< قائمة الدروس

بحوث خارج الفقه

الأستاذ الشیخ ناجي طالب

35/02/06

بسم الله الرحمن الرحیم

مسألة 11 : الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس منجِّسٌ على الأحوط» [1]

ذهب إلى الطهارة الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والشيخ الطوسي في النهاية والقاضي ابن البرّاج وأبو الصلاح تقيّ الدين بن نجم الحلبي والشيخ الفقيه أبو يعلى سلاّر (أو سالار) بن عبد العزيز الديلمي . ويكفي أن نذكر كلام الشيخ الصدوق في المقنع ص33 قال : "وإن وقعت في البئر فأرة أو غيرها من الدّواب، فماتت فعجن من مائها، فلا بأس بأكل ذلك الخبز، إذا أصابته النار، وفي حديث آخر (أكلت النار ما فيه ) وروى عبد الكريم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال في بئر استُقي منها، فتوضّئ به، وغسل به الثياب، وعجن به، ثمّ علم أنّه كان فيها ميتة، أنّه ( لا بأس )، ولا يغسل منه الثوب، ولا تعاد منه الصّلاة <، وفي حديث آخر (أكلت النار ما فيه ) إلى أن قال ص 36 "وإن قطرت في القدر قطرة دم فلا بأس، فإنّ الدم تأكله النار"(إنتهى) .
ولهذا يجب علينا أن نذكر كلّ ما وجدنا من روايات في ذلك، وهي :
1 ـ روى في الكافي عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن محمد بن إسماعيل(بن بزيع ثقة صحيح) عن علي بن النعمان(ثقة ثبت صحيح واضح الطريقة له كتاب) عن سعيد الأعرج(ثقة)([2]) قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن قِدْرٍ فيها جَزُور([3]) وقع فيها قَدَرُ أوقيةٍ من دم أيؤكل ؟ قال : (نعم، فإنّ النارَ تأكلُ الدم )[4] صحيحة السند . وهي الرواية الوحيدة التامّة سنداً ودلالةً، وسائر الروايات مخدوشةٌ إمّا سنداً وإمّا دلالةً .
2 ـ فقد روى عليّ بنُ جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام)قال : سألته عن قِدْرٍ فيها ألف رطل ماء يطبخ فيها لحم، وقع فيها أوقيةُ دم، هل يصلح أكلُه ؟ فقال : ( إذا طُبِخَ فكُلْ، فلا بأس )([5]) مرسلة السند بين الحرّ العاملي وبين كتاب علي بن جعفر، وإنْ كنّا نظنّ قوياً بصحّة النسخة التي كانت موجودة بين يدَي الحرّ العاملي . هذا ولم أفهم معنى معقولاً لقوله "قِدْر فيها ألف رطل ماء يطبخ فيها اللحم" إلاّ كناية عن الكثرة، فهل يوجد ـ إلى عصرنا الحاضر ـ قِدْرٌ للطبخ يسع ألف رطل ماء ما عدا اللحم ؟! أي حوالي 320 ليتراً من الماء ما عدا اللحم ! أي ـ عملياً ـ قِدْر بسعة ثلاثة براميل ليسع الماء واللحم أيضاً !
3 ـ وفي التهذيبين أيضاً بإسناده الصحيح عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن محمد بن أبي عمير عمَّن رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام)في عجين عجن وخبز، ثم علم أن الماء كانت فيه ميتة، قال : ( لا بأس، أكلت النار ما فيه )([6]) مرسلة السند . ونحن وإن كنّا نقول بحجيّة مراسيل ابن أبي عمير إلاّ أننا نقف إن كانت الرواية بهذا الشذوذ .
4 ـ وروى في التهذيب باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن يعقوب بن يزيد عن الحسين ( كما في الكافي وهو مجهول، والحسن في التهذيبين وهو اشتباه ظاهراً لعدم وجوده في الرجال) بن المبارك عن زكريا بن آدم قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذٍ مسكر قطرت في قِدْرٍ فيه لحم كثير ومرق كثير، قال : ( يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، واللحمُ اِغسلْه وكلْه )، قلت : فإنه قطر فيه الدم، قال : ( الدم تأكله النار إن شاء الله )([7]) ضعيفة السند .
5 ـ وروى في التهذيبين بإسناده الصحيح عن محمد بن علي بن محبوب عن موسى بن عمر(بن يزيد مجهول) عن أحمد بن الحسن الميثمي عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن زبير(مهمل) عن جدّه(مجهول) قال : سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البئر يقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فتعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز ؟ قال : ( إذا أصابته النار فلا بأس بأكله )[8] ضعيفة السند جداً، ولم أفهم معنى لهذه الرواية وذلك لعلمنا بأنّ ماء البئر إن لم تتغيّر أوصافه بصفات المَيتة لا ينجس حتماً، على أنّ كلامنا إنما هو عن الدم إذا وقع في المرق، لا عن الفأرة الميّتة .. على أنّ المظنون قويّاً أنّ السؤال إنما هو عن إضرارها لا عن نجاسة ماء البئر، فالروايةُ خارجةٌ عن محلّ كلامنا .
6 ـ وروى في الفقيه فقال : وسُئِل الصادق (عليه السلام) عن فأرةٍ أو غيرها من الدواب وقعت في بئرِ ماءٍ فماتت فعُجِنَ من مائها ؟! فقال : ( لا بأس بأكل ذلك الخبز إذا أصابته النار ) [9]، مرسلة السند، ويحتمل وحدة هذا الحديث مع سابقه .
ـ ثم قال (أي الصدوق في الفقيه) : وقال الصادق (عليه السلام): ( أكلت النار ما فيه)([10]) مرسلة السند أيضاً، وإن كنّا نقول بحجيّة مراسيل الصدوق في الفقيه إذا قال : قال الصادق (عليه السلام)بخلاف ما لو قال : روي عن الصادق (عليه السلام)، ولكنّا لا نفتي بها إن كانت روايةً شاذّة .
7 ـ وفي الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد(بن عيسى) عن الحسن بن محبوب قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص توقد عليه العذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه ؟ فكتب (عليه السلام) إليَّ بخطه : (اِنّ الماء والنار قد طهراه )([11]) صحيحة السند، ودلالتها غير واضحة، إذ لم يُعلم بمماسّة العذرة للجص، خاصّةً مع الظنّ بجفاف الجص عادةً .
نَعَم، جوابُ الإمامِ (عليه السلام) مؤيّدٌ للمطلوب، ممّا يعني أنّ الإمام قال بالطهارة حتى على فرض المماسّة برطوبة، إذ لا يصحّ جوابه (عليه السلام) إلاّ على هذا الفَرْض . لكن يبقى إشكال أنّ كلامنا إنما هو عن الدم إذا غلى في المرق، لا عن الغائط إذا مسّ الجصّ برطوبة .
أقول : إذن ما يدلّ على طهارة ما نحن فيه إنما هي روايةٌ صحيحة واحدة فقط، ويصعب الإفتاء على طبقها، وإن كان يمكن الإفتاء على طبقها مع ما رأيتَ من مؤيّدات، لكننا لا نفتي بذلك لِعِلْمِنا بنجاسة الدم المسفوح (وهو المقابل للدم المتخلّف في الذبيحة) عند جميع المسلمين قاطبةً، ممّا يخلق ارتكازاً عندهم بأنه إذا وقع في قِدْرٍ من هذا الدم شيءٌ فإنه ينجس ـ بعد عدم ثبوت الإنقلاب عندهم بالنار ـ وعليه فهذه الروايات ـ لولا ما ذكرنا من هذا الإرتكاز القويّ ـ نصدّق بها ونأخذ بها، ولكن ثبوت هذا الإرتكاز بنحو واضح عند المسلمين يجعلنا نتوقّف حتماً عن القول باستحالة الدم المطبوخ بالنار ثم بطهارته، وإن كنّا لا نستبعد ذلك في عالم الواقع إذا ذهبت قذارته بالنار، خاصّةً وأنّ قذارة الدم هي من أقلّ النجاسات نجاسةً، ولذلك حكم الشرع بطهارة الدم المتخلّف في الذبيحة مع أنه نفس الدم المسفوح النجس عيناً وذاتاً، ولذلك نحكم أيضاً بطهارة الدم المنتقل من الإنسان إلى البرغوث مع أنه من دم الإنسان، خاصّةً وأنه في ذلك الزمان ـ حيث لا يتوفر الماء الكرّ إلاّ نادراً ـ لم يكن يمكن للجزّارين تطهيرُ الذبيحة بالماء القليل بنحو يقيني بحيث لا يبقى من الدم المسفوح على عنق الذبيحة وأطرافه وعلى السكّين شيء منه، ومع كلّ ذلك تساهل الشارع المقدّس مع الناس وحكم بطهارة اللحم المأخوذ من المسلمين . المهم هو أنّ المظنون صحّة هذه الروايات السالفة الذكر لكن التجرّؤ على الإفتاء بها يحتاج إلى الإمام الحجّة (عليه صلوات الله)، خاصّةً وأنها معارضة بما يلي :
1 ـ روى في الإستبصار عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهم السلام)أنّ عليّاً (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة ؟! قال (عليه السلام) : (يهرق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل )([12]) لا بأس بسندها، لكنها لا تفيدنا لكون الفأرة ح سوف تسمّم قطعاً، فيجب إراقة المرق قطعاً .
2 ـ وفي التهذيبين قال : بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا وما أحسبه إلا حفص بن البختري قال قيل لأبي عبد الله (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به ؟ قال : ( يباع ممن يستحل أكْلَ الميتة )([13])، ومحلّ الشاهد أنه إن كانت النار مطهّرة لَذَكَرَ (عليه السلام) ذلك، وما كان ليقول بأنه يبيعه ممن يستحلّ أكْلَ المَيتة . ولكنها أيضاً لا تفيدنا في المعارضة أوّلاً لإرسالها، وثانياً الماء النجس أعمّ من الدم، ولا أعرف غير الشيخ الطوسي يقول بهذه المقالة في كتابَيه النهاية والإستبصار، فالإفتاء على طبق هذه الرواية في غاية الإشكال .







[2] ابن عبد الرحمن وقيل ابن عبد الله ويقال ابن عبيد الله الأعرج السمّان ثقة له كتاب ..
[3] الجَزُور يطلق على الجمل والناقة أي على الذكر والاُنثى منهما ..

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo