46/10/23
حكم الجاهل بالغصبية/مكان المصلي /كتاب الصلاة
الموضوع: كتاب الصلاة/مكان المصلي /حكم الجاهل بالغصبية
كان الكلام فيما إذا كان الثوب أو المكان مغصوباً وكان الإنسان جاهلاً بالغصبية فهل يحكم بالصحة أو لا، وبيّنا في خدمتكم أن إشكال السيد الأعظم (رض) على العموم ذكره بعنوان تقييد المطلب وأن المقصود به الجاهل غير المقصر، وقلنا في محله في بحوث الأصول أن الجاهل المقصر في حكم العالم بل هو عالم باعتبار أن كل انسان يعلم إجمالاً أنه مكلف فيجب عليه تحصيل العلم.
وقال أغلب الفقهاء (رض) أن وجوب تحصيل العلم غيريٌ ومقدميٌ وقلنا إن مقتضى الأدلة الدالة على وجوب تعلم الأحكام أنه ليس غيرياً بل هو نفسي.
هذا ما تقدم في المقام، ولكن السيد الحكيم (رض) ذكر أقوال العلماء (رض) وتعرض لروايتين أيضاً في المقام استُدل بهما على بطلان العمل، ولكنه (رض) التزم بأن العمل صحيح، هكذا أفاد (رض) وهذه نتيجة رأيه الشريف في المسألة.
أما الوجه الذي تمسك به على هذا الحكم هو أن الشارع المقدس أوجب علينا أشياء في الصلاة، كطهارة الثوب وكذلك إباحته ولكنها ليست جزءاً من الصلاة وإذا لم تكن جزءاً من الصلاة فلا يشترط فيها قصد القربة، فلو اجتمع في هذا الواجب الأمر والنهي باعتبار أن الثوب مغصوب، فيكون مرتكباً للحرام، باعتبار أن النهي غيري فلا يقتضي بطلان العمل لأن لبس هذا الثوب إتيانٌ بالواجب، غاية ما هنالك أنه لا يتحقق منه قصد القربة.
وأما الروايات التي استُدل بها في المقام روايتان كما عرضنا في خدمتكم، إحداهما هي الأولى من الباب الثاني من أبواب مكان المصلي:
روى الشيخ الصدوق (رض): قال الصادق (ع) لو أن الناس أخذوا ما أمرهم الله به فأنفقوه فيما نهاهم عنه ما قبله منهم، ولو أخذوا ما نهاهم الله عنه فأنفقوه فيما أمرهم الله به ما قبله منهم حتى يأخذوه من حق وينفقوه في حق.
وثانيهما هي الرواية الثانية من نفس هذا الباب:
حسن بن علي بن شعبة في تحف العقول: روي عن أمير المؤمنين (ع) في وصيته لكميل بن زياد النخعي (رض) قال يا كميل انظر فيما تصلي وعلى ما تصلي فإن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول.
ونقل حكيم الفقهاء (رض) عن بعض الأعلام (رض) أنه أشكل على الروايتين معاً أن الأولى أجنبية عن المدعى، أما الرواية الأولى فهي مطلقة في مسألة ما ينفق الإنسان، من أين يأخذ وأين ما ينفق، وهذا جانب مختلف لا علاقة له بالمغصوب في الصلاة، والرواية الثانية دالة على المطلب ولكنها مرسلة فرفضها (رض)، هذا ملخص ما أفاد حكيم الفقهاء (رض).
أما ما أفاده في أول كلامه الشريف (رض) من أن لبس الثوب الطاهر أو الثوب المباح ليس داخلاً في الصلاة، هذا صحيح ولكنه إذا كان الثوب لبسه حراماً لأجل أنه مغصوب فحينئذٍ لا يتحقق الامتثال كما ادعى، هذا أولاً.
ثانياً إن الإنسان إذا أتى بالواجب ولم يأتِ به بقصد التقرب إلى الله سبحانه، فمجرد الإتيان بالواجب بغاية أخرى لا يعد امتثالاً عند العقلاء، لأن الامتثال أن يأتي الإنسان تقرباً إلى الله سبحانه بهذا الأمر ويترك المنهي عنه أيضاً بقصد التقرب وبعبارة واضحة يشترط في تحقق الامتثال أن يكون الإتيان بالواجب أو ترك المنهي عنه تقرباً إلى الله سبحانه امتثالاً لأمره سبحانه لا لأجل غاية أخرى، فلو كان لأجل غاية أخرى لم يعد امتثالاً ولا إتياناً بالواجب.
نعم إذا كان واجب توصلياً وكذلك النهي توصلياً فحينئذٍ قد يقال إن الامتثال يتحقق بمجرد إتيان الواجب وأما إذا لم يكن توصلياً فلابد أن يكون قصد التقرب.
أما إشكاله على الروايتين أيضاً مع قطع النظر عن السند:
أما الرواية الأولى فلم يناقش في سندها بل ناقش في دلالتها باعتبار أن كلام المعصوم أجنبي عن محل البحث.
ولكن بحسب هذه الرواية الإمام عليه السلام وضع قاعدة أن يكون عمل الإنسان تقرباً إلى الله سبحانه وفي طريق الله سبحانه، وأن يكون الأخذ والعطاء والفعل تحت ضوء أوامر الله سبحانه، وإذا كان الأمر كذلك فالرواية شاملة لمحل البحث وبما أن الله تعالى أوجب عليًّ لبس الملابس في الصلاة فحينئذٍ لابد أن تكون مباحة يعني مأخوذة على نحو يجوّز الشارع المقدس الصلاة فيها.
لم غفل حكيم الفقهاء في هذا المطلب مع دقته الشديدة جداً في معظم مطالب مستمسكه الشريف (رض)، لست أدري.
وأما الرواية الثانية فالإشكال من حيث السند لأنها مرسلة لكن العلماء اعتمدوا عليها ولعل اعتماد العلماء على هذه الرواية في محل الكلام كافٍ لأجل الأخذ بها، لا أقلّ أن تجعل مؤيداً للحكم لا دليلاً شرعياً عليه.
هذا تمام كلامنا فيما أفاد حكيم الفقهاء في المطلب وما أفاده اليزدي (رض) حسب الظاهر صحيح لحد الآن.
أما السيد الأعظم (رض) فقد حوّلنا إلى ما أفاده في الأصول من حكم المشهور، باعتبار أن المشهور بصحة الصلاة إذا كان جاهلاً ولكن المقام يقتضي التحقيق وقد أفاد تحقيقاً جلياً جداً واستفاد من ذلك الحكم على خلاف ما أفاده.