعلقهما مختلفان فإذا كان متعلق الأمر والنهي مختلفين فالقول بجواز الاجتماع أجنبي عن محل البحث.

ثم إن السيد الأعظم (رض) في ضمن كلماته قال إن الرفع في حديث الرفع متعلق بالنسيان وعدم العلم ونحو ذلك والتزم (رض) بأن هذا بالنسبة إلى النسيان رفع واقعي يعني الأحكام المنسية واقعاً مرفوعة، هكذا التزم (رض):

أولاً هذا القول بأن النهي والأمر متعلقان بالنسيان الواقعي، إنما يستقيم على القول بمراتب الحكم وقد أنكرناه انكاراً باتاً وقلنا إن القول بمراتب الحكم من الأمور الملغية والعقل لا يصدقه أبداً فإنه حكم آخر.

وثانياً وأيضاً فهم حديث الرفع وقع فيه لغو ولبس؛ لأن ظاهر الرواية أن نفس النسيان مرفوع، وهذا معناه أن مؤاخذة الناسي مرفوعة وليس المقصود من الرواية أن الحكم مرفوع بل قلنا في الأصول تفصيلاً في بحث البراءة إن خصوص حديث الرفع فسره القوم برفع الحكم وهذا غير واضح بل الصحيح أن المقصود منه كون المؤاخذة مرفوعة لا أن الحكم مرفوع.

ثم القول بأن الحكم مرفوع مبني على القول بمراتب الحكم ولم نلتزم به بتاتاً.

ثم هناك مطلب آخر ينبغي أن نلتفت إليه وهو أن فتوى اليزدي (رض) بصحة الصلاة إن كان ناسياً وإن كان جاهلاً فهذا غير واضح:

أولاً نحن أنكرنا مراتب الحكم وقلنا إن الحكم ليس له مراتب، فالحكم إما موجود أو غير موجود، هذا أولاً من جهة ومن جهة أخرى إن هذا صلاة الشخص الناسي التي يصليها هي غير مأمور بها فكيف حكم اليزدي (رض) بصحة هذه الصلاة، وهذه الصلاة سواء كان الإنسان ناسياً للغصب أو جاهلاً به فليست مأموراً بها أصلاً ولذلك التزمنا في ملاحظاتنا في محله أنه إذا كان قد صلى في مكان مغصوب ولو جهلاً ولو نسياناً يجب عليه أن يعيد الصلاة وكأنه لم يصلِّ أصلاً؛ لأنه صلى في مكان مغصوب وكذلك إذا كان جاهلاً.

فالنتيجة إن المسألة في غاية الإشكال والقول بصحة الصلاة في ثوب مغصوب أو مع جهل الغصب أو نسيان الغصب كل ذلك غير واضح وإن أصر اليزدي (رض) على ذلك، فلابد من أن نلتزم بملاحظة أن الصلاة التي يصلي بها في الثوب المغصوب هذه ليست مأموراً بها، يعني ليست مطلوبة من الشارع المقدس.

فالحكم بكفاية ما صلاه الإنسان بالثوب المغصوب وإن كان جاهلاً أو كان ناسياً، جاهلاً مقصراً أو قاصراً كل ذلك على حد سواء.

وأيضاً نلتفت إلى مطلب آخر في هذا الباب وهو أن الظاهر من كلمات الفقهاء (رض) كون الناسي يختلف عن الجاهل والناسي عن جهل غير الناسي عن علم ففي الأخير حكم الفقهاء (رض) ببطلان الصلاة وهذا غير واضح على القول بمراتب الحكم، فعلى القول به هذه تكون هذه الصلاة ظاهراً مأموراً بها، وهذا ليس واضحا علينا.

فالصحيح والذي نلتزم به أن ما أفتى به اليزدي غير تام، فسواء كان جاهلاً أو ناسياً وسواء كان الجهل عن قصور أو عن تقصير، وسواء كان النسيان مع العلم بالغصبية ثم نسي أو لا، كل ذلك لا نلتزم بصحة هذه الصلاة والعلم عند الله والراسخون في العلم.

 

logo