< قائمة الدروس

بحث الأصول

الأستاذ الشیخ ناجي طالب

37/03/27

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع : إستصحاب الشرائع السابقة
إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
قلنا أمس إنه قد يتوهّم بعضُ الناس أنّ الصيام عن الكلام كان جائزاً عندهم بدليل قوله تعالى في قصّة زكريّاt [ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا( 10 )] [1]
أقول : ها غير ثابت، وذلك لعدم علمنا بأنه كان شرعاً، وإنما كان اعتقالاً للسان من غير خرس، والظاهر أنه تفرّغ للذكر والشكر ثلاثة أيام بلياليهن على ما قاله المفسّرون ..
إذن فلم يكن هذا (الصيام عن الكلام) تشريعاً كي يُستصحَب .
وأيضاً قلنا أمس بأنه قال بعض الناس[2] ـ من غير تحقيق ـ بأنّ الإسلام قد نسخ الأديانَ السابقة فقد قالw ( لا رهبانية في الإسلام ) وقالw ( لا صرورة في الإسلام ) وقالw (لا إخصاء في الإسلام )(إنتهى) من غير أن يعلم المراد من المذكورات، فأقول : أمّا الرهبانيّة فقد عرفت قبل أسطر المرادَ منها .
وأمّا قولهw ( لا صرورة في الإسلام ) فقد قالوا إن معناه (لا يبقَ أحدٌ في الإسلام بلا حج ولا يحل لمستطيعٍ ترْكُه) على أساس أنّ المراد من الصرورة هو الذي صَرَّ بنفسه عن إخراجها في الحج، كأنه وضع نفسه في الصرّة أي في الكيس، وإنما المطلوب أن ينوي المسلمُ أن يحجّ فور استطاعته، وإنه لا يصدق عليه ـ عند أهل الباطن ـ أنه صرورة إذا كان منتظِراً للإستطاعة، وإنما يكون عند الله حاجّاً إذا كان ناوياً للحجّ بحيث لو مات لكُتِبَ عند الله حاجّاً وله أجر الحاجّ لأنه كان ناوياً الحجّ، ولذلك لا يوجد في اللوح المحفوظ (صرورة)، وإن كان صرورة ظاهراً، لذلك ( لا صرورة في الإسلام ).أقول : يصعب الجزم بأنّ الحجّ لم يكن واجباً من أيّام خليل الله ابراهيمt . وقيل أيضاً إنّ معنى ( لا صرورة في الإسلام ) هو لا عزوبيّة في الإسلام، فإنه يقال لمن لم يتزوج (صرورة) لأنه صَرَّ بنفسه عن إخراجها في النكاح .. على أنّ هذه رواية عامّيّة مرسلة روَوها عن أبي داود عن ابن عبّاس .
وأمّا قولهw ( لا إخصاء في الإسلام ) فمعناه أنه لا يجوز الإخصاء في الإسلام فإنه ظلم عظيم، فقد كانوا يخصون العبيدَ قبل الإسلام كثيراً، ولكنها لم تكن شريعة إلهيّة، وإنما كانت عادةً جاهليّةً لا غير .
وأمّا قولهw ( لا جَلَبَ ولا جنب ولا شغار في الإسلام ) فقد رووا عن ابن عباس وأخرجه أبو يعلى بإسناد صحيح عندهم باللفظ التالي ( ليس مِنّا من أجلب على الخيل يوم الرهان، قالوا وفي إسناده أبو شيبة وهو ضعيف، والمراد بالجلب في الرهان أن يُؤتَى برجل يجلب على فرسه أي يصيح عليه يستحثه بالإزعاج حتى يسبق، والجنب أن يجنب فرساً إلى فرسه حتى إذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب . إذن هذه ليست أحكاماً شرعيّة، وإنما هي عادات جاهليّة لا غير .
وأمّا قولهw ( لا شغار في الإسلام ) فمعناه أنّ نكاح الشغار باطل، وهو أن تـتـزوج امرأتان برجلين على أن يكون مهر كل واحدة نكاحَ الأخرى .قال الجوهري : (والشغار نكاحٌ كان في الجاهلية، وهو أن يقول الرجل لآخر : زوِّجْني ابنتَك أو أختَك على أن أزوِّجَك أختي أو ابنتي، وعلى اَن صداقَ كل واحدة منهما بضعُ الأخرى، كأنهما رَفَعا المهرَ وأخليا البضعَ عنه)(إنتهى)، فهذا لم يثبت أنه كان شرعاً في السابق، بل يبعد هذا جداً، لأنه ظلم لكلّ واحدة من الزوجتين، وإنما كان عادةً جاهليّة، فحرّمه الإسلامُ .
وأمّا ما رواه العامّة بإسنادهم عن عصمة عن رسول اللهw أنه قال :(لا حمى في الإسلام) فإن المراد بالحمى فيه هو اعتبار مرعى ومرتع مختصّاً بشخص أو قبيلة، فيمنع الغيرَ من الرعي فيه، وهذا كان موجوداً في الجاهليّة، لا أنه كان حكماً شرعيّاً في الشرائع السابقة .
وقد رَوَتِ العامّةُ عن النبيّw أنه قال : (لا صمات يوم إلى الليل )[3] والمعنى هو حرمة صوم الصمت في شرعنا، وروى أصحابُنا أنّ النبيّw نَهَى عن صوم الصمت، وقد أجمع أصحابنا على ذلك، ولم يثبت وجودُ صوم الصمت في الشرائع السابقة لتُستصحَبَ شرعيّتُه .
وأمّا قولهw ( لا نجش فى الإسلام ) فالمراد من النجش هو الفعل الذي تحصل به الزيادة في المثمن لا نفس الزيادة، أي أن النجش هو الزيادة في السلعة ممن لا يريد شراءها، وعادةً ما يكون بمواطأة البائع مع شخص على ذلك لإيقاع غيره في زيادة الثمن، وهو غش وخداع . فالنجش إذن هو الزيادة في قيمة السلعة بلا قصد الشراء وإنما ليُرَغِّبَ إليها المشتري . وهذا أمر متداول بين العقلاء وشيء جائز عندهم لا في الشرائع السماويّة لأنه كذب محض وتضليل، فنفى الشارعُ المقدّس شرعيّته وحَكَمَ بأنّه غير ثابت في دين الله، فلا يدخل في بحث استصحاب الشرائع السابقة .
نرجع إلى ما كُـنّا فيه فنقول : أوهمَتْ الآيات والرواياتُ السالفة الذكرِ بعضَ الناس بأنّ الإسلام نَسَخَ ما قبله حتى اشتهر على ألسنة الناس، من غير دليل ولا أساس، وإلاّ فلا دليل على أنّ المؤمنين من الرهبان في زمان نبيّ الله عيسى ومِن بَعدِ زمانِه كانوا يتركون التزوّج أو يلبسون المسوح أو يتركون أكل اللحم أو يتركون العمل اللازم لمعاشهم ومعاش عيالهم ... وبكلمة اُخرى لا دليل على أنّ الزواج كان في الشرائع السابقة مرجوحاً أو أنّ صلاتهم كانت غير صلاتنا، أو صيامهم غير صيامنا، أو حجّهم، أو خمسهم ...
وما أريد أن أقوله هو أنك إن لاحظْت كلّ ما ورد في كتاب الله تعالى في أحاديثه عن شرائع السابقين ترى أنه لا دليل على وجود اختلاف فيها عن شريعتنا حتى بمقدار شعرة، اُنظر مثلاً قولَ اللهِ تعالى لمريمu [ يَا مَرْيَمُ اقْـنـُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ][4] . نعم نَقَلَ الشيخ المفيد في كتابه (الإختصاص ص 42) عن ابن عباس ـ في حديث طويل يذكر فيه ما سأله عبدُ الله بنُ سلام ـ عن النبيّw ـ إلى أن قالw لابن سلام ـ: (وأمّا الخمسة : اَنزَلَ علَيَّ وعلى أمتي خمسَ صلوات لم تنزل على مَن قَبْلي، ولا تُفترض على أمَّة بعدي لأنه لا نبي بعدي )[5] فإنها رواية مرسلة جداً، فنرجعها إلى أهلها، وهذا لا يضرّنا في بحثنا أصلاً، وذلك لوضوح صلاتنا تماماً، فسواء كانت الصلاة عندهم كالصلاة عندنا من جميع الجهات أو لا، فقضيّة الصلاة واضحة عندنا فلا محلّ للإستصحاب فيها .
وكذلك لم يثبت وجود أيّ تغيير في الحجّ الحالي مع الحجّ الوارد في زمان نبيّ الله ابراهيمt كما في قوله تعالى[ وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ] [6]، وورد عن العامّة بطرقهم عن زيد بن أرقم قال قلت أو قالوا : يا رسول الله : ما هذه الأضاحي ؟ قال : ( هي سُنَّةُ أبيكم إبراهيم )[7]، وكما في الكلمات التي نطق بها عيسى بن مريم oعند ولادته قال[ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياًّ ] [8]، وكما في قوله تعالى[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ] [9] .. كلّ هذا يعني أنّ شرائعهم كانت نفس شريعتنا، إلاّ أنهم حرّفوها كما حرّف الفسّاق في زماننا بعض شريعتنا، ولولا الأئمّة المعصومون iوعلماؤنا المجاهدون لما وصلت إلينا شريعة رسول الله صافية نـقيّة، وتلاحظ أيضاً مِن وَحدةِ هذه الآيات مع ما هو في شريعتنا أنّه إذا صار عندنا سيّارات وطيّارات فالعبادات لا تختلف، لاحظ الآيات السابقة تعرف أنهم كان عندهم ـ بالترتيب ـ قنوت وسجود وركوع حتى في صلاة الجماعة، والكعبة المعظّمة كانت لهم مرجَعاً يثوب إليها الناس أي يرجعون إليها بعد ذهابهم عنها مرّةً بعد اُخرى، ويجتمعون فيها بعد التفرّق عنه، يقال (ثاب فلان إلى الله) أي تاب إلى الله وأناب إليه وعاد ورجع إلى طاعته، ويقال أيضاً ثاب الناسُ أي اجتمعوا وجاؤوا، وثابَ الماءُ إذا اجتمع في الحوض، وكان عندهم صلاة وحجّ بما فيه من طواف واعتكاف في المسجد الحرام، وكان عندهم زكاة ووَقْفٌ ...
إضافةً إلى أنّ كلمة [كما] في قوله تعالى[كُتِبَ عليكمُ الصيامُ كما كُتِبَ على الذين مِنْ قَبْلِكُم] لعلها إشارة إلى وحدة ماهيّة الصيام، أي كما كتب نفسُ هذا الصيام على الذين من قبلكم أي من جميع الجهات، من حيث الزمان ومن حيث المتروكات، لا أنّ التشبيه إنما هو في أصل تشريع الصيام فقط، وإلاّ فلو كان المراد التشبيه في أصل التشريع لقال (كتب عليكم صيام كما كتب صيام على الذين من قبلكم) . لكن الظاهر من لام التعريف في قوله [الصيام] هو أنّ المراد هو أنّ المكتوب واحد وهو الصيام المعهود، فأنت حينما تمسك شخصين قد أذنبا نفسَ الذنبِ وعاقبتَ الأوّلَ فإذا قلت للثاني كُتِبَ عليك العقابُ كما كتب على الشخص الأوّل، فإنّ كلّ الناس يفهمون أنك ستعاقبه كما عاقبت الأوّل تماماً أي من جميع الجهات .
وعلى أيّ حال ففي قضيّة الحجّ أيضاً لا محلّ للبحث هنا، وذلك لوضوح مناسك الحجّ عندنا، ونحن لا نستصحب من الشرائع السابقة في قضيّة الحجّ شيئاً .
وفي البحار ج 4 ص 91 ( فأمّا الثلاثة والعشرون فقد أنزل المائدةَ فيه من شهر الصيام على عيسىt ) ولعلّه لذلك لا يكره السفر عندنا بعد مضيّ ثلاثة وعشرين يوماً من شهر رمضان.
والتذكية أمر ثابت في كل شريعة من لدن آدم، كما نص عليه في بعض أسفار التوراة فيما يخبر عن خطابه سبحانه مع نوح النبي على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام[10].
ومنها اَن يُجعل مع الميت المؤمن جريدتان ـ تثنية الجريدة وهي عود النخل بعد أن يجرد عن الخوص ـ وقَبْلَه يُسَمَّى سِعَفاً . قال الشيخ الأنصاري (واستحبابُه ثابتٌ بالإجماع المحقق والأخبار المتواترة لحكاية الإجماع . والأصلُ فيه ـ على ما في المقنعة ـ اَنّه حينما أهبط اللهُ تعالى آدمَ إلى الأرض استوحش، فأراد اللهُ اَنْ يؤنسه بشيء من أشجار الجنة فأنزل إليه النخلةَ، فكان يأنس بها في حياته، فلما حضرته الوفاة قال لولده اِنّي كنت آنَسُ بها في حياتي واَرجو الاُنس بعد وفاتي، فإذا مُتُّ فخذوا منه جَريداً وشُقُّوه نصفين وضعوهما في أكفاني، ففعل ولده ذلك وفعله الأنبياء بعده، ثم اندرس في الجاهلية، فأحياه النبيُّw وفَعَلَهُ فصارت سُنَّةً متَّبَعَة)(إنتهى) [11].
ولذلك فإنه لا دليل على أنّ الإسلام أكمل ما قبله بنسبة عالية، فضلاً عن أن يكون قد نَسَخَ بعض الأحكام السابقة، وأقصى حدّ لك أن تذهب في القول إلى أنّ الناس قديماً كانوا لا يتحمّلون التفصيلات الكثيرة في العبادات والمعاملات فاُعطوا ما يتحمّلونه فقط .
وهناك بعض الأحكام شرّعها الله تعالى لقومٍ لحكمةٍ يَعْرِفُها، كتشريع قبلة اليهود إلى صخرة مسجد الصخرة في القدس، ولعلّ السبب في ذلك هو أنّ الله عزّ وجلّ رأى بحكمته البالغة أنهم سوف ينحرفون في دينهم كثيراً فاقتضى الأمْرُ أن يوجّههم إلى بيت المقدس، لا إلى الكعبة المعظّمة .



[2] منية الطالب في شرح المكاسب : ج 3، ص 386 كالميرزا محمد حسين النائيني المتوفَّى سنة 1355 هـ في كتابه منية الطالب في شرح المكاسب/ تقرير الشيخ موسى بن محمد النجفي الخوانساري المتوفى سنة 1363 هـ‌ الجزء الثالث. ص 386 .

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo