« قائمة الدروس
آیةالله الشيخ بشير النجفي
بحث الفقه

46/04/29

بسم الله الرحمن الرحيم

 انحصار الساتر بغير مأكول اللحم/ لباس المصلي/کتاب الصلاة

الموضوع: کتاب الصلاة/ لباس المصلي/ انحصار الساتر بغير مأكول اللحم

 

بقى كلام الفقهاء (رض) في الصلاة بغير مأكول اللحم لو انحصر الساتر فيه وقد حكم بالصلاة عارياً.

وظاهر ما عبر به العلماء كاليزدي أيضاً وكذلك المعلقين على العروة في الصلاة في الميتة والمغصوبة والذهب لو انحصر بها الساتر أن المصلي رجل، ولست أدري سبب ذلك، مع ما يجري في الحرير يجري كذلك في غير مأكول اللحم والمغصوب والميتة سواء كان المصلي رجلاً أو امرأة.

ثم إن خلطاً قد وقع في كلام الفقهاء بين الحرمة الذاتية والحرمة العارضة، فالحرمة الذاتية في الحرير ذاتيةٌ بالنسبة إلى الرجل، والمغصوب فيه حرمة ذاتية مطلقاً سواء كان رجلاً أم امرأة، أما الميتة وغير مأكول اللحم ففيهما حرمة عرضية.

فينبغي الالتفات لفرق بين الحرمة الذاتية والحرمة العرضية، فلبس الذهب للرجل في ذاته محرمٌ كالحرير، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة، أما غير مأكول اللحم أو الميتة فالصلاة فيهما محرمة بمعنى أن هذه الحرمة ليست من جهة أن غير مأكول اللحم أو الميتة حرام ذاتاً، بل من جهة أن الصلاة بهما باطلة، فلا يجوز للإنسان أن يصلي في غير مأكول اللحم، وكذلك يحرم على الإنسان الصلاة في الميتة.

هذا الخلط بينهما في كلمات الفقهاء (رض) غير واضح.

على كل حال استدل السيد حكيم الفقهاء (رض) على وجوب الصلاة الناقصة بقول المحقق في المعتبر: لا يسقط فرض الصلاة مع عدم الساتر، وعليه علماء الإسلام.

وفيه أن هذا الحكم خاص بصورة فقد الساتر ولا يعني قول المحقق أنها لا تسقط مطلقاً.

نعم، هذا الإجماع الذي ادعاه في المعتبر يأتي نقاشه في محل الكلام، ولكن لا يدل قوله الشريف على عدم سقوطها مطلقاً بحيث يشمل المنع من السقوط لو كان غير فاقد للساتر، وقد ذكرنا في الدروس السابقة روايات تدل على أن هناك حالة يصح ترك الصلاة فيها، كما في الرواية السابعة من الباب الثالث من أبواب ‌قضاء الصلوات:‌

‌ عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) - في حديث - قال: وكذلك كلما غلب الله ‌عليه مثل المغمى الذي يغمى عليه في يوم وليلة فلا يجب عليه قضاء الصلوات كما قال ‌الصادق (عليه السلام): كلما غلب الله على العبد فهو أعذر له. ‌

والفرق بين النائم وبين المغمى عليه فرق في فقدان الإحساس، ففي المغمى عليه يكون الإحساس مفقوداً تماماً، مع أنه يتنفس ولكنه حكمه حكم الميت، بخلاف النائم أيضاً فهو يتنفس ولكنه أقرب إلى الإحساس من المغمى عليه، ففي المغمى عليه لا تجب إعادة الصلوات أما النائم وقت الصلاة تماماً يجب عليه إعادة ما فاته، مع أن كليهما ليس مكلفاً ومع أن الفرق بينهما لا يكاد يتميز بالظاهر ولكن ذلك الحكم تعبدي بحت.

فما فعله السيد حكيم الفقهاء من الاستفادة من قول صاحب المعتبر: إن لا تسقط الصلاة بفقد الساتر مطلقاً، بأن الإجماع قائم على أن الصلاة لا تترك بحال، عجيب غريب جداً.

ثم إن خللاً آخر وقع في كلمات الفقهاء (رض) خلل بمعنى عدم الوضوح، وهو في كلماتهم في صورة ما لو صلى الإنسان عارياً في حالة الإيماء بدلاً عن الركوع والسجود إذ أنهم لم يفرقوا(رض) بين قيام البدل مقام المبدل منه وبين فقدان المبدل منه تماماً لا بدلاً ولا أصلاً.

ولذلك قال أحد أساتذتنا (رض) إن كلمات الفقهاء مهما يكون فيها من القيود ومع ذلك العبارة تكون غالباً ناقصة.

وأما بالنسبة لغير المأكول في المقام، فغير المأكول قد يكون حلالاً لبسه وقد لا يكون حلالاً، غير المأكول مطلقٌ، كان على اليزدي (رض) أن يخصص الحكم في الصلاة في غير المأكول اللحم بقيد الاضطرار، لكنه حكم بعدم صحة الصلاة في غير المأكول اللحم مطلقاً، ولم يفرق بين الاضطرار وعدمه، غريب جداً!

وكذلك السيد الأعظم (رض) عبر كلام اليزدي عبور الكرام ولم يفرق بين وجوب هذا القيد وعدم وجوبه، وكذلك فعل حكيم الفقهاء.

ولو تنزلنا وقلنا بجريان مقدمات الحكمة في كلمات الفقهاء (رض) ـ مع أنا لا نقول بجريانها إلا في كلام الرسول والائمة (ع) حصراً ـ فكما قيد صحة الصلاة بالحرير بالاضطرار كان عليه أن يقيد البطلان بغير المأكول بعدم الاضطرار، عجيب أن يحكم بعدم صحة الصلاة في غير مأكول اللحم مطلقاً، مضطراً كان أم لا.

كما ينبغي الالتفات إلى مطلب آخر وهو معتبرة ابن بُكير وهي الرواية الأولى من الباب الثاني من أبواب لباس المصلي:

سأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب والفنك، والسنجاب وغيره من الوبر؟ فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله): أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله، ثم قال: يا زرارة، هذا عن رسول الله فاحفظ ذلك، فإن كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاة في كل شيء منه فاسد، ذكاه الذبح أو لم يذكه.

ففيها إشارة إلى كون الحرمة قسمين، ذاتية وعرضية، يستفاد ذلك من كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقد استعمل كلمة جائز، بمعنى أن الصلاة في غيره غير جائزة أصلاً وهذا الذي أشرنا اليه في خدمتكم أن الحرمة على قسمين حرمة ذاتية وحرمة، ففعل الصلاة حرام اذا كان في غير مأكول اللحم بهذا المعنى.

 

logo