« قائمة الدروس
آیةالله الشيخ بشير النجفي
بحث الفقه

46/05/06

بسم الله الرحمن الرحيم

 انحصار الساتر بأحد الممنوعات/ لباس المصلي/کتاب الصلاة

الموضوع: کتاب الصلاة/ لباس المصلي/ انحصار الساتر بأحد الممنوعات

 

أثار اليزدي مسألة دوران الأمر بين المحظورات، وقال إن الثوب إذا كان متنجساً فهو يقدم على غير مأكول اللحم وكذلك على باقي المحظورات غير مأكول اللحم، الحرير والذهب للرجل والميتة مطلقاً وكذلك المغصوب.

حكيم الفقهاء (رض) رتب الحكم المذكور في كلام اليزدي على جواز الصلاة في المتنجس، وقد تقدم الكلام في ذلك، وقلنا إن هناك روايات تدل على الجواز وروايات قد يستفاد منها عدم الجواز، فبين الطائفتين تعارض، والسيد الأعظم (رض) جمع بينهما بالتخيير، وقال بجواز الصلاة في المتنجس أو الصلاة عارياً مع ترك المتنجس.

خادمكم توقف في ذلك باعتبار أن الطائفة الثانية مجملة، فلا بد من الإعراض عنها والعمل بالطائفة الأولى الدالة على الجواز، لكن بين تلك الروايات الدالة على جواز الصلاة عارياً روايتان في إحديهما تقييد الجواز بما إذا كان الإنسان مضطراً إليه، ووفي الأخرى دلالة على جواز الصلاة عارياً ولكن بعد ذلك يعيد الصلاة.

هاتان روايتان من تلك الروايات، وقلنا قبل قليل إن السيد الحكيم (رض) قال إن مضمون كلام اليزدي مبني على إثبات جواز الصلاة بالمتنجس إذا كان منحصراً وليس له ثوب آخر.

وأما الروايتان اللتان لابد من طرحهما، إحداهما الرواية السابعة من الباب الخامس والأربعين من أبواب لباس المصلي:

رواها الشيخ الطوسي (قده) في التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن ابان بن عثمان عن محمد الحلبي: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلي فيه إذا اضطر إليه.

في هذه الرواية قاسم بن محمد مشترك بين ثقة وغير ثقة وبهذه الجهة الرواية قابلة للإسقاط.

قوله عليه السلام إذا اضطر إليه يعني وأما إذا لم يكن مضطراً فلا تجوز، فالاضطرار كما لو كان مع جماعة ولا يمكنه أن ينزع ويصلي عارياً، أو مضطر من جهة البرد أو من جهة الحر ونحو ذلك.

الإمام عليه السلام شرط في الرواية أن يكون مضطراً إلى لبسه في حال الصلاة، فمقتضى هذا التقييد أنه إذا كان غير مضطر لا يجوز الصلاة في المتنجس، ولذلك فالسيد الحكيم (رض) كأنه ملتفت الى هذه الرواية، فقال في التعليق على الحكم: إذا قلنا بالجواز فهو دليل على تقديمه على الصلاة بغير مأكول اللحم.

والرواية الثانية وهي الثامنة من نفس الباب:

رواها الشيخ الطوسي (قده) بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب واحد، ثوب ولا تحل الصلاة فيه، وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع، قال: يتيمَّم ويصلي فإذا أصاب ماءً غسله وأعاد الصلاة.

وقول السائل: لا تحل الصلاة فيه قرينة على كون الثوب متنجساً فلا تصح الصلاة فيه.

وعمر بن سعيد أيضاً مشترك، وهذه الرواية أيضاً بحسب سندها عند خادمكم غير معتبرة.

وأما دلالةً فمعناه أنه الإمام عليه السلام يأمر بالصلاة فيه ويوجب عليه الإعادة.

هذه الرواية أيضاً مخالفة لباقي الروايات التي من هذا الباب الدالة على جواز الصلاة في النجس.

كيفما كان فالروايتان سقطتا عندنا بحسب السند، والعمدة باقي الروايات التي رجحناها.

ومرة أخرى نقول: ينبغي التأمل في سبب إغماض العلماء (رض) عن التفريق بين كون الثوب ممنوعاً فيه الصلاة، وبين كونه لبسه في غيرها ممنوعاً، فالفرق واضح بين مطلبين، لمَ غفلوا عنه أو لم اعرضوا عنها، مع أن البحث أثر على آراء بعض الفقهاء، فمثلاً فالسيد الحكيم يبحث بين الصلاة في غير مأكول اللحم وبين الصلاة في غيره من باب التزاحم، يعني أنه (رض) أدخل المسألة في باب التزاحم ولكن أصل الجواز كأنه عنده مُسلّم عنده لا إشكال فيه، مع أنه إذا نُهي عن الصلاة في ثوب فنفس الصلاة محرمة، وحينئذٍ فللحرمة وجهان قد تكون حرمة ثابتة من أصل اللبس ـ مثل لبس الذهب والحرير للرجل في غير الحرب والاضطرار، وقد تكون غير ثابتة مثل أن يلبس النجس فإنه لا يرتكب الحرام ولكن الصلاة في الثوب النجس محرمة.

وفي هذه الروايات التي ذكرناها دلالة على الجواز في صورة الحصر فقط، لا مطلقاً.

فعليه كان على الفقهاء (رض) التدقيق في هذا الجانب من هذه الروايات فأنها تدل على جواز الصلاة في النجس إذا كان الإنسان مضطراً إليه.

ومن هذه الروايات:

الرواية الأولى من الباب الرابع وخمسين من أبواب كتاب الطهارة، سندها صحيح، ‌قال: محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن محمد بن علي الحلبي:‌

‌ سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب في ثوب وليس معه ثوب غيره، قال يصلي فيه ‌فإذا وجد الماء غسله.‌

فالرواية واردة فيما إذا كان الإنسان مضطراً إلى لبس النجس.

ومنها: الرواية الثانية من نفس الباب، نفس هذه الرواية ولكن قال الإمام (ع) في ذيلها: وأعاد الصلاة.

فمعنى ذلك أنه مضطر في اللبس، كما فهم خادمكم.

ومنها: الرواية الثالثة:

‌ روى عنه يعني عن علي بن حلبي، أنه سأل أبا عبد الله: عن الرجل يكون له ثوب واحد ‌فيه بول لا يقدر على غسله، قال يصلي فيه.‌

وقوله: لا يقدر على غسله، يعني لا يقدر أن يصلي في ثوب طاهر فكأنه مضطر إلى ثوب متنجس.

ومنها: الرواية الرابعة من نفس هذا الباب:

روى محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، أنه سأل أبا عبد الله ‌(ع): عن الرجل يُجنب في ثوب وليس معه غيره ولا يقدر على غسله، قال يصلي فيه.‌

أيضاً رواية صريحة في حال الاضطرار.

وكذلك الرواية الخامسة من نفس هذا الباب:

محمد بن الحسن بإسناده عن علي بن جعفر، عن ‌أخيه موسى (ع) قال سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كله ‌دم، يصلي فيه أو يصلي عرياناً؟ قال إن وجد ماءً غسله، وإن لم يجد ماءً صلى فيه ولم يصل ‌عرياناً.‌

وهذه الرواية أيضاً واردة في حالة الاضطرار.

فهذه الروايات التي نظر فيها الفقهاء ولكن لم يظهر منهم التأمل فأن الروايات واردة في حالة الاضطرار.

فالنتيجة، الصحيح أن يقال إن الصلاة في الثوب النجس في حالة الاضطرار جائزة وفي غيرها غير جائزة.

 

logo