< قائمة الدروس

بحوث خارج الفقه

الأستاذ الشیخ ناجي طالب

35/02/15

بسم الله الرحمن الرحیم

الثامن : قيل بنجاسة الكافر، والصحيح طهارتُه بما فيهم النواصب

أجمع المسلمون على طهارة الإنسان منذ عهد رسول الله (ص) إلى آخر الغيبة الصغرى، وقد كانوا يأخذون الأسرى الكفّار من السند والهند وغيرهم فيخدمونهم ويطبخون لهم ويؤاكلوهم، ويعاشرون النواصب في مكّة أثناء الحجّ ويأكلون مِن عندهم، وقد كان الكثير من الناس أيام الأئمّةi نواصب، وكانوا جميعاً محلّ ابتلاء للمسلمين جداً ... وسيأتي بقية الحديث في إثبات طهارتهم .
ورغم ذلك ادّعى بعضُهم ـ من غير تحقيق ـ أنه قد اشتهر القول عند أصحابنا الإمامية بنجاسة الكافر بجميع أنواعه، قال صاحب الحدائق : ( وقد حكى جماعةٌ الإجماعَ على نجاسة الكافر بجميع أنواعه )، وقال غيرُه مثلَه، ودعوى الإجماع هي العمدة في القول بنجاسة الكافر والناصب والمشرك والخارجي ...
وسترى أن أدلّتهم النقلية محلّ نظر وتأمل واضح .
على أيّ حال فلا بدّ من ذكر أدلّة النجاسة أوّلاً
أقول :
قال الله تعالى[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ][1].
قال السيد المرتضى في الإنتصار ص 89 : (ومما انفردت به الإمامية : القول بنجاسة سؤر اليهودي والنصراني[2]وكل كافر وخالف جميع الفقهاء في ذلك ... ويدل على صحة ذلك مضافاً إلى إجماع الشيعة عليه قوله جل ثناؤه[ إنما المشركون نجس ] . فإذا قيل : لعلَّ المراد به نجاسة الحكم لا نجاسة العين، قلنا : نحمله على الأمرين، لأنه لا مانع من ذلك . وبعدُ، فإنّ حقيقة هذه اللفظة تقتضي نجاسة العَين في الشريعة، وإنما تُحمل على الحكم تشبيهاً ومجازاً، والحقيقةُ اَولى باللفظ من المجاز . فإن قيل : فقد قال الله جل ثناؤه[ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم ] وهو عموم في جميع ما شربوا وعالجوه بأيديهم، قلنا : يجب تخصيص هذا الظاهر بالدلالة على نجاستهم، ونحمل هذه الآية على أن المراد بها طعامُهم الذي هو الحبوب وما يملكونه دون ما هو سؤر أو ما عالجوه بأجسامهم، على أن في طعام أهل الكتاب ما يغلب على الظن أن فيه خمراً أو لحم خنزير فلا بد من إخراجه من هذا الظاهر، وإذا أخرجناه من هذا الظاهر لأجل النجاسة وكان سؤرهم على ما بيَّنَاه نجساً أخرجناه أيضاً من الظاهر)(إنتهى تمام كلامه) .
قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير الآية[3] : (والنهي عن دخول المشركين المسجد الحرام بحسب المتفاهم العرفي يُفيد أمْرَ المؤمنين بمنعهم عن دخول المسجد الحرام، وفي تعليله تعالى منْعَ دخولِهم المسجدَ لكونهم نجساً اعتبارُ نوعٍ من القذارة لهم[4]، كاعتبار نوعٍ من الطهارة والنزاهة للمسجد الحرام، وهي ـ كيف كانت ـ أمرٌ آخر وراء الحكم باجتناب ملاقاتهم بالرطوبة وغير ذلك[5].والمراد بقوله تعالى[عامهم هذا] سنة تسع من الهجرة، وهي السنة التي أذّن فيها عليّt بالبراءة، ومَنَعَ الطوافَ بالبيتِ عرياناً، وحجَّ المشركين البيتَ . وقوله[ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ... ] أي إن خفتم في إجراء هذا الحكم أن ينقطعوا عن الحج وتتعطل أسواقكم فتفتقروا وتعيلوا فلا تخافوا، فسوف يغنيكم الله من فضله ويؤمِنُكم من الفقر الذي تخافون)(إنتهى) .
ومراد العلاّمة هو أنه لا ربط للنجاسة المعنوية ـ المذكورة في الآية ـ بالنجاسة الماديّة، أي أنّ النجاسة الماديّة أمرٌ آخر لا ربط للآية ببيانها، كما لا ربط لحرمة مقاربة المشركين المسجد الحرام بنجاستهم الماديّة، ألا يجوز أن يدخل الشخصُ المتنجس بالدم مثلاً إلى المسجد الحرام ؟!
أقول : ما ذكره العلاّمةُ الطباطبائي صحيح ولا شكّ فيه، إذ لم تتضح إرادةُ معنى النجَس الماديّ من هذه الآية المباركة، بل الظاهر جداً إرادةُ النجَس المعنوي أي النفساني، لا سيّما أنك ستعرف بعد قليل استفاضةَ الروايات الصحيحة السند في طهارة الكتابي وهو مشرك قطعاً، وستعرف أنه لا يصح القول بتخصيص الآية بما عدا الكتابي، فالمرادُ إذَنْ النجاسة المعنوية .
وبتعبيرٍ آخر : أليس اليهود والنصارى مشركين بدليل قوله تعالى[يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الحَقَّ، إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ، فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ، اِنتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ .. ][6] وقولِه تعالى[ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ ..][7] وقوله تعالى [وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ، يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ، قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ][8] وهو أعظم مراتب الشرك، ومع ذلك أجاز اللهُ لنا مؤاكلتَهم من نفس الآنية ممّا يعني أنهم طاهرون ذاتاً .
(إضافةً) إلى استعمال لفظة ( نجَس ) في زمان رسول الله (ص) مرّات في معنى النجس المعنوي كما في أقواله(ص) ( ... فطهّروا نفوسَكم من كل دنس ونجَس ... ) ( ولا يصيبنا نجَسُ الشرك ولا سفاح الكفر ) و ( ونظَّفَ قلبَه من نجاسة الذنوب ) و ( فأزِلْ نجاسةَ ذنوبِك بالتضرّع ... )([9]) وروى أنَس عن النبيّ (ص) أنه نهى عن لحوم الحمر وقال ( إنها نجَس )([10]) .
ولا أقل من الإجمال فيُرجع إلى أصالة الطهارة .



[2] سيأتيك أنه في الكتابي خطأ محض لروايات صحيحة مستفيضة ..
[4] يقصد القذارة المعنوية النفسانية .
[5] أي وهذه النجاسة المعنوية أمرٌ غير النجاسة المادية، فليس النظر بقوله تعالى[ .نجس] النجاسةَ المادية .
[10] رسائل للشريف المرتضى، ج1، ص293 أقول مع أنها طاهرة بالإجماع !! بل ترى السيد المرتضى يدّعي الإجماع دائماً حتى على خلاف الثابت عند الشيعة كنجاسة لحم الأرنب فقال لحمُ الأرنب حرام عند أهل البيت عليهم السلام وقد وردت روايات كثيرة بذلك ولا خلاف بين الشيعة الإمامية فيه، والأرنب .عندهم نجس لا يستباح صوفهإنتهى وهو عجيب وغريب .

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo