« قائمة الدروس
آیةالله الشيخ بشير النجفي
بحث الفقه

46/04/23

بسم الله الرحمن الرحيم

الصلاة بالحرير مضطراً/لباس المصلي/کتاب الصلاة

الموضوع: کتاب الصلاة/لباس المصلي/الصلاة بالحرير مضطراً

 

كان الكلام فيما أفاد اليزدي (رض) أنه إذا كان مضطراً إلى لبس الحرير لدفع البرد أو غير ذلك، جاز اللبس وجازت الصلاة فيه.

هذا الذي أفاده ينبغي النظر فيه من جهات:

أولاً لابد من حمل كلامه على أن يكون الاضطرار إلى لبس الحرير مستوعباً لوقت الصلاة، وأما إذا لم يكن كذلك فإنما هو حالة خاصة دون جميع وقت الصلاة، فما أفاده من الحكم غير واضح.

فلو كان بالليل برد وبالنهار لا برد فيه، فحينئذٍ هذا البرد يكون مجوزاً للبس الحرير في الصلاة الليلية أما في الصلاة النهارية مثلاً الظهر فيصلي بدون اللبس فحينئذٍ لا معنى لكلامه الشريف، وإطلاق كلامه (قده) لابد فيه من النظر.

كما يظهر بالتأمل أن المكلف يُمنع من لبس الحرير وكذلك يُمنع من الصلاة فيه، ولكنهما حكمان مستقلان، دليل حرمة اللبس مستقل عن دليل عدم صحة الصلاة أيضاً، فإذا كان عندنا دليلان أحد الدليلين أن اللبس حرام والثاني أنه لا تصح الصلاة فيه، فإن كانت هناك ملازمة بين الحرمة وبين بطلان الصلاة فهو وإلا فلا معنى للتعدي من الحرمة إلى منع الصلاة فيه.

ينبغي التأمل في كلامهم هنا بوجه دقيق؛ إذ يظهر من المحقق الهمداني (رض) في مصباح الفقيه أن أن المانعية عن الصلاة تابعة للحرمة، يعني إذا كان اللبس محرماً فالصلاة باطلة وإذا لم يكن اللبس محرماً فالصلاة تكون جائزة هكذا أفاد.

نحن أولاً ندعي بأنه هناك حكمان أحدهما حرمة اللبس للحرير إذا لم يكن هناك ضرورة، والآخر منع الصلاة فيه.

ولذلك عنون صاحب الوسائل (رض) الباب الحادي عشر بـ باب عدم جواز صلاة الرجل في الحرير المحض.

وأما الرواية فهي مختلفة ففي بعضها نظرٌ إلى صحة الصلاة وعدمها، مثل الرواية الأولى من روايات هذا الباب: قال سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن هل يصلي الرجل في ثوب إبريسم، قال لا.

فهذه الرواية ليس فيها إلا المنع من الصلاة فيه.

وكذلك الرواية الثانية وهي معتبرة: قال كتبت إلى أبي محمد (ع) أسأله: هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج، فكتب (ع): لا تحل الصلاة في حرير محض.

وبعض الأدلة ناظرة إلى أصل اللبس لا من حيث الصلاة وعدم الصلاة، مثل الرواية الثالثة:

قال محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع)، قال: لا يصلح لباس الحرير والديباج.

وكذلك الرواية الخامسة من نفس الباب ورد فيه عن أبي جعفر (ع)، قال: أن رسول الله (ص) قال لعلي (ع) إني أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي فلا تتختم بخاتم الذهب، إلى أن قال لا وتلبس الحرير فيحرق الله جلدك يوم تلقاه.

نستجير بالله، فأيضاً هذه الرواية ناظرة إلى مطلق اللبس لا في الصلاة فيه.

وكذلك الرواية السابعة: قال سألت الرضا (ع) هل يصلي الرجل في ثوب إبريسم قال لا.

فلا ملازمة بين الحكم التكليفي وهو حرمة اللبس إذا لم تكن هناك ضرورة والوضعي أي عدم صحة الصلاة فيه، وعندنا شواهد على هذا التبيان مثل لبس اللباس النجس فنفس لبسه جائز ولكن لا تصح الصلاة فيه، وكذلك الميتة يلبس جلد الميتة على المشهور لأنه يصح اللبس ولكن لا تصح الصلاة فيه.

وقد قرأنا مراراً رواية ابن بكير المعتبرة عن الإمام الصادق (ع) ومضمون الرواية أن الصلاة تصح إذا كان الإنسان ذكى الحيوان، فالنتيجة لا تلازم بين الحكمين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، والفقيه الهمداني (رض) حسبما يظهر من التتبع هو أول من ادعى الملازمة في المقام.

والصحيح أن هذا خلط بين مطلبين مطلب جواز اللبس في حالة الحرب وفي غير حالة الحرب، والصلاة لا تسقط فحينئذٍ تصح الصلاة فيه، ولعله من هنا تخيلوا أن المنع عن الصلاة ملازم لحرمة اللبس فإذا حرم اللبس مُنع من الصلاة وإلا فلا، وهذا الخلط ينبغي أن لا نقع فيه نحن إن شاء الله تعالى.

وقد يقال: كما أن السيد الحكيم أيضاً أشار إلى هذا الجانب قال بأنه إذا كان هناك حرمة فهناك بطلان للصلاة لمناسبة الحكم والموضوع فهو أنه لابد أن نقول أن بطلان الصلاة يثبت إذا كانت الحرمة ثابتة وأما إذا لم تكن الحرمة ثابتة فلا يكون هناك منع من الصلاة.

ولكن إذا كان الدليلان مستقلين فمعناه أن لا ملازمة بينهما بحسب المقتضي والدليل.

وقال بعض الفقهاء أن دليل المنع منصرف إلى الحرمة، فإذا جاز يعني ارتفع جاز اللبس وارتفعت الحرمة فحينئذٍ بطلان الصلاة أيضاً يرتفع، هكذا يظهر من بعض كلماتهم (رض) وهو غير واضح؛ فقد بينا في خدمتكم مراراً وتكراراً أن الرجوع إلى العرف هو يحدد المصداق، أما من حيث العقل أيضاً فدعوى الانصراف إذا كان مفهوماً من العرف وإلا فحينئذٍ مقتضى الدقة العقلية أنه لا تلازم بين الحكمين.

وعليه نرفض أن كلام اليزدي منحصر فيما كان اضطرار مستوعباً للوقت.

وأما بطلان الصلاة وعدم صحتها فهذا أيضاً مستقل عن الحكم الوضعي، فلا بد من إثبات التلازم بين الحرمة وبطلان الصلاة وهذا لا دليل عليه.

فالصحيح أن يقال بالتفصيل إن كانت الضرورة مستوعبة للوقت كله فحينئذٍ يثبت الجواز، سواء كان في وقت الصلاة أو لا يكون، وأما إذا لم تكن الضرورة مستوعبة لوقت الصلاة، فحينئذٍ في الوقت الذي هو غير مضطر إلى لبسه فالحرمة ثابتة، فالنتيجة كلماتهم غير واضحة جداً.

وأما ما في كلام صاحب الجواهر (رض) فقد أفتى في حالة الحرب بالصحة، مع فرض أنه لا يتمكن من نزع الحرير في حالة الحرب، أما أنه يعتبر من أدلة الجواز فليس كذلك، وأما التمسك بأدلة الجواز فذلك شيء آخر.

وبعبارة واضحة، علينا أن نتبع الدليل إن اقتضى الدليل الحرمة نقول بالحرمة مطلقاً في حالة الصلاة وفي غيرها، وإن قلنا ببطلان الصلاة أو بجواز الصلاة أو بصحة الصلاة فذلك أيضاً تابع للدليل والخلط الذي حدث في كلام الاعلام (رض) فهو خلط غير واضح إن شاء الله تعالى.

 

logo