46/05/21
انحصار الساتر بأحد الممنوعات/ لباس المصلي/کتاب الصلاة
الموضوع: کتاب الصلاة/ لباس المصلي/ انحصار الساتر بأحد الممنوعات
ذكر المصنف صاحب الكتاب (رض) ستة أمور ممنوع لبسها في الصلاة، وهي النجس وغير مأكول اللحم والذهب والحرير والميتة وكذلك المغصوب.
والكلام لا يزال فيما لو انحصر الساتر بين اثنين من هذه الأمور الستة الممنوعة.
وقدم المصنف النجس على غير المأكول اللحم وغير المأكول اللحم على الحرير والذهب للرجل طبعاً، وقدمهما على الميتة وقدم الميتة على المغصوب.
أستاذنا المعظم السيد الأعظم (رض) وكذلك حكيم الفقهاء (رض) أشكلا على تأخير الميتة عن الحرير والذهب، وهذا الإشكال منهما غير واضح:
أولاً السيد الأعظم ذكر أمراً ـ وهو غير مستفادة من ظاهر كلام حكيم الفقهاء ـ أن صاحب العروة جوّز الانتفاع بالميتة، فإذا كان الانتفاع بالميتة جائزاً فحكمه حكم غير المأكول وكذلك حكمه حكم النجس.
وردت روايات نشير إليها إن شاء الله تعالى قريباً وقد تقدم الكلام في بعضها، نقرأ في خدمتكم ما دلَّ على المنع من الميتة:
منها: الرواية الأولى من الباب الأول من أبواب لباس المصلي وهي صحيحة السند حسب الظاهر: محمد بن الحسن بإسناده عن حسن بن سعيد عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم: قال سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ، قال لا ولو دبغ سبعين مرة.
وكذلك هذه الرواية بنفسها روى الشيخ الصدوق (رض) بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع).
وهذه الرواية التي قرأتها في خدمتكم هي مضمرة في الكافي، ويظهر من رواية الصدوق أن المسؤول الإمام أبي جعفر الباقر (ع).
والرواية الثانية من نفس هذا الباب:
عن أبي عبدالله (ع) قال في الميتة: لا تصل في شيء منه ولا شسع.
المقصود بالشسع خيط يُشد به أطراف الحذاء أجلكم الله.
والرواية الثالثة من نفس الباب: سُئل الصادق (ع) عن قول الله تعالى: ﴿فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى﴾[1] ، قال كانتا من جلد الميتة.
هذا معناه أن الإنسان المؤمن إذا كان في حالة الخطاب مع الله سبحانه، فحينئذٍ الإنسان لا يلبس الميتة.
كذلك الرواية الرابعة من نفس الباب، قال فيها: إنها كان من جلد حمار ميت.
فأصر العلمان السيد الأعظم (رض) وكذلك السيد الحكيم (قده) واستشكلا هذا الترتيب من اليزدي، وهذا الإشكال من العلمين غير واضح علينا، والوجه في ذلك:
أنه ورد النهي عن لبس الحرير وعن لبس الذهب وورد النهي عن الصلاة في الحرير وكذلك عن الصلاة في الذهب، وورد النهي عن لبس الميتة أيضاً، من هذه الجهة أن النهي وارد عنهما وعن الحرير والذهب في الصلاة وكذلك النهي عن لبس الميتة في الصلاة، فلم أخّره (رض)؟
عجيب هذا الإشكال من هذين العلمين، والسر في ذلك أنه الكلام هاهنا في حال الصلاة لا مطلق اللبس، صاحب العروة قدم الذهب وقدم الحرير على الميتة في الصلاة ولكن جوز الاكتفاء بالميتة في غير الصلاة، فما علاقة هذا بذاك؟
و لا يجوز ذلك بالقياس إلى الصلاة.
فما علاقة هذا بالإشكال من هذين العلمين سيدنا الأعظم والسيد حكيم الفقهاء.
وحتى في النصوص جاز لبس الحرير كما دلت الروايات المعتبرة، يجوز للرجل أن يلبس الحرير في الحرب وفي المرض وفي موارد مختلفة التي تقدم الكلام فيها أنه يجوز للرجل أن يلبس الحرير ولكن لم يرد أنه جاز لبس الميت، لبس جلد الميت هذا لم يرد هناك جواز فيه أصلاً.
فإذن وجه تقديم الذهب على الميتة هو هذا، أن الحرير في حالة من الحالات في حالة الحرب أو المرض أيضاً تقدم إذا كان الإنسان في ضرورة يلبس الحرير لأجل دفع القُمّل ونحو ذلك فانه جائز.
وأما لبس جلد الميت فقد يُستفاد من لبس موسى كذلك، ولكن لعله كان في تلك الشريعة كان جائز الانتفاع بالميتة وفي شريعتنا لم يجز الانتفاع بالميتة.
فإذن إشكال العلمين سيدنا الأعظم (رض) وحكيم الفقهاء على المصنف صاحب العروة في ترتيبه غير واضح.
نعم هذا الإشكال يتوجه فقط بالنسبة إلى الذهب للرجل بالخصوص في صورة أن لبس الذهب للرجل لا يجوز مطلقاً لا في حالة الحرب ولا في غير حالة الحرب، لا في الصلاة ولا في غير الصلاة، وأما في الميتة فهذا الإشكال مرفوع لأن لبس الذهب للرجل إذا كان مضطراً إليه لا يتمكن من الصلاة بدون اللباس أو كانت هناك ضرورة أخرى تجوز لبس الذهب أيضاً، لكن لبس الميتة لم يرد فيه إلا أن جلد الحذاء الذي كان لابسه موسى عليه السلام كان ميتة.
قال: ﴿فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى﴾[2] ، هذا التعبير إنك بالوادي المقدس مراعاة للوادي المقدس لا يجوز اللبس، لا مطلقاً لا يجوز اللبس، فمعنى ذلك أنه كان على المصنف كان على العلمين رفع اليد عن هذا الاشكال.
فالصحيح والعلم عند الله وعند الراسخين في العلم أن الذهب يقدم؛ لأن الحرير يجوز لبسه في حالة الحرب وفي حالة أخرى من المرض ونحو ذلك ككثرة القمل وغيره.
يبقى الكلام أنه لم أخر الميتة عن الذهب، فيمكن أن يقال أنه لأجل هذه الرواية التي دلت على جواز لبس الميتة لأن إمكانه جواز الميت هذا ولكن أخر عن الذهب لأن الذهب أيضاً يجوز لبسه إذا كان مضطراً، أما لبس الميتة فلم أجد رواية تدل على جواز لبس الميتة أبداً إلا هذه الرواية التي ذكرها قرأناها في خدمتكم وهي أنه أن موسى كان لابساً هذا الجلد إن صحت هذه الرواية.
ويذكر صاحب الوسائل عن ولي الله الأعظم أن إنكار هذه الرواية ينسبها إلى العامة، ثم لبس النجس جائز في حالة الصلاة، فيبقى الإشكال.
كما أن الرواية الأولى من الباب الثلاثين من أبواب لباس المصلي:
عن أبي عبدالله (ع) قال: قال رسول الله (ص) لأمير المؤمنين لا تتختم في الذهب فإنه زينتك في الآخرة.
فليست فيه تلك الشدة التي موجودة في لبس الميتة، بل هناك رواية تدل على الجواز ولكن في سندها سهل بن زياد، فهي من هذه الجهة ساقطة:
أن النبي (ص) تختم في يساره بخاتم من ذهب ثم خرج على الصلاة فطفق الناس ينظرون إليه الرسول لابس ذهب فوضع يده اليمنى على خنصر اليسرى حتى رجع إلى البيت فرمى به فما لبسه بعد ذلك أبداً.
ولكن لا تثبت.
كذلك الرواية الرابعة من نفس الباب:
عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه؛ لأنه من لباس أهل الجنة.
فإشكال العلمين (رض) وارد في تأخير الميتة عن الذهب لا عن كل محجوب، أما الباقي النجس فانه قد جازت الرواية بروايات معتبرة متعددة جازت الصلاة فيها وكذلك غير المأكول اللحم منع من الصلاة فيه ولكنه جوز إذا كان مضطراً، فالنتيجة أن إشكال العلمين إن آمنا به فإنه مختص في تأخيره عن الذهب وليس تأخيره عن الذهب والحرير.
هذا ما كان في كلمات الأعلام وإن شاء الله تعالى في الجسلة القادمة نبين الترتيب الذي نختاره بين هذه الممنوعات.