« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الفقه

47/03/15

بسم الله الرحمن الرحيم

 وجوب متابعة الامامفصل في أحكام الجماعة/ فصل في أحكام الجماعة/صلاة الجماعة

 

الموضوع: صلاة الجماعة/ فصل في أحكام الجماعة/ وجوب متابعة الامام

فصل في أحكام الجماعة

 

(مسالة ٢٣): المأموم المسبوق بركعة يجب عليه التشهد في الثانية منه الثالثة للإمام (1)، فيتخلف عن الإمام ويتشهد ثم يلحقه في القيام أو في الركوع (2) إذا لم يمهله للتسبيحات، فيأتي بها ويكتفي بالمرة، ويلحقه في الركوع أو السجود وكذا يجب عليه التخلف عنه في كل فعل وجب عليه دون الإمام من ركوع أو سجود أو نحوهما فيفعله، ثم يلحقه إلا ما عرفت من القراءة في الأوليين [1]

 

2- ذهب المشهور الى جواز التحاق المسبوق بالامام في القيام وفي الركوع، والمراد به الجواز الوضعي بمعنى صحة الجماعة

وقلنا يحتمل أن يكون دليلهم على هذا الإطلاق بالتقريب الذي ذكرناه في صحيح ابن الحجاج

واستشكل السيد الخوئي (قده) في ذلك وقال بأنّه لا يمكن الالتزام بالجواز الوضعي وتصحيح الجماعة اذا تخلف ولم يلتحق به في القيام، فان كان قد التحق به في القيام فهذا المقدار من التخلف لا اشكال فيه والدليل على تصحيح الجماعة معه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، بينما لو التحق به في الركوع فهذا المقدار من التخلف لا دليل على تصحيح الجماعة معه ومقتضى أدلّة وجوب المتابعة الحكم ببطلان هذه الجماعة، فهو تخلف عمدي وإن كان معذوراً فيه، والتخلف العمدي يرفع الحكم التكليفي فلا إثم عليه لكنّه يوجب بطلان الجماعة

وذكر أنّ الذي يكشف عن ذلك رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله فقد ورد فيها ((في الثانية لك والثالثة للامام جلست حتى تعتدل الصفوف قياما))، وقال هذه الرواية جعلت الغاية اعتدال الصفوف قياماً فلا يجوز الالتحاق في الركوع الخارج عن هذه الغاية

وذكرنا ملاحظات على الموثقة

وقلنا إنّه لا يرى وثاقة بنان، ولكن يبدو أنّه يوثق بنان استناداً الى وروده في كامل الزيارات وقد عدل عن المبنى بعد ذلك، فالظاهر إنّه عبر عنها بالموثقة قبل عدوله عن هذا المبنى

والتعبير عنها بالموثقة لعله من جهة أبان بن عثمان فقد عُبّر عنه بالفطحي والناووسي وقد ناقش في ذلك، ولعله تراجع عن ذلك فيما بعد أو إنّه كان مبنى سابق له

ونحن نرى أنّ الرواية تامة وانه يمكن الاعتماد على بنان، فالرواية تامة

والمهم أن نلاحظ التعبير في الرواية حيث تقول ((جلست في الثانية لك والثالثة له حتى تعتدل الصفوف قياما))

فيستفاد منها وجوب الجلوس، ولا معنى لوجوب الجلوس الا من جهة التشهد

ولا اشكال أنّه يفهم من العبارة عدم جواز ترك الجلوس قبل تحقق الغاية باعتدال الصفوف، فهي تدل على عدم جواز الالتحاق بالامام قبل اعتدال الصفوف قياماً

وهذا المعنى لا يمكن الالتزام به، فالمفهوم من الروايات أنّ المناط هو الالتحاق بالامام، فاذا قام الامام جاز الالتحاق به بلا اشكال وإن لم تعتدل الصفوف قياماً، فلا دخل لإعتدال الصفوف قياماً في محلّ الكلام

بينما بناء على هذا الكلام تدلّ الرواية على عدم جواز الالتحاق بالامام قبل أن تعتدل الصفوف قياماً، وهذا لا يلتزم به أحد

ومن جهة أخرى إنّ مقتضى التعبير بالغاية انتفاء الحكم بتحققها، فيكون مفاد العبارة وجوب الجلوس الى أن تعتدل الصفوف قياماً فيجوز الالتحاق بالامام، فتدل على جواز الالتحاق بالامام في حال اعتدال الصفوف

والسؤال انه هل تدل الرواية بهذا التعبير على عدم جواز الالتحاق بعد ذلك أي في حال الركوع -كما يريد السيد الخوئي (قده) إثباته- باعتباره خارجاً عن الغاية؟

ولكن الغاية لا تدلّ على تحديد الحكم بفترة حصول الغاية فقط، وإنّما هي تدل على انتفاء الحكم بتحقق الغاية مطلقاً في فترة حصول الغاية وبعد ذلك، فيثبت جواز الالتحاق عند تحقق القيام كما يثبت بعده أي عند الركوع

كما لو قال اجلس في المسجد حتى تطلع الشمس فلا اشكال في إنّها تدل على المنع من القيام قبل طلوع الشمس وتدل على جواز ترك الجلوس والقيام عند طلوع الشمس، ولكن هل تدل على جواز القيام بعد انقضاء طلوع الشمس؟

الحق إنّ فهم ما ذكره (قده) غير واضح، لان التقييد بالغاية يفيد انتفاء الحكم لوجوب الجلوس عند تحقق الغاية واما تحديد الانتفاء بان يكون وقت تحقق الغاية دون ما بعده فلا يستفاد منها

وبعبارة اخرى إنّ الغرض من هذه الجملة هو إلزام المكلف بالجلوس قبل تحقق الغاية وعدم جواز تركه قبل ذلك، فهي بصدد المنع من القيام قبل تحقق الغاية وليست بصدد المنع منه بعد تحقق الغاية

ويضاف الى هذا ما ذكرناه من أنّ المراد بالقيام هو قيام الامام، فالظاهر أنّه لا اشكال فقهياً في أنّه يجوز للمأموم أن يقوم ويلتحق بالامام اذا كان في حال القيام ولا يتوقف ذلك على اعتدال الصفوف قياماً

ثم ذكر (قده) أنّ صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج تؤيد هذه الرواية باعتبار أنّها قيّدت اللبث بأن يكون قليلاً وهو ظاهر بعدم جواز اللبث الكثير والالتحاق به في الركوع

ولكننا نفهم من الرواية أنّها تنهى عن اللبث أكثر مما يستغرقه التشهد ولذا قالت ((بقدر ما يتشهد)) أي لا يلبث أكثر مما يتشهد

وعلى كل حال فالروايات المعتبرة تدل على أنّ التخلف عن الامام لعذر في الركوع لا يضر في صلاة الجماعة ويجب عليه أن يلتحق به في السجود

كما في معتبرة عبد الرحمن (سواء كان ابن الحجاج و ابن ابي عبد الله البصري فكل منهما ثقة) عن أبي الحسن ( عليه السلام ) ، قال : سألته عن الرجل يصلّي مع إمام يقتدي به ، فركع الإِمام وسها الرجل وهو خلفه فلم يركع حتى رفع الإِمام رأسه وانحطّ للسجود ، أيركع ثمّ يلحق بالإِمام والقوم في سجودهم ؟ أم كيف يصنع ؟ قال : ((يركع ثمّ ينحطّ ويتمّ صلاته معهم ، ولا شيء عليه)) [2]

والسهو عذر من الأعذار، والعذر في محل الكلام عذر شرعي لأنّه مأمور بالتشهد فاذا ألغينا خصوصية السهو وقلنا بالتعدي لكل عذر يمكن الالتزام بها في محلّ الكلام

وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ، عن أبي الحسن (عليه‌السلام) ، في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الإمام ألجأه الناس إلى جدار أو اسطوانة فلم يقدر على أن يركع ، ولا يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم ، أيركع ثم يسجد ويلحق بالصف وقد قام القوم ، أم كيف يصنع؟ قال : ((يركع ويسجد ثم يقوم في الصف لا بأس بذلك)) [3]

فهي تدلّ على صحة الجماعة وأنّ هذا المقدار من التخلف لا يضرّ، ولكنّها مخصوصة بصلاة الجمعة

وصحيحة ابن الحجاج الاخرى قال : سألت أبا عبدالله (عليه‌السلام) عن الرجل يكون في المسجد إما في يوم الجمعة وإما في غير ذلك من الأيام ، فيزحمه الناس إما إلى حائط وإما إلى اسطوانة ، فلا يقدر على أن يركع ولا يسجد حتى رفع الناس رؤوسهم ، فهل يجوز له أن يركع ويسجد وحده ثم يستوي مع الناس في الصف؟ فقال : ((نعم ، لا بأس بذلك)) [4]

والأعذار في هذه الروايات مختلفة فيمكن إلغاء هذه الخصوصيات والتعدي الى مطلق العذر، فاذا كان التخلف عن عذر لا يمنع من الالتحاق بالجماعة كما في محلّ الكلام


logo