« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الفقه

46/11/23

بسم الله الرحمن الرحيم

 وجوب متابعة الامامفصل في أحكام الجماعة/ فصل في أحكام الجماعة/صلاة الجماعة

 

الموضوع: صلاة الجماعة/ فصل في أحكام الجماعة/ وجوب متابعة الامام

فصل في أحكام الجماعة

 

(مسألة 19): إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية تحمل عنه القراءة فيها، ووجب عليه القراءة في ثالثة الإمام الثانية له (1) ويتابعه في القنوت في الأولى منه (2)، وفي التشهد (3)، والأحوط التجافي فيه (4)كما أن الأحوط التسبيح عوض التشهد وإن كان الأقوى جواز التشهد، بل استحبابه أيضا، وإذا أمهله الإمام في الثانية له للفاتحة والسورة والقنوت أتى بها، وإن لم يمهله ترك القنوت وإن لم يمهله للسورة تركها، وإن لم يمهله لإتمام الفاتحة أيضا فالحال كالمسألة المتقدمة من أنه يتمها ويلحق الإمام في السجدة أو ينوي الانفراد أو يقطعها ويركع مع الإمام ويتم الصلاة ويعيدها[1]

 

4- تبين مما تقدم أنّ هناك روايتين صحيحتين ظاهرتين في وجوب التجافي، ومع ذلك ذهب الأكثر الى الندب والاستحباب وذكرنا وجهين لتوجيه هذا وناقشنا الوجه الأول

وانتهى الكلام الى الوجه الثاني وهو دعوى وجود ما يدلّ على عدم الوجوب فيكون معارضاً للصحيحتين ومقتضى الجمع العرفي بينهما حمل الأمر في الصحيحتين على الندب، والمعارض هو موثّقة الحسين بن المختار وداود بن الحصين المتقدمة (حيث تضمّنت الأمر بالتشهّد في جميع الركعات الثلاث من صلاة المغرب بسياق واحد ونهج فأرد.
و من الواضح أنّ كيفية التشهّد في الأخيرتين اللتين هما ثانية المأموم وثالثته إنّما هي على نحو الجلوس من غير تجاف، فكذا في الركعة الأُولى التي هي ثانية الإمام، بمقتضى اتّحاد السياق. فيظهر منها عدم اعتبار التجافي فيها أيضاً، وأنّ الكلّ بنسق واحد)[2]

وفيه إنّ تقييد التشهد في الركعة الأولى بأن يكون مع التجافي دون التشهد في الركعتين الثانية والثالثة للمأموم ليس فيه مخالفة لظهور لأنّ رفع اليد عن الظهور في جملة لقيام قرينة على عدم إمكان الأخذ بهذا الظهور لا يوجب رفع اليد عن الظهور في جملة أخرى خالية من هذه القرينة، بل القاعدة تقتضي إبقاء الجملة الأخرى على ظهورها

وهذا واضح جداً في الجمل المستقلة موضوعاً ومحمولاً أي التي يذكر فيها الموضوع والمحمول من قبيل أن يقول (اغتسل للجمعة واغتسل للجنابة) فلو قامت القرينة على عدم إمكان الالتزام بوجوب الغسل للجمعة فهذا لا يكون موجباً لرفع اليد عن ظهور الجملة الثانية في الوجوب

وقد منع نفس السيد الخوئي (قده) من هذا التطبيق في جملة من الموارد كما في موثقة أبي بصير قال : سمعت أبا عبدالله عليه‌السلام يقول : ((الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم))[3] قالوا (لا بدّ من حمل نقض الوضوء بالكذب على النقض بالعناية بإرادة نقض مرتبة الكمال حيث إنّ الشخص المتطهّر لا ينبغي له أن يكذب على اللَّه ورسوله، لأنّه لا يلائم روحانيّته الحاصلة من الوضوء فبقرينة اتّحاد السياق تحمل ناقضيّته للصوم على ذلك أيضاً، أي على إرادة مرتبة الكمال لا الحقيقة كي يفسد به الصوم) [4]
وناقشهم السيد الخوئي (قده) وقال: (إنّ رفع اليد عن الظهور في جملةٍ لقرينة لا يستوجب رفع اليد عن الظهور في جملةٍ أُخرى على ما أوضحناه في الأُصول‌ ولأجله أنكرنا قرينيّة اتّحاد السياق، فإنّ ناقضيّة الكذب للوضوء إذا حُمِلت على الكمال لقرينة خارجيّة لا توجب صرف المفطريّة للصوم عن الحقيقة إلى الكمال أيضاً، بل لا بدّ من حمله في الصوم على الإفطار الحقيقي) [5]

وقد مر علينا قريباً صحيحة زرارة ((لا تقرأنّ شيئاً في الأوّلتين ، وأنصت لقراءته ، ولا تقرأنّ شيئاً في الأخيرتين)) وقيل إنّ النهي عن القراءة في الأخيرتين نهي تنزيهي لما دلّ على جواز القراءة في الركعتين الأخيرتين، وبوحدة السياق لا بد أن يكون النهي عن القراءة في الأولتين نهياً تنزيهياً

وذكر السيد الخوئي (قده) (إنّ الصحيحة تضمّنت حكمين لموضوعين في جملتين مستقلّتين، غاية الأمر أنّهما اجتمعا في كلام واحد، فأيّ مانع من إرادة الحرمة في إحداهما والكراهة في الأُخرى بعد تغاير الجملتين موضوعاً وحكماً. ومجرّد الاجتماع في كلام واحد لا يستوجب الاتّحاد في الحكم. وحديث السياق لو سلّم فمورده ما إذا كان هناك حكم واحد لموضوعين في جملة واحدة مثل قوله: اغتسل للجمعة والجنابة) [6] [7] ، ومراده أن يذكر الحكم في الدليل مرة واحدة لا أن يتكرر ذكره

وما نحن فيه من هذا القبيل لأنّ الجمل في موثقة الحسين بن المختار مستقلة موضوعاً ومحمولاً،

ومنه يظهر أنّه لا يمكن الأخذ بقرينة السياق في المقام لمنع حمل التشهد في الرواية في الركعة الاولى على أنّه تشهد مع القعود العادي وأنّه لا بد أن يكون من دون تجافي، فلو دلّ دليل على أنّه لا بد أن يكون في الركعة الأولى مع التجافي نلتزم بذلك

ومن هنا يتبين أنّه لا يوجد دليل واضح يكون معارضاً للصحيحتين يضطرنا الى حمل الأمر فيهما على الندب حتى تتم فتوى المشهور

نعم، بناء على ما تقدم من أنّ التجافي ليس من أنواع القعود وإنّما هو مباين للقعود فهو مفسّر في الرواية بعدم التمكن من الأرض، وقالوا بأنّ المراد من القعود المأمور به حال التشهد في الروايات القعود المتعارف أي مع التمكن من الأرض، فيكون التجافي في الروايات مباين للقعود وليس نوعاً من أنواعه

وحينئذ يقال بأنّ المراد من القعود في رواية إسحاق بن يزيد قال : قلت لأبي عبدالله ( عليه السلام ) : جعلت فداك ، يسبقني الإِمام بالركعة فتكون لي واحدة وله ثنتان ، فأتشهّد كلّما قعدت ؟ قال : ((نعم ، فإنّما التشهّد بركة)) [8] القعود العادي اي التمكن من الارض فتكون دالة على عدم وجوب التجافي في حال التشهد

وكذا رواية علي بن جعفر ، عن أخيه موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، قال : سألته عن الرجل يدرك الركعة من المغرب ، كيف يصنع حين يقوم يقضي ؟ أيقعد في الثانية والثالثة ؟ قال : ((يقعد فيهنّ جميعاً)) أي يقعد حتى في الركعة الاولى مع ظهور يقعد في أنه يتمكن من الارض، فهاتان الروايتان تعارضان الصحيحتين، ومقتضى الجمع العرفي بينهما هو حمل الأمر في الصحيحتين على الندب

أقول الى هذا الوجه يرجع ما ذكره المحقق الهمداني من أنّ حمل الأمر في الصحيحتين على الندب أقرب من رفع اليد عمّا هو المنساق من سائر الروايات من إرادة الجلوس على النحو المعهود المتعارف في الجلوس للتشهد

وأجيب عنه بأنّ ظهور الأخبار الآمرة بالقعود في المتعارف ليس الّا من باب الغلبة وهي لا توجب انصرافاً بل يبقى الدليل على إطلاقه فتبقى الأدلة التي ذكر فيها الجلوس حال التشهد مطلقة تشمل حالة التشهد مع التجافي، والصحيحتان من قبيل المقيّد فيجب حمل هذه الأخبار على القعود متجافياً

وفيه إنّ هذا الوجه مبني على أنّ القعود والتجافي مفهومان متباينان فلا مجال للتقييد لأنّ الأخبار الآمرة بالقعود ليست مطلقة حتى تكون قابلة للتقييد بالصحيحتين وإنّما هي مختصة بالقعود مع التمكن أي من دون تجافي

هذا كله لو تمت هذه الأدلة، ولكنّها غير تامة سنداً

أمّا رواية اسحاق فلوجود سهل بن زياد في سندها وأمّا رواية علي بن جعفر فلوجود عبد الله بن الحسن فلم تثبت وثاقته

فتسلم الصحيحتان عن المعارض وهما دالتان على وجوب التجافي

ولكنّ ذهاب الأكثر الى عدم وجوب التجافي كما صرّح به جماعة يكون مانعاً من الالتزام بوجوب التجافي ولذا يكون التجافي أحوط وجوباً


logo