« قائمة الدروس
آیةالله الشيخ بشير النجفي
بحث الفقه

46/07/18

بسم الله الرحمن الرحيم

صلاة فاقد الساتر/شرائط لباس المصلي /كتاب الصلاة

 

الموضوع: كتاب الصلاة/شرائط لباس المصلي /صلاة فاقد الساتر

أفاد اليزدي (رض) أنه إذا كان أحد الثوبين من غير مأكول اللحم والآخر من مأكول اللحم فحينئذٍ إن كان الوقت وسيعاً فيصلي صلاتين، في هذا الثوب مرة وفي الثوب الثاني مرة أخرى، وأما إذا كان الوقت ضيقاً فحينئذٍ يصلي عارياً ولا يصلي في شيء من الثوبين، بخلاف ما إذا كان أحدهما نجساً والآخر طاهراً فحكم (رض) بأنه في حالة ضيق الوقت يصلي في أحدهما، ولم يوجب القضاء.

حكيم الفقهاء (رض) جوّز الصلاة فيهما معاً إذا كان الوقت وسيعاً سواء كان أحدهما من غير مأكول اللحم والآخر من مأكول اللحم وهو لا يعلم، وكذلك إذا كان أحدهما نجساً والآخر طاهراً وأما في حالة ضيق الوقت فحكم حكيم الفقهاء (رض) بالصلاة في أحدهما وأوجب القضاء في الثاني.

واستناده في هذا الحكم أن هنا علماً إجمالياً فلا تصح الصلاة في هذا ولا ذاك، وكذلك فيما إذا كان أحد الثوبين نجساً والآخر طاهراً فالعلم الإجمالي موجود أيضاً.

أما إذا كان الوقت ضيقاً فحكم ـ أيضاً بمقتضى العلم الإجمالي ـ بوجوب الصلاة في أحدهما، في هذا أو في ذاك؛ لأن سقوط التكليف غير معلوم فيما إذا صلى بأحدهما مع ضيق الوقت، كما أنه معلوم تكليفه بصلاة العصر مثلاً ولكنه غير معلوم أن ذمته برأت من الصلاة أم لا، فالشك في براءة الذمة ويجب قضاء ذلك.

هذا ملخص كلام حكيم الفقهاء.

السيد الأعظم أيضاً وافق حكيم الفقهاء وقال بأنه إذا كان الوقت وسيعاً فيجب عليه الصلاة مرتين وكذلك إذا كان الوقت ضيقاً أيضاً يجب الصلاة في أحدهما كما أفاد حكيم الفقهاء (رض).

أما اليزدي (رض) ففرّق بين الثوبين بين صورة كون أحدهما من مأكول اللحم والآخر من غير مأكول اللحم، وصورة كون أحدهما نجساً والآخر طاهراً فأفتى اليزدي (رض) بوجوب الصلاة في أحدهما، ووافقه السيدان.

أما إذا كان أحدهما من غير مأكول اللحم والآخر من مأكول اللحم فحينئذٍ اختلف العلمان مع صاحب العروة؛ إذ حرم الصلاة في أحدهما بل حكم بالصلاة عارياً.

والذي يقتضيه التأمل في الروايات:

أما بالنسبة إلى عدم جواز الصلاة في غير مأكول اللحم عموماً فقد يستفاد من جملة من الروايات التي ذكرها صاحب الوسائل (رض) في الباب الثاني من أبواب لباس المصلي، حيث يستفاد منها أن الصلاة لا تقبل.

السيد حكيم الفقهاء مصرٌ بالاعتماد على هذه الروايات، وعمدتها الرواية الأولى التي قرأناها في خدمتكم مراراً، يقول:

سأل زرارة أبا عبدالله (ع) عن الصلاة في الثعالب والفنك، يعني غير مأكول اللحم والسنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول الله (ص) أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد.

فقط الصلاة فاسدة، هكذا ظاهر الرواية.

ولعل نظر السيد اليزدي (رض) إلى هذا المعنى؛ إذ أن الصلاة الفاسدة حالها حال الرياضة للجسم لا قيمة لها.

وعند هذا المقدار يمكن أن يقول حكيم الفقهاء (رض) أن هناك علماً إجمالياً، وتنجز العلم الإجمالي يقتضي أن يصلي في واحد منهما.

ولكن هناك رواية أخرى ذكرها صاحب الوسائل (رض)، وهي الرواية الثانية من الباب الخامس من أبواب لباس المصلي:

عن الريان بن الصلت قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن لبس فراء السمور والسنجاب والحواصل وما أشبهها، والمناطق والكيمخت والمحشو بالقز والخفاف من أصناف الجلود؟ فقال: لا بأس بهذا كله إلا بالثعالب.

وأتخيل أن اليزدي ناظر إلى هذه الرواية.

والرواية الثالثة من هذا الباب: روى بإسناده عن الشيخ الطوسي (رض) بإسناده عن الحسين بن سعيد، ثقة، عن الحسن، ثقة، عن زرعة، ثقة، عن سماعة، ثقة:

قال سألته عن لحوم السباع وجلودها، فقال: أما لحوم السباع فمن الطير والدواب فإنا نكرهه، وأما الجلود فأركبوها ولا تلبسوا منها شيئاً تصلون فيه.

قوله: لا تلبسوا شيئاً، فيه نهي عن اللبس في الصلاة ويحتمل أن يكون هذا النهي لا يحقق شرطية الصلاة ولكنه معنىً مجازي، فحمل النهي على الشرطية أو على المانعية فقط خلاف الظاهر والظاهر أنه محرم في نفسه، فلعل اليزدي (رض) اعتبر لبس مثل هذا في الصلاة حرام، فيكون الإنسان كأنه لابس للحرير أو لابس للمغصوب باعتبار أنه هكذا النهي ورد.

وبعبارة واضحة حمل النهي على الشرطية خلاف الظاهر، وحمله على المانعية خلاف الظاهر أيضاً، والسيد اليزدي يفهم من هذه الرواية الحرمة النفسية فإذا كانت حرمة نفسية فلبس اللباس المصنوع من غير المأكول ولبس لباس الحرير ولبس لباس المغصوب عنده في حكم واحد (رض).

كذلك الرواية الرابعة من نفس الباب:

عن سماعة قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن جلود السباع؟ فقال: اركبوها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه.

لعل اليزدي (رض) حمل النهي على الحرمة الذاتية وإذا كان المفهوم من هذه الرواية هو الحرمة الذاتية فكيف يلبسه؟

وكذلك الرواية السادسة من نفس هذا الباب مع أنها مرسلة:

عن سماعة قال سُئل ابو عبد الله (ع) عن جلود السباع قال اركبوها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه

فالظاهر أن في جميع هذه الموارد حمل اليزدي (رض) هذا النهي على الحرمة الذاتية، ولذا حكم (رض) بأنه لا يصلي في شيء من هذين الثوبين، بل يصلي عارياً حتى لا يرتكب الحرام.

والعمدة هي الصحيحة التي أشرت إليها وقرأتها في خدمتكم وهي الرواية الأولى من الباب الثاني، فالإمام لا يقول بحرمة الفعل بل بحرمة الاكتفاء بهذه الصلاة، ويؤكد سقوط هذه الصلاة لا أنه فعل محرم.

logo