47/05/18

درس خارج الفقه
سال تحصیلی (1404 – 1405)
«الحوزة العلمية بمشهد المقدسة»
توسط استاد:
السيد ابوالفضل الطباطبايی الاشکذری
مؤسسه علمی فرهنگی جبلالصبر
الدرس التاسع والعشرون: (يکشنبه 18/08/1404 - 18 جمادی الاولی 1447)
الباب الخامس: أحكام المسجد
الفصل الثاني: محرمات المسجد
الثاني: حرمة دخول الكافر في المسجد - تحقيق حول نجاسة وطهارة اهل الكتاب
الادلة في المقام: ادلة القول بطهارة اهل الکتاب - الثاني: الاستدلال بالسنة
التعارض بين طائفتين من الروايات:
مما قيل في هاتين الطائفتين أن بينهما تعارض ظاهر ومن الواضح أنه في حال تعارض ابتدايي لابد من الجمع بينهما اذا يمكن، لأن باب التعارض انما هو باب تعرض الأدلة والرجوع الى المرحجات.
فلذلك بدأ الشيخ الأعظم الأنصاري بالجمع بينهما وحمل ما يدل على النجاسة على الكراهة:
«و هذه الروايات كما ترى ظاهرة الدلالة على الطهارة، قابلة لجعلها قرينة على حمل الأخبار الأوّلة على الكراهة؛ من جهة عدم خلوّهم غالباً عن النجاسات العرضيّة؛ لمواظبتهم على أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر وعدم التوقّي عن النجاسات، إلّا أنّ المانع عن هذا الحمل أمران:
أحدهما: موافقة هذه الأخبار لمذهب العامّة[1] الذين جعل الرشد في خلافهم[2] ، وأُمر العباد بالرجوع إليهم عند التحيّر للأخذ بخلاف ما يفتون[3] ؛ لأنّ فيه الرشد، لا لأنّ في استفتائهم مداراة، كما قيل: «شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ»[4] وقرب احتمال ورودها تقيّةً في البيان أو في العمل؛ فإنّ مذهب الجمهور كما في المنتهي[5] وغيره[6] على طهارتهم، ويشهد به بعض الروايات، مثل الرواية الثانية لزكريّا بن إبراهيم، حيث ذكر الراوي: أنّهم لَا يَأْكُلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِير لَكِنَّهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْر، في جواب استفصال الإمام (عليهالسلام) عن خصوص أكل لحم الخنزير[7] ؛ فإنّه لولا التقيّة لم يكن وجه للفرق بين الخنزير والخمر...
الثاني: موافقة أخبار النجاسة للإجماعات المستفيضة، أ ترى أنّ هؤلاء لم يطّلعوا على هذه الروايات؟ وهل وصلت إلينا إلّا بوساطتهم؟...»[8] .
مناقشة في تعارض روايات أهل الكتاب.
أن ما قاله الشيخ الاعظم الأنصاري لايمكن القول به، لأن التعارض ليس مستقرا بين روايات أهل الكتاب.
أن التعارض بعد ثبوت تمامية دليلية الدليل يعني لابد من احراز صحة الدليل وتمامية الدليل وعدم امكان الجع بينهما ورفع التعارض حتي يمكن القول بأن هذين الدليلين متعارضين.
وأما ما نحن فيه فليس من هذا الباب وليسا متعارضين.
لأن الطائفة الأولى ما كانت دلالتها تامة، بل كانت دلالتها قابلة للمناقشة ونحن قد ناقشنا فيها وقلنا بعدم دلالتهما على النجاسة.
فاذا لم يبلغ الدليل مرحلة الدلالة فليس دليلا تاما ولا يستطيع أن يعارض دليلا قد أحرز دلليته ودلالته على ما نحن فيه.
وانت ترى أن روايات أهل الكتاب من هذا القبيل لأن روايات نجاسة أهل الكتاب لم يثبت دلالتها على المطلوب فلا تعارض روايات طهارة أهل الكتاب واذن لا تعارض بينهما.
ولو سلمنا تمامية دليليتهما ودلالتهما على المطلوب من الجانبين أي الطهارة والنجاسة، لا تعارض بينهما أيضا. لأنه كما قلنا سابقا أن الطائفة الأولى لو قلنا بدلالتها على النجاسة، لابد من القول بظهورها في النجاسة لا بكونها نصا فيها.
بخلاف الطائفة الثانية التي تدل على طهارة أهل الكتاب فانها تكون نصا فيها.
وتقديم النص على الظاهر ممن المسلمات والقطعيات.
والفرق بين النص والظاهر واضح لمن له أدنى تأمل فيه.
لأن النص عبارة عما يكون فيه معنى واحدا ولايحتمل غيره.
وأما الظاهر عبارة عن لفظ يكون ظاهرا في معنى وأيضا يحتمل كون المعنى الآخر هو المراد منه .
يعني أن الظاهر لاينحصر في معن واحد وأما النص يكون نصا في معنى واحدا فقط ولايراد منا الا هذا.
مثلا اذا قال المولى لعبده: اكرم العلماء. فهذا أمر له احدى الدلالتين.
دلالة على الوجوب ودلالة على الاستحباب.
يعني أن الأمر ظاهر في الوجوب ولامانع من وجود احتمال كونه في الاستحباب ولو كان ضعيفا. هذا ظاهر.
وأما اذا قال المولى لعبده: يجب عليك اكرام العلماء. فهو نص في معنى واحد وهو وجوب الاكرام ولايحتمل غيره فهذا عبارة عن النص.
وفي هذا الفرض لاريب في تقديم النص على الظاهر.
مثلا صحيحة ْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي أُخَالِطُ الْمَجُوسِيَّ فَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ فَقَالَ: «لَا»[9] .
هذا ظاهر في النجاسة على القول بدلالتها لأنه يحتمل كونها نهيا تحريميا ويحتمل كونها نهيا تنزيهيا.
وأما صحيحة إِبْرَاهِيم بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا: الْجَارِيَةُ النَّصْرَانِيَّةُ تَخْدُمُكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ لَا تَتَوَضَّأُ وَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ؟
قَالَ: «لَا بَأْسَ تَغْسِلُ يَدَيْهَا»[10] .
صحيحة ابراهيم بن أبي محمود الثانية:
قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا: الْخَيَّاطُ أَوِ الْقَصَّارُ يَكُونُ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَبُولُ وَلَا يَتَوَضَّأُ مَا تَقُولُ فِي عَمَلِهِ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ»[11] .
فهما نصان في الطهارة وليستا ظاهرتان فيها.
وأما لو قيل بعدم كون الطائفة الثانية (أخبار الطهارة) نصا في طهارة أهل الكتاب، لابد من القول بكونها أظهر في مفادها في الدلالة.
وتقديم النصّ أو الأظهر على الظاهر- مع أنّه ممّا اتّفق عليه عند العقلاء والعرف، الذين هم الملاك في فهم المرادات من الألفاظ والروايات- إنّما تكون واردة على طبق هذه القاعدة، ومثلها ممّا لا محيص عنه.