46/10/21
الصلاة في المكان مغصوب حق السبق/مكان المصلي /كتاب الصلاة
الموضوع: كتاب الصلاة/مكان المصلي /الصلاة في المكان مغصوب حق السبق
كان كلامنا في الدرس السابق في الروايتين اللتين ذكرهما صاحب الوسائل، ومضمون الروايتين أنه إذا سبق أحد إلى مكان في السوق أو في المسجد أو في مكان مشترك وجاء آخر ليجلس في مكانه، فللأول الأحقية.
وحكم اليزدي (رض) هنا بأن هذا الشخص الثاني الذي تعدى تبطل صلاته.
صاحب الجواهر (رض) غيره من الفقهاء (رض) استدلوا بعدم الملازمة بين أولوية الأول وأحقيته.
كون ارتباط أحد بالنسبة إلى شيء قد يعبر عنه بأنه أولى به، وقد يقال إنه أحق به، وقد خفي بحسب الظاهر على الأعلام (رض) الفرق بينهما.
لابد من الفرق بين التعبيرين ففي الأولوية لا يقتضي أن من هو أولى رجوع على الآخر، ولكن كلمة أحق تقتضي أن في المقام حقان أحدهم يستحق دون الآخر.
ولو تأمل الأعلام (رض) باستعمالات الكلمة بالقرآن لوصلوا إلى ما وصل إليه اليزدي (رض)؛ ففي القرآن قال تعالى:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[1] .
وفي آية أخرى من الآيات الشريفة، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾[2] .
يعني مقتضى الإيمان أن يرضوا صاحب الحق، من يحق له الحق، والحق لغة معناه الثبوت، حق عليه القول يعني ثبت عليه القول، يعني الله ثابت له الحق.
فمن هذه الآيات وغيرها وهي متعددة في القرآن الشريف، يظهر أن هناك فرقاً بين التعبيرين أحدهما أولى من الآخر أو أحدهما أحق من الآخر، والتعبير بالأولوية فقط يعطي الأفضلية وأما التعبير بالأحقية يقتضي الوجوب، واللزوم.
بعد هذا التمهيد البسيط في خدمتكم نأتي إلى ما أفاده السيد الأعظم (رض)، فقد أخذ التعبير بالأحق مثل التعبير بالأولى، وحمله في الروايتين على الأولوية، ووافق صاحب الجواهر (رض) وخلط مثله بين التعبيرين.
التعبير بالأولى لا يقتضي إلا الأفضلية، والشرفية، وأما التعبير بالأحق يعني أن له الحق دون غيره، ولذلك نلتزم بما أفاده صاحب العروة (رض) من أنه إذا دفع أحد وصلى في ذلك المكان فالصلاة باطلة؛ لأن الأول بمقتضى الرواية أحق بذلك، يعني في المقام حقان أحدهما عام بمقتضى أن هذا المكان من الأمكنة العامة فلكل واحد حق في ذلك، ولكن هذا الذي سبق إلى المكان فهو له حق خاص نشأ من سبقه فإذا كان هو سابقاً فهذا الحق الخاص يقتضي أن الأول كان صاحب الحق والثاني مخالف للحق ومستولٍ على حق الغير، فهو ظالم، وإذا كان الثاني ظالماً وغاصباً لحق الأول فحينئذٍ يحكم ببطلان صلاته وبطلان عمله وجلوسه.
ثم إن السيد الأعظم ضرب مثالاً أن حق السبق وحق الغلبة ثابتان في الحيوانات أيضاً ولكنه لم يقل بأنه حق واجب وأخيراً انتهى إلى مقالة صاحب الجواهر (رض) من الحكم بعدم بطلان صلاة الشخص الثاني.
وأما الروايات التي قرأناها في خدمتكم أمس واليوم نقرأها في خدمتكم مرة أخرى لخصوصية في هذه الروايات، مع غض النظر عن سند الروايتين:
الرواية الأولى من الباب السادس والخمسين من أبواب أحكام المسجد، ومع قطع النظر عن السند:
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: تكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجئ آخر فيصير مكانه، فقال: من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليلته.
الرواية ثانية من نفس الباب:
عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل، وكان لا يأخذ على بيوت السوق كراء.
وذيل الرواية الثانية في بعض المصادر غير موجود وهو عبارة: وكان لا يأخذ على بيوت السوق كراءً، يعني المكان الذي خصه البائع للعمل به هذا يسمى بيت السوق، ولا يأخذ الكراء عليه، فعلى فرض ثبوت هذه الجملة في هذه الرواية الثانية فمعناها لا يجوز إيجار هذه المنطقة للغير.
ولكن الكلام في التنازل عن حق، مقابل مال، بعدما ثبت الحق لأحدهما وهو يتنازل عن حقه لأجل الغير فهذه الجملة لا تشمله.
هذا جانب من جوانب المطلب وجانب آخر هو سند هاتين الروايتين:
في الرواية الأولى روى محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه، هذه (بعض أصحابه) أشكلوا بها على الرواية بالإرسال لكن حكيم الفقهاء (رض) ذكر أن الراوي عنه أحمد بن محمد الظاهر أنه ابن عيسى الأشعري عند الإطلاق وهو الذي طرد من قم من كان يروي عن الضعفاء فلا يبعد بهذا التقريب دخول الرواية ضمن خبر الثقة.
وكذلك الرواية الثانية فمحل الكلام فيها طلحة بن زيد، وهو وإن كان عامياً ولم يرد فيه توثيق لكن كما ذكر السيد الأعظم (رض) أن له كتاباً معتبراً إلا أن الإشكال في كون الكليني (رض) لم يلتزم بالأخذ من الأصل بل ربما مشافهة.
أما السيد الحكيم (رض) فقد ذكر أن الرواي عنه عدة من الأصحاب ومن ضمنهم ابن عيسى الأشعري فبنفس التقريب لا يبعد دخول الرواية الثانية أيضاً ضمن خبر الثقة.
فالروايتان حسب ما أفاد السيد حكيم الفقهاء (رض) معتمدتان، النتيجة أن فتوى اليزدي (رض) سالمة وصحيحة.
فإذن الصحيح ـ والعلم عند الله ـ ما أفاده صاحب العروة (رض) وإن خالفه السيد الأعظم (رض) وصاحب الجواهر وتردد فيه السيد الحكيم (رض).
ثم مطلب آخر أن الحق ثابت للأول مادام جالساً، ولكن هل يمكن الرجوع إليه لو قام منه؟ يأتي الكلام فيه وفي غيره .