46/05/22
انحصار الساتر بأحد الممنوعات/شرائط لباس المصلي /كتاب الصلاة
الموضوع: كتاب الصلاة/شرائط لباس المصلي /انحصار الساتر بأحد الممنوعات
كان الكلام فيما الأعلام (رض) في المقام، وقد تقدم الكلام في كلماتهم إجمالاً.
والكلام اليوم في أصل الحكم، فما هو الدليل على كون هذه الأمور من الممنوعات؟
كأنما العلمان السيد حكيم الفقهاء والسيد الأعظم عبرا عن هذا الحكم بأنه من المسلمات.
ليس الكلام في كون الشي الذي يذكره المصنف من المسلمات، وإلا فأقلها أن يضع إشارة إلى أن هذه ممنوعات في الصلاة مطلقاً.
فمن هذه الممنوعات ما ذكره أولاً وهو النجس، وقد بينا في خدمتكم جملة من الروايات الواردة في هذا الشأن، منها:
الرواية الأولى من الباب الخامس والأربعين من أبواب النجاسات والأواني والجلود، وهي معتبرة:
سألت أبا عبد الله عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره، قال: يصلي فيه فإذا وجد الماء غسله.
نفس هذه الرواية في السؤال والجواب إشارة إلى أن الانسان ممنوع أن يصلي في ثوب نجس، وكأن الراوي من المسلم عنده ذلك ولذا يسأل عن رجل عنده ثوب عليه نجاسة المني، مضطر إلى أن يصلي فيه، وهذا الاضطرار إشارة الى أنه مجبور بمعنى أنه لا يتمكن من الصلاة عارياً؛ إما لأنه في مكان حيث البرد والحر، وإما لأنه مع الناس ليس منفصلاً.
وفرض الحكم أن كون الصلاة في النجس ممنوع بنفسه عند الراوي ويجيب الامام (ع) بالجواب بالجزاء باعتبار أن الصلاة لا تترك بكل حال.
وكذلك الرواية الثانية من نفس هذه الباب، رواها الشيخ الصدوق أيضاً ثم قال: وفي خبر آخر: أعاد الصلاة.
وهذا الخبر فيه دلالتان: أصل الحكم ـ أي كون النجس لا تصح الصلاة فيه ـ مسلمٌ، ووجوب الإعادة كما أشار إليه، وفي هذه الرواية أيضا دليل آخر فالمستفاد من هاتين الروايتين الحكم بالتأكيد وهو أن النجس لا تصح الصلاة فيه، وأنه تجب إعادة الصلاة.
أيضاً في الرواية الثامنة فيه محل كلام من حيث الصحة
كما جاء في الرواية السابعة من هذا الباب بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن أبان بن عثمان، عن محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلي فيه إذا اضطر إليه.
والقاسم بن محمد نقل أحد الأخوة كان السيد الخوئي (رض) يوثقه ولكنه كان يقول بوثاقته لأنه في كامل الزيارات وأخيراً تراجع عنه (رض).
محل الكلام مع غض النظر عن ذلك هو الرواية الثانية وهي معتبرة بسند الشيخ الصدوق (رض) فهي تدل على إعادة الصلاة.
والرواية الثالثة من نفس الباب:
سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يكون له ثوب واحد فيه بول لا يقدر على غسله، قال: يصلي فيه.
فهذا جواب يفيد أنه إذا لم يكن مضطراً إليه فلا تصح الصلاة فيه فنفس السؤال عن صحة الصلاة في حالة الاضطرار أو عدمها، وهذا دليل على أنه لا تصح الصلاة فيه.
والرواية الرابعة من نفس هذا الباب أيضاً:
عن أبي عبد الله عليه السلام سئل عن الرجل يجنب في ثوب ليس معه غيره ولا يقدر على غسله، قال: يصلي فيه.
فالنتيجة أن هذه الروايات العديدة تدل على ذلك، ونفس هذه الرواية الثانية ذيلها بسند الشيخ الصدوق يدل على الإعادة، فمن هنا فهمنا أن الثوب النجس من الممنوعات ولذا حكم اليزدي (رض) أن أحد هذه الممنوعات هو النجس وهذه الروايات كلها وغيرها دليل على ذلك.
مضافاً إلى أنه لم يتوقف أحد من الفقهاء في هذا الحكم، وهو أن النجس ممنوع.
نعم، إذا كان النجس قليل جداً مثلاً خاتم متنجس أو نحو ذلك فذاك ليس محل الكلام، إنما الكلام في أصل الثوب الذي يستر الجسم في الصلاة.
وأما غير مأكول اللحم فعدة روايات تدل على ذلك، منها:
معتبر ابن بكير وهي الرواية الأولى من الباب الثاني من أبواب لباس المصلي:
سأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك، والسنجاب وغيره من الوبر؟ فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله): أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله، ثم قال: يا زرارة، هذا عن رسول الله فاحفظ ذلك، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد، ذكاه الذبح أو لم يذكه.
كذلك الرواية الثانية من نفس هذا الباب:
عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أو أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء والصلاة فيها ؟ فقال: لا تصل فيها إلا ما كان منه ذكياً، قال: قلت: أوليس الذكي مما ذكي بالحديد؟ قال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه.
الرواية الثالثة من نفس الباب:
عن أبي تمامة قال : قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): إن بلادنا بلاد باردة فما تقول في لبس هذا الوبر؟ فقال: إلبس منها ما أكل وضمن.
الرواية الرابعة من نفس هذا الباب:
عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إليه: يسقط على ثوبي الوبر والشعر مما لا يؤكل لحمه من غير تقية ولا ضرورة، فكتب: لا تجوز الصلاة فيه.
وعدة روايات أخرى من هذه الباب أيضاً تدل على أن الثوب اذا كان من جلد غير مأكول اللحم فلا تصح الصلاة فيه.
وأما الحرير والذهب فقد ذكر صاحب الوسائل روايات تدل على جواز لبس الحرير اذا كان مضطراً كما في حالة الحرب أو في حالة المرض كالمبتلى بالقمل ونحو ذلك، ومعنى ذلك أن نفس الحرير ممنوع بلا اشكال.
ولا ريب في أن الروايات تدل على ذلك، فإذا كان الانسان مضطراً فحينئذٍ يجوز فيكون ذلك بلا إشكال.
وكذلك الكلام بالنسبة إلى الذهب بالنسبة الى الرجل، لست أدري لم لا يذكر (رض) برسالته خصوص الرجال، على كل حال روايات وردت في عدم صحة اللبس إذا كان في الذهب مطلقاً للرجل فإذن أصبح من الممنوعات.
أما الميتة فقد تقدم الكلام في ذلك مفصلاً في بحث النجاسات وهناك قلنا بأن الميتة نجسة، والدليل على ذلك الروايات في مختلف أبواب الوسائل تدل على أن الميتة نجسة، فما دام الميتة نجسة فيكون من الممنوعات.
ثم من جملة الممنوعات المغصوب، لا إشكال ولا ريب في أنه حرام ثبت بالأدلة من القرآن وغيره أن أكل مال المسلم بدون إذنه لا يجوز.
ثم إن السيد الحكيم (رض) أشار الى مطلب آخر وهو قولهم إن حق الناس مقدم على حق الله سبحانه ثم استشكل في هذا كلياً.
فليس كل حق لعبد مقدم على حق الله سبحانه على نحو الكلية، هذا الكلام ممنوع.
فإذن المغصوب فيه ممنوع من جهتين: من جهة الصلاة ومن جهة أنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس، وهذا الحكم ثبت باتفاق الأدلة، وان كانت هذه الكلية وهو كون حق العبد مقدم على حق الله سبحانه كلها لا نؤمن بها ولا نلتزم بها أصلا، ثم ما دام هناك جواز لهذه الممنوعات في بعض الحالات فكيف يصح القول بها؟
هناك مجموعة من الروايات تدل على الجواز في حالة الاضطرار، ذكر صاحب الوسائل عدة روايات في الباب الثاني عشر من أبواب من أبواب لباس المصلي:
وبعد الرواية الخامسة ذكر (رض) وجود أخبار تدل على لبس الحرير في الضرورة.
كذلك أحاديث أخرى عنما تأتي في أبواب متعددة مثل قوله عليه السلام: ليس شيء مما حرم الله إلا وقد أحله من حيث الضرورة.
فهذه الممنوعات هي في نفسها ممنوعات في حالة الاختيار، وأما في حالة الاضطرار الله تعالى جوزها لمن اضطر اليه، وقوله عليه السلام: كل ما غلب عليه فالله أولى بالعذر.
فاذن هذه ممنوعات، ولكنها تجوز إذا كان الإنسان غير متمكن من الترك.
فالنتيجة أنها كونها من الممنوعات وأن الإنسان مضطر إليها هو محل الكلام، ولا إشكال في حالة كل واحد من هذه الستة ابتداء من نجس وغير مأكول اللحم مروراً بالذهب والحرير والميتة ولكن الكلام في المقام الذي اختص كلام الفقهاء في ذلك أنه إذا وقع بينهما تزاحم فهذه كلها من باب التزاحم أو كلها من باب التعارض وبعضها من باب التزاحم وبعضها من باب التعارض.