« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ يوسف السبيتي
بحث الفقه

47/08/23

بسم الله الرحمن الرحيم

 كتاب الصوم.

 

الموضوع: كتاب الصوم.

القول: فيما يجب الامساك عنه.

 

تابع مسألة: (6) كما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمدا كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض والنفاس إلى طلوع الفجر، فإذا طهرتا منهما قبل الفجر وجب عليهما الغسل أو التيمم، ومع تركهما عمدا يبطل صومهما وكذا يشترط على الاقوى فى صحة صوم المستحاضة الاغسال النهارية التى للصلاة دون غيرها، فلو استحاضت قبل الاتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل كالمتوسطة والكثيرة فتركت الغسل بطل صومها، بخلاف ما لو استحاضت بعد الاتيان بصلاة الظهرين فتركت الغسل إلى الغروب فإنه لا يبطله، ولا يترك الاحتياط بإتيان الغسل لصلاة الليلة الماضية، ويكفى عنه الغسل قبل الفجر لاتيان صلاة الليل أو الفجر فصح صومها حينئذ على الاقوى[1] .

 

تابع المسألة (6):

القضية الثالثة: (في أحكام المستحاضة وعدم إغتسالها الأغسال النهارية، وما حكم الأغسال الليلية؟).

يمكن الأستدلال عليه بصحيحة علي بن مهزيار (قده) برواية المشايخ الثلاثة:

-(محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن علي بن مهزيار قال: كتبت اليه (عليه‌ السلام): امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب (عليه ‌السلام): تقضى صومها ولا تقضي صلاتها، لان رسول الله (صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم) كان يأمر (فاطمة و) المؤمنات من نسائه بذلك)[2] .

وقد إستشكل جماعة من الفقهاء (اعلى الله مقامهم) على هذه الرواية:

أولًا: بأنها مضمرة، فلم تذكر عمّن رواه إبن مهزيار.

ثانيًا: إن فيها عدم قضاء الصلاة في المقام، ولم يقل أحد بذلك.

ثالثًا: بأن الصديقة الطاهرة (صلوات الله عليها) لم ترَ الحمرة أصلًا، كما في بعض الروايات وقد ورد عن مولانا أبي جعفر (عليه السلام): (سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ إِنَّ بَنَاتِ الْأَنْبِيَاءِ (ص) لَا يَطْمَثْنَ إِنَّمَا الطَّمْثُ عُقُوبَةٌ وَأَوَّلُ مَنْ طَمِثَتْ سَارَةُ)[3] .

ويمكن الإجابة عن الجميع، فيُرد الأول، بعدم البأس بالاضمار إذا كان المُضمِر أمثال غي بن مهزيار (قده).

ويرد على الثاني: بأنه تقدم منّا مرارًا وتكرارًا بصحة التفكيك في الخبر بجواز العمل ببعضه وطرح البعض الآخر، والتفكيك بين فقرات الحديث في الحجية له نظائر وأشباه ليست قليلة، وربما تحمل على خطأ الرواي واشتباهه في النقل مثلًا، ولزوم التفكيك إنما لأجل الاتفاق والاجماع من جهة ومن جهة ثانية لأجل حديث (لا تعاد) حيث اشترطت الطهارة للصلاة. ونستبعد ما احتمله صاحب الوسائل (قده) باحتمال إرادة وجوب قضاء الصلاة والصوم، بأن يكون إنكارًا لا إخبارًا، أو الاستغراب من الإمام (عليه السلام)، بمعنى (كيف تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟) بل تقضيهما معًا.

ووجه الاستبعاد، عدم سبق ما يقتضي التفصيل حتى يحتاج إلى الانكار.

ويرد على الثالث: باحتمال إرادة فاطمة بنت جحش (حبيش) كما في مرسل يونس المذكور في مباحث الدماء لأنها كانت دامية

-(عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ ع‌ امْرَأَةٌ طَهُرَتْ‌ مِنْ حَيْضِهَا أَوْ دَمِ نِفَاسِهَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ اسْتَحَاضَتْ فَصَلَّتْ وَ صَامَتْ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْمَلَ مَا تَعْمَلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ مِنَ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاتَيْنِ هَلْ يَجُوزُ صَوْمُهَا وَ صَلَاتُهَا أَمْ لَا فَكَتَبَ ع تَقْضِي صَوْمَهَا وَ لَا تَقْضِي صَلَاتَهَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤْمِنَاتِ‌ مِنْ نِسَائِهِ بِذَلِكَ)[4] .

هذا مع خلو إسم فاطمة في رواية العلل والفقيه:

سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ كَتَبْتُ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا أَوْ مِنْ دَمِ نِفَاسِهَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ اسْتَحَاضَتْ فَصَلَّتْ وَصَامَتْ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْمَلَ كَمَا تَعْمَلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ مِنَ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاتَيْنِ هَلْ يَجُوزُ صَوْمُهَا وَ صَلَاتُهَا أَمْ لَا فَكَتَبَ تَقْضِي صَوْمَهَا وَلَا تَقْضِي صَلَاتَهَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ )ص (كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤْمِنَاتِ مِنْ نِسَائِهِ بِذَلِكَ)[5] .

وعلى افتراض ذكر الاسم الشريف (لها صلوات الله عليها)، فإنه يحتمل كون النبي (صلى الله وعليه وآله) قال ذلك لكي تعلّم غيرها من النساء المؤمنات لا لعمل نفسها.

وفي كل حال، فالرواية صحيحة السند بلا إشكال وقد عمل بها الاصحاب، وكل ما ذُكر لا يُوهن الرواية.

فلا بد من العمل بها، ولا مناص من الجزم بالاشتراط.

بقي أن سيدنا (قده)، فصّل في المسألة بين الاغسال النهارّية المعتبرة في الصلوات النهارية كالاستحاضة الكثيرة أو المتوسطة التي يجب فيها الغسل قبل الصلاة، فحكم فيها ببطلان الصوم مع ترك الاغتسال قبلها، وبين الغسل الواجب لأجل صلاة المغرب (الاغسال الليلية).

فعبارة سيدنا (قده) يستفاد منها أولًا مفروغية شمول الاستحاضة للمتوسطة أيضًا لحكم الاستحاضة الكثيرة، مع أن الرواية قد يُفهم منها خصوص الاستحاضة الكثيرة (ما تعمله المستحاضة من الغسل لكل صلاتين...).

ولكن يمكن إلحاق المتوسطة بالكثيرة، لأجل أن ذكر الغسل لكل صلاتين إنما هو من باب المثال لا الخصوصية، وهذا ما صرَّح الأصحاب به في معاقد إجماعاتهم بعدم الفرق بين الوسطى والكبرى (المتوسطة والكثيرة).

هذا ويُضاف عليه، بأنه يمكن حصول الوثوق بأن المناط كله تحقق الحدث الأكبر، وهو متحقق فيهما بلا فرق بينها، خاصَّة أنهما مشتركتان في الأحكام.

وعلى أي حال، فإن سيَّدنا فرَّق بين الأغسال النهاريَّة المعتبرة في الصلوات النهارية كالإستحاضة الكثيرة أو المتوسطة التي يجب فيها قبل الصلاة، فحكم فيها ببطلان الصوم مع ترك الأغسال قبلها، وبين الأغسال الليلية، فلا يبطل الصوم لترك الغسل الليلي.

وذلك لأجل أن المسألة من صغريات الأقل والأكثر، فالمتيقن وجوب الأغسال النهارية، سواء كانت أغسال الليلة واجبة أو، لا، ولكن ذلك محل تأمل وإشكال، بل الظاهر من الصحيحة شمول الأغسال النهارية والليلية وإشتراطها في صحة الصوم، ولا وجه للتخصيص بالنهارية منها. وقوله: (من الغسل لكل صلاتين) تشمل الليلية أيضًا، وبالتالي فإن على المستحاضة أن تعمل بوظيفتها من الغسل للصلوات لترفع الحدث عنها وحدثها هذا نظير حدث الحيض والنفاس يضر بالصوم ولو بإعتبار حدثيته بالنسبة إلى الصلاة، وعليه فتعمّ الأغسال الثلاثة كلها، وهذا لأجل أن جملة (لكل صلاتين) من كلام السائل وليس من كلام الإمام (عليه السلام)، وإلا لأمكن التفكيك بينها، والله العالم.

 


logo