46/04/19
الصلاة بالحرير المفتول بالذهب/لباس المصلي/کتاب الصلاة
الموضوع: کتاب الصلاة/لباس المصلي/الصلاة بالحرير المفتول بالذهب
ذكر اليزدي (رض) أن الحرير إذا كان مفتولاً بالذهب لا تصح الصلاة فيه.
وحكمه (رض) بعدم صحة الصلاة ليس راجعاً إلى الحرير؛ لأنه ورد في المنع عن الحرير أن يكون خالصاً، والحرير الذي ليس خالصاً بل مخلوط بشيء آخر يجوز لبسه؛ حيث فهمنا من بعض الروايات تقييد النهي بأن يكون الحرير خالصاً، وإنما هي من باب وجود الذهب.
و أتصور أن الفقهاء (رض) قد قالوا في محله في حرمة الحرير في مسألة اللبس أن يكون اللبس شاملاً محيطاً بالإنسان مع أن السيد اليزدي (رض) لم يشترط في الذهب الذي عبر عنه باللبس المحرم أن يكون ذلك محيطاً، فاللبس معناه كما فهم خادمكم هو اللبس معناه الستر مطلقاً، وأما اشتراط أن يكون اللبس محيطاً بالجسم فهذا ليس شرطاً أصلاً، ولذلك ذكرنا كلمات اللغوين وكلمات خصوص من ألّف في تفسير مفردات القرآن أو مفردات الأحاديث مثل صاحب مجمع البحرين، وغيره واستفدنا بالتأمل فيه أن اللبس هو الستر.
فبناءً على فهم خادمكم لمعنى اللبس، يتحقق لبس الحرير لأن الذهب يصدق عليه أنه يُلبس فهو يستر العيب كعدم الجمال في جسم الإنسان أو ثوبه، ولذلك سمى هاهنا الحديث الذهب لبساً، ولم يشترط صاحب العروة (رض) أن يكون محيطاً بالجسم أو ببعضه، لم يشترط أصلاً.
لكن قد يشتبه على الإنسان نفس المستور، فقد يكون المستور القبح وقد يكون شيء آخر ونحو ذلك، ولكن أصل الحكم الذي ذكره صاحب العروة لم أجد أحداً استشكل فيه، بل كلهم قالوا بعدم الجواز، ولكن مع هذا فإنهم لم يذكروا كيف يتحقق معنى اللبس في جميع صوره، نعم، هذه الفتوى مصداق لما فهمه الأصحاب (رض) من اللبس، لا أنها تمام المصاديق؛ لأن صاحب العروة لم يشترط أن يكون اللباس محيطاً بالجسم ومع ذلك حكم بالحرمة وحكم بعدم صحة الصلاة.
ثم دخل صاحب العروة (رض) في مسألة أخرى وهي أنه إذا لبس الحرير وكان مضطراً إليه حينئذٍ يُحكم بصحة الصلاة، في هذه المسألة عدة صور، نذكر من العروة بعض الفروع في خدمتكم اليوم:
قال بعض الأجلاء ومنهم السيد حكيم الفقهاء (رض) أن دليل مانعية الصلاة منصرفة إلى اللبس المحرم، فإذا كان اللبس جائزاً لأجل أنه مضطر، أو أن مرضه يتطلب ذلك، أو سبب آخر من الأسباب كالحرب يبقى لابساً فيها الحرير فحينئذٍ تصح الصلاة، وقالوا أيضاً إن هذا المعنى منصرفٌ إلى المحرم، فإذا جاز هذا حُكم بصحة اللبس وإن لم يجز فلا يكون ذلك.
هذا الاستدلال في نظر خادمكم غير واضح وإن أصر عليه جملة من الفقهاء كما أشار إليه السيد حكيم الفقهاء، والسر في ذلك أن دعوى الانصراف غير واضحة؛ لأن معنى الكلمة يؤخذ من علماء اللغة ولا يؤخذ من العرف، ولكن الانصراف أنه هذا مصداق وغيره ليس مصداقاً، هذا يؤخذ من العرف، والعرف أيضاً ينقسم ربما يكون متعارفاً لدى بعض دون بعض وحينئذٍ لابد أن ينظر الفقيه إلى الحكم بأنه يمكنه تفصيله أو لا.
كيفما كان إن الانصراف انما يؤخذ من العرف وليس من أهل اللغة، هذا المعنى عرضت في خدمتكم في موارد مختلفة، وهنا دعوى بأن دليل المانعية منصرف يعني بالعرف، وهذا الانصراف لا معنى له؛ لأن المسألة ليست من مسائل العرف حتى يقال أنه منصرف إلى خصوص المحرم ، أما إذا كان مضطراً ف ليس كذلك.
هذا ليس من المصاديق التي تؤخذ من العرف إنما هو منحصر في فهم الفقهاء.
فدعوى الانصراف جداً غير واضحة عند خادمكم.
هناك جانب آخر في كلامه أن هناك روايات تمنع من لبس الحرير ولكنها ليست بخصوصها راجعة إلى الحرمة، وهذه الروايات أعرضها في خدمتكم جميعاً لنتأمل بها إن شاء الله تعالى.
الرواية الأولى من الباب الحادي عشر من أبواب لباس المصلي:
عن إسماعيل بن سعد الأحوص، قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع) هل يُصلي الرجل في ثوب إبريسم، فقال: لا.
فهل هذا سؤال عن حرمة لبس الحرير؟ كيف يدعي، بأنه سؤال عن الحكم الشرعي وليس عن مصداق حكم شرعي!
وكذلك الرواية الثانية من نفس الباب:
محمد بن عبد الجبار قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب (عليه السلام): لا تحل الصلاة في حرير محض.
فهل هذا معناه لبس الحرير محرم أو ليس محرماً؟ أم سؤال عن الصلاة فيه؟
ومنها: الرواية الخامسة من نفس هذا الباب:
إن رسول الله (ص) قال: لعلي (ع) اني أحب لك ما احب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي فلا تتختم بخاتم ذهب ـ إلى أن قال ـ ولا تلبس حرير فيحرق الله جلدك يوم تلقاه.
وهذه دالة على الحرمة وأن الحرمة مستفادة عدم جواز في الصلاة، لا أن عدم الجواز مستفاد من الحرمة.
ومنها: الرواية السادسة من نفس هذا الباب، يقول صاحب الوسائل: وردت الأخبار بالنهي، والمحقق ذكر مصادر هذه الروايات الدالة على النهي عن لبس الديباج والحرير والإبريسم المحض والصلاة للرجال، ولكن ليس فيه دلالة على أن ذلك محرم.
ومنها: الرواية السابعة من نفس الباب:
عن أبي الحسن، قال: سألت الرضا (ع) هل يصلي الرجل في ثوب إبريسم؟ قال: لا.
وهل هذا النص يدل على أن لبس الحرير لبس محرم؟
أو مثل ما هو مرتكز في أذهان الطلبة بل عوام الناس أيضاً أنه نجس لا تصح الصلاة فيه كغير المذكى مثلاً، فهل يحكم بأنه حرام لبسه؟
فمثلاً الرواية التي عدة مرات تكلمنا عنها رواية ابن بُكير ذكرت أن الصلاة في وبر كل شيء حرام أكله فالصلاة في وبر وشعر وبول وروثه وكل شيء منه فاسد لا تقبل الصلاة، فهذه الرواية ربطت بين حكمين، بين صحة الصلاة وعدمها وبين حرمة الأكل وحرمته، لا تقبل تلك حتى يصلى في غيره مما أحل الله أكله.
في هذه الرواية ما فهمه الفقهاء صحيح، لكنه هناك مزج بين أمرين، بين الحرمة من حيث الحكم التكليفي وبين عدم صحة الصلاة من حيث الحكم الوضعي، وأما إذا كان غير مذكى مثل الميتة فهل يحكم بحرمة اللبس إذا كان نجساً هل يحكم بحرمة اللبس؟
لا ملازمة أبداً، لا ملازمة بين بطلان الصلاة وبين الحرمة وإنما كل منهما حكم مستقل، بطلان الصلاة والمانعية عن الصلاة حكم وضعي، وحرمة اللبس حكم تكليفي.
ثم إن بعض الفقهاء منهم السيد الحكيم (رض) نقل اتفاق العلماء هذا وإلا لو رفعنا اليد عن اتفاق العلماء على هذه الملازمة بين الحرمة وبين الانصراف إلى خصوص المحرم فكل منهما مطلق ويثبت الحكم، ونظر إلى أدلة تدل على رفع الحكم.
ارجو الدقة من الأجلاء الله تعالى يحفظهم جميعا، الرفع والوضع يتحقق في الأمور المعنوية، مثلاً رفع يقال: إن الحرمة رفعت أو الوجوب رفع، وأما العمل الخارجي لا يقال له وضع ورفع، فلا يقال وضع العقاب أو رفع العقاب، رفعه يعني من حيث الاستحقاق من الجانب المعنوي، وهذا يساعدكم في فهم معنى حديث الرفع وأمثاله، وكذلك في الأحاديث الدقيقة التي وردت في تعبيرات الأئمة (ع) الوضع والرفع إنما يكون في الأمر المعنوي فعليه ما استدل به حكيم الفقهاء (رض) جداً غير واضح.
فقد اعتبر (رض) الوضع والرفع بمعنى أمر فعل الخارجي، هكذا فهم هذا (رض). ورفع الحرمة أمر معنوي ليس خارجي، وأما نفس الاستحقاق ونفس الحرمة فهو أمر معنوي فالحرمة ترتفع لا أنه عقاب ويقال له رفع.
نعم، في مقام الاستعمالات الخارجية غير الدقيقة هناك خلط يحدث بين الأمر المعنوي وبين الأمر الخارجي، فيقول فلان رفع العمامة، وهو من عدم الدقة في الاستعمال وإلا معناه مقابله رفع والوضع هو عبارة عن عمل معنوي أصلاً، ، فعلى هذا المعنى وما ورد في الروايات من أنه يرتفع وفهم منه الأعلام ومنهم حكيم الفقهاء (رض) أن المقصود بالوضع والرفع الأمر الخارجي جداً غير واضح.