« قائمة الدروس
آیةالله الشيخ بشير النجفي
بحث الفقه

46/04/30

بسم الله الرحمن الرحيم

 انحصار الساتر بغير مأكول اللحم/ لباس المصلي/کتاب الصلاة

الموضوع: کتاب الصلاة/ لباس المصلي/ انحصار الساتر بغير مأكول اللحم

 

كان الكلام فيما إذا انحصر الساتر في غير مأكول اللحم، وقلنا إن كلام اليزدي (رض) ناقص حسب الظاهر والعلم عند الله لأنه قيد الجواز بالاضطرار إلى لبسه، وأما مجرد الانحصار فله حكم آخر عنده.

وكيفما كانت عبارة اليزدي (رض) فالكلام فعلاً في كلام السيد الحكيم (رض) الذي أفاد (قده) على ما في المستمسك أن الأمر يدور بين أن يلبس فتكون صلاة في غير مأكول اللحم وبين أن ينزع فحينئذٍ يدور الأمر بين أن تكون صلاته مع الركوع والسجود إن انحصرت الصلاة بالإشارة، وبين أن تكون الصلاة مع الركوع والسجود إن لم يكن هناك ناظر محترم.

وفي مثل ذلك يقول (رض) إن معلوم الأهمية يقدم، وإن لم يكن معلوم الأهمية يقدم محتمل الأهمية وإن كان كل منهما محتمل الأهمية فحينئذٍ يتخير بينهما والاحتياط يكون بالجمع بينهما، فإن لم يتمكن من الجمع يأتي حينئذٍ بأحدهما في الوقت وبالآخر خارج الوقت.

ثم قال إنه لا يجري في المقام أصالة عدم إتيان الواجب حتى يكون الإتيان خارج الوقت فيصدق عنوان الفوت، فإذا لم يصدق عنوان الفوت فالشك في وجوب القضاء حينئذٍ.

نعم، قال (رض) بأنه تجري في المقام أصالة عدم الإتيان بالواجب الواقعي وهو كون الساتر من مأكول اللحم.

ثم دخل في مطلب آخر وهو دوران الأمر بين الصلاة عارياً والصلاة مع غير المأكول، وكلاهما مخل بالصلاة، أما مع اللبس فلأنه يعلم بعدم وجود الساتر، وأما عارياً فيكون الصلاة بدون الساتر، ففي مثل ذلك يدور الأمر بين النزع وعدم النزع.

هذا ملخص ما أفاده حكيم الفقهاء (رض) في المقام.

وكنا قد تعرضنا في الدورة السابقة في الأصول لمسألة التزاحم والتعارض، وقلنا إن التزاحم إنما يُتصور فيما لو عُلم أن كلا الأمرين واجب ولا يمكن الإتيان بهما، وأما إذا كنت لا أعلم حينئذٍ فلا يكون من باب التزاحم.

ففي المقام التزاحم بين لبس الساتر من غير مأكول اللحم ونزع الساتر هذا المعنى الذي فرضه الحكيم (رض) غير واضح جداً؛ بعدما أفاد الإمام الصادق (ع) في صحيحة ابن بُكير ـ ولم يرفضها (رض) كما هو ظاهر كلماته الشريفة ـ بعدما سأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك، والسنجاب وغيره من الوبر؟ فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله): أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله، ثم قال: يا زرارة، هذا عن رسول الله فاحفظ ذلك، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد، ذكاه الذبح أو لم يذكه.

فإذن مع وجود هذه المعتبرة أمامنا جميعاً، فحينئذٍ الصلاة باطلة، فإذا كانت باطلة فلا تصح الصلاة في غير مأكول اللحم إذا لم يكن مضطراً إلى لبسه، وإذا كان مضطراً إلى لبسه من خوف البرد ومن خوف غير البرد ونحو ذلك ـ كما أشار إليه السيد اليزدي (رض) ـ فحينئذٍ هذا يكون واجباً عليه لبس هذا الساتر.

فما فرضه (رض) من دوران الأمر غير واضح جداً.

ومع قطع النظر عن ذلك فالمطلب الذي أفاده (قده) في المقام أيضاً غير واضح، حيث ذكر محتمل الأهمية ومعلوم الأهمية، وقدم معلوم الأهمية، وإن لم يكن معلوماً فيقدم محتمل الأهمية، أرجو المعذرة من السيد الحكيم (رض) لكن كلامه غير واضح جداً، فكون هذا الواجب هاماً وذلك الواجب أهم يتوقف على معرفة الإنسان بالحكمة والمصلحة التي دفع الشارع المقدس إلى إيجاب هذا وعدم إيجاب ذلك، وحينئذٍ يتصور هذا التزاحم في المقام، معلوم الأهمية وعدم معلوم الأهمية.

وأما اعتقادنا ـ نحن الاثني عشرية ـ أن الشارع المقدس هو وحده يعلم حكمة وجوب هذا وعدم وجوب ذاك.

فما ذكره من التزاحم بين معلوم الأهمية ومحتمل الأهمية، وكذلك كلامه بين محتمل الأهمية وبين غير محتمل الأهمية أيضاً غير واضح جداً.

وأما بالنسبة لما قال (رض) من عدم جريان أصالة عدم الإتيان، وبعد ذلك يمكن أن يقال أنه واجب أصلي لم يأتي به المكلف، فعليه يجب القضاء بإتيان الواجب الأصلي حسب الفرض، فهو خروج عن محل الكلام جملة وتفصيلاً.

والوجه في ذلك أن الواجب الأصلي يعني الصلاة بلباس مأكول اللحم هذا غير متوفر له، فلذلك لا يتوجه إليه الوجوب الأصلي، بل الواجب عليه الصلاة بهذا اللباس أو الصلاة عارياً، وقلنا إن هذا أيضاً ليس من باب دوران الأمر بين الواجبين، بل المتعين عليه أنه فاقد للساتر، لأن هذا الساتر ليس ساتراً في نظر الشارع، فحينئذٍ وجوده كعدمه وإذا كان وجوده كعدمه فالصلاة فاسدة فيه.

مع الأسف الشديد أنه (رض) مثل باقي فقهائنا الأبرار مصر على أنه إذا أتى ببدل واجب فحينئذٍ هو تارك للواجب، وهو غريب جداً.

بيّنت في خدمتكم أن المكلف إذا انتقلت وظيفته من فعل إلى بدله فحينئذٍ أصل الفعل ليس واجباً أصلاً كأنه لم يلزم الشارع المقدس به، ولم يأمر به وانما أمر بالبدل فإذا كان قد أمر بالبدل فحينئذٍ كلامه الشريف أنه تارك للواجب وتارك للركوع وانما مكتفي بالإيماء بدلاً عن الركوع والسجود إذا كان هناك ناظر محترم ونحو ذلك، غير واضح.

فكلام حكيم الفقهاء (رض) وإن كان دقيقاً في محله إلا أنه أجنبي عن محل البحث؛ لأن محل البحث أن يكون هناك لباس منحصر إذا انحصر في غير مأكول اللحم وهو مضطر إلى لبسه، فإذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ وظيفته واحدة فقط، ولا تأتي حينها أحكام التزاحم كما جرَّ أحكام التزاحم في المقام.

ثم بعد ذلك قال (رض) أنه ليس هناك إطلاق للبس ليُتسمك به، لست أدري من أين أتى بهذا الكلام (رض) وقد قلنا إن اللبس لغة هو الستر، والستر واجب من جملة شرائط الصلاة أن يكون هناك ساتر.

ومع قطع النظر فالقول إنه على كلا التقديرين هو فاقد للشرط، غير صحيح عندنا؛ فقد قلنا إن الصلاة عارياً بدل واجب عن الساتر، فحينئذ تكون وظيفته نزع هذا الساتر.

وكذلك قلنا إن معتبرة ابن بكير دلت على أن الصلاة في غير مأكول اللحم فاسدة، لا تقبل فالله سبحانه لا ينظر إلى هذه الصلاة، فكيف يقول (رض) إنه لا فرق بين نزعه وبين لبس غير مأكول اللحم؟ هذا الكلام منه (رض) غير واضح!

فإذن الصلاة في غير مأكول اللحم محرمة إن لم يكن مضطراً إليها، وإذا كان مضطراً إليها فحينئذٍ هي صحيحة، والعلم عند الله وعند الراسخين في العلم، كما نلتزم بأن الصلاة في غير مأكول اللحم حاله حال الصلاة في الحرير؛ فكما أن الصلاة في الحرير لا تصح إلا إذا كان مضطراً إليه وكذلك الصلاة في غير مأكول اللحم لا تصح إلا إذا كان مضطراً إليه.

logo