47/12/01
حقيقة النسخ في الدين أم في الشريعة
الموضوع: حقيقة النسخ في الدين أم في الشريعة
النسخ والتخصيص: بين التدريج في البيان ووحدة الدين
مرّ بنا أنَّ صور الدوران بين النسخ والتخصيص تتلخص كلها في جامع مشترك هو التدريج في البيان، في مقابل التدريج في التشريع، فضلاً عن التدريج في التدبير أو الحكم السياسي. فالتدريج في البيان إذن متفق عليه في بيانات المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام)، وأنَّ الاختلاف الواقع فيها وما شابه ذلك يعود في جملته إلى التدريج في البيان، فليس الأمر من باب ناسخية قول أحدهم لقول الآخر، وإنَّما هو تدريج في البيان. وهذا يجري في عموم الموارد، إلا ما استُثني في مواضع خاصة أعاد الأعلام ذكرها، وذكرنا أيضاً زيادة عليها، ولكنَّ الحاصل إجمالاً أنَّ الأصل هو التدريج في البيان.
ومبنى هذا القول على قاعدة أنَّهم (عليهم السلام) بمنزلة متكلم واحد؛ فنورهم واحد، وما يعلمه أحدهم هو علم الآخر. وليس المراد أنَّهم كمتكلم واحد في أزمنة مختلفة، إذ قد يتغير رأي المتكلم الواحد بين زمان وآخر، بل هم كمتكلم واحد في زمان واحد، وهذا يقتضي بوضوح أن يكون الاختلاف في بياناتهم تعدداً في البيان لا نسخاً.
وهناك وجه لطيف يذكره جماعة منهم السيد الخوئي، [1] ولا بأس بهذا الوجه الأصولي الإثباتي لهذه القاعدة. فما تقدم كان في معظمه بياناً كلامياً، أمَّا هذا فهو برهان أصولي محض.
ومقتضى هذا البرهان: أنَّهم (عليهم السلام) في مقام بيان أصل الحكم كما هو في لوح التشريع منذ البدء. وهذا الظهور في بياناتهم لا يُنكر، فهم في صدد بيان أصل لوحة التشريع، لا في صدد تبيان حكم شرعيٍّ آنيٍّ. وإذا ثبت هذا الظهور الإثباتي الأصولي في كلماتهم، فإنَّه يُحكِّم جانب التخصيص على النسخ، لا العكس.
إذن، هذا بيان أصولي يختلف عن البيانات المتقدمة التي كانت إمَّا كلامية أو ممزوجة بين الكلام والأصول والفقه. إنَّ ظاهر بياناتهم (عليهم السلام) طرّاً، إلا ما ندر، هو أنَّهم في صدد بيان الحكم على ما هو عليه في العلم الأول، سواء غفل عنه من غفل أم لم يُبيَّن من قبل، فكلامهم بيان تام له. وليس ظاهر بياناتهم أنَّها في صدد إنشاء تشريع جديد. وهذا الظهور لا يُنكر، ومن ثمَّ فإنَّه يتناسب مع التخصيص لا مع النسخ. وهذا وجه متين، أصولي إثباتي، يُضاف إلى الوجوه التي مرت.
نعم، هذا لا يغني عن البيانات الكلامية من كونهم نوراً واحداً، ونطقاً واحداً، وذا اتصال غيبي بشبكة واحدة؛ فلعلَّ ذلك يفسر كيف أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بعد ثلاثة قرون يكون في صدد بيان الحكم الأول. ولكنَّه في المحصلة وجه أصولي، مرتب، لطيف، وهو وجه يُعوَّل عليه. هذا تمام الكلام في الدوران بين النسخ والتخصيص.
المبحث اللاحق هو حقيقة النسخ، وإن كان هذا المبحث ليس أصولياً محضاً، بل هو ممزوج بالبحوث الكلامية. فالبحث في حقيقة النسخ ينجر بالأصوليين شيئاً فشيئاً إلى مبحث حقيقة البداء، وهو مبحث كلاميٌّ بامتياز، ومع ذلك فهم مضطرون لإثارته. وعلى هذه القاعدة الكلامية الأصولية الممزوجة تتوقف مسائل مهمة، كحقيقة النص، وحقيقة البداء، وعلم الله (عز وجل)، التي تتوقف عليها منظومة التقنين برمتها.
فلاحظ إذن أنَّ علم الأصول، لكي يستوفي مباحثه المؤثرة في صميم عملية الاستنباط الفقهي، يضطر إلى الاعتماد على قواعد كلامية وتنقيحها وما شابه ذلك، وإلا لم تتم له القواعد الأصولية. وهذا مما يبين تشابك العلوم الدينية وتأثير بعضها في بعض، وهو تأثير متبادل في قواعد العلوم الدينية يصل إلى ما شاء الله. فالقضية إذن ليست انعزال العلوم الدينية عن بعضها البعض، بل هي ترابط وتوقف وتشابك وتخادم، وهي تعابير متعددة تشير إلى هذا التداعي والتأثير المتبادل بينها.
وهذا أمر لا يمكن إنكاره. فصحيح أنَّ علم الأصول يختلف عن علم الكلام، وعلم الرجال يختلف عن علم الكلام، ولكنَّ التأثير المتبادل في العمق حاصل بينهم لا محالة. وكذلك الفقه، فمع كونه غير علم الكلام، إلا أنَّ بينهما تأثيراً متبادلاً وتداعيات جمة. وقد ذكر العلامة الطباطبائي في رسائله[2] أنَّ مبحث الاعتباريات، مع كونه مبحثاً فلسفياً بامتياز، قد قصّر فيه الفلاسفة فلم ينقحوه التنقيح اللائق.
فمن الذي نقحه؟ نقحه علماء الأصول بجدارة. وإنَّما عنوا به مع كونه مبحثاً عقلياً لأنَّ صميم المباحث الأصولية مبني على نظرية وحقيقة الاعتبار، ومراحل الحكم، صعوداً ونزولاً. ويُقال إنَّ مبحث المعنى الحرفي قد نقحه علماء الأصول تنقيحاً استفاد من درره فلاسفة الشيعة. والحال أنَّ المعنى الحرفي هو مبحث توحيدي عقائدي خطير، بل هو أخطر مبحث في التوحيد على الإطلاق، وهذا حكم إجمالي لا تفصيلي.
هذا المبحث العقلي بامتياز لم يوفّه حقه المتكلمون ولا الفلاسفة ولا المفسرون. والذين نقحوه بتنقيح قويٍّ جدّاً هم علماء الأصول، لا سيّما علماء الإمامية. والضوابط والقواعد والمنظومة التي شيدها علماء الأصول في مبحث المعنى الحرفي، بنى عليها فلاسفة الشيعة وعرفانيوهم ما شاء الله من المباحث، ولم ينقحوه بمثل تنقيح علماء الأصول، مع أنَّه مبحث كلامي وفلسفي وعرفاني بامتياز يقع في لباب التوحيد.
والحاصل: أنَّه قد يؤدي علمٌ وظيفةَ علمٍ آخر، بل قد يؤدي وظيفة هي أم الوظائف في ذلك العلم، كما يقال أم المعارك. وهذا أمر يقع في العلوم كثيراً، وعلى الباحث أن يلتفت إليه ويتنبه له.
على أي تقدير، نعود إلى مبحث النسخ. وقد أشارت الصديقة فاطمة (عليها السلام) في خطبتها العظيمة الخالدة إلى أهمية هذه المباحث الأصولية، حيث جعلت العلم بالدين وعدم الجهل به متوقفاً على معرفتها، فقالت: “أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمِّي؟”[3] فدلنا ذلك على أهمية هذه الدوائر. فمبحث النسخ مبحث مهم.
فما هي حقيقة النسخ؟ النسخ لغةً هو الإزالة. فنسخ الحكم أو التشريع يعني إزالة حكم كان مقرّراً، ليحل محله حكم آخر يزيله. وقد سبق أن مرّ بنا أنَّ النسخ في العقائد ممتنع، فلا يُتصور فيها النسخ. ومن ثمَّ، لا نسخ في العقائد. وإذا كان لا نسخ في العقائد، فإنَّ الترتيب الموجود في عقائد دين سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) هو نفس الترتيب الموجود في الدين الذي بُعث به جميع الأنبياء.
ولماذا كان الدين الذي بُعث به جميع الأنبياء (صلوات الله على نبينا وآله وعليهم) واحداً موحداً؟ لأنَّ الدين الذي بعثوا به جميعاً هو الإسلام.[4] ومن هنا، فإنَّ مصطلح “حوار الأديان” أو “التقارب بين الأديان” هو تعبير مسامحيٌّ خاطئ. فالنبي موسى (عليه السلام) لم يُبعث باليهودية، بل بُعث بدين الإسلام، وإنَّما اليهود هم الذين هوّدوا دين الإسلام الذي جاء به. وكذلك النبي عيسى (عليه السلام) لم يُبعث بالنصرانية، بل بُعث بدين الإسلام، [5] كما أنَّ النبي إبراهيم ونوحاً وآدم (عليهم السلام) كلهم بُعثوا بدين الإسلام.[6] وإنَّما أتباع الأنبياء هم الذين حرّفوا دين الإسلام، فصبأوا ومجّسوا وهوّدوا ونصّروا، وجعلوها أدياناً، وهي في حقيقتها انحرافات باطلة. وإلا فالدين واحد موحد.
ويتفرع على ذلك: أنَّ أركان الفروع تندرج في دائرة الدين، ولا تندرج في دائرة الشريعة التي هي محل التغاير. فأركان الفروع ليست من الشريعة، وليست من الفروع بالمعنى المصطلح. وهو مبحثٌ دقيقٌ يقع فيه الخلط والغفلة حتى عند بعض الكبار، لكنَّه مبحث كلامي وتفسيري وفقهي مهمٌّ وخطيرٌ جدّاً.
وعليه، فإنَّ دائرة الدين جُلُّها العقائد، لا أنَّ جُلَّ العقائد هي الدين، بل العكس هو الصحيح؛ فكل ما هو عقيدة فهو من صميم الدين. إذن، المساحة الأكبر في الدين هي العقائد، والبقية وإن كانت عقائد أيضاً فهي بلون آخر. فأداء أركان الفروع شيء، ونفس أركان الفروع شيء آخر. وهذه مباحث حساسة ومؤثرة في علوم دينية كثيرة، وتُعد من القواعد الأم.
نعم، بين الأنبياء في الدين الواحد الموحد الذي لا نسخ فيه مراتب. فالنبي آدم، والنبي نوح، والنبي إبراهيم، والنبي موسى، وعيسى، وبقية الأنبياء (عليهم السلام)، بيّنوا من الدين والعقيدة مراتب، أمَّا الذي بيّن الدين بشكلٍ أعظم فهو سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله). ولكن هذا يُعبِّر عن مراتب في البيان أو في الوحي، وإلا فالدين شيء واحد، وهو خارج عن دائرة النسخ والمنسوخ. فلا نسخ في العقائد، ولا نسخ في أصل الدين.
أمَّا الفروع، فهي من الشريعة، وهي محل النسخ. وهذه ضوابط عامة يجب الالتفات إليها. ومن ثمَّ، فإذا كان الترتيب في دين بعثة سيد الأنبياء هو: التوحيد أولاً، ثم نبوة سيد الأنبياء ثانياً، ثم إمامة أهل البيت ثالثاً، وأنَّ حقيقة المعاد ليست مجرد منزل القيامة وسقفها وجدرانها وشوارعها كالصراط، بل حقيقة القيامة هي الحاكم في القيامة، وهو لقاء الله، ولقاء سيد الرسل، ولقاء أوصياء سيد الرسل.
وهذا الأمر كما هو ثابت في بعثة سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، هو ثابت كذلك في بعثة نوح وآدم وإبراهيم وموسى وعيسى وبقية الأنبياء عليهم السلام. والسر في ذلك أنَّ الأنبياء بُعثوا بعقائد موحدة، ولم يُبعثوا بعقائد متخالفة أو متغايرة أو متباينة؛ فنظام العقائد دائرةً وترتيباً وهيكلةً واحد بين الأنبياء كلهم. غاية الأمر أنَّ البيان والعلم بهذا الدين الموحد متفاوت؛ لأنَّ علم سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) فوق علوم بقية الأنبياء، وهذا صحيح، لكنه شيء واحد.
فمقتضى ذلك أنَّ الخطاب في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: 67) لا يختص ببعثة سيد الرسل (صلى الله عليه وآله)، بل هو خطاب عام يشمل سائر الأنبياء. فيكون المعنى: يا موسى، بلغ نبوة سيد الأنبياء وإمامة أوصيائه، وإن لم تفعل فما بلغت رسالة الله. ويا عيسى، بلغ نبوة سيد الأنبياء وأوصيائه من أهل بيته، وإن لم تفعل أصلاً فما بلغت رسالتنا، ولست برسول. وهكذا بالنسبة لنوح وآدم وإبراهيم ويونس وسليمان وداود عليهم السلام أجمعين.
والشاهد على ذلك ما ورد في سورة آل عمران، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: 81). فمفاد الآية أنَّ نبوة الأنبياء والكتب التي نزلت عليهم كانت مجازاة ومكافأة من الله لهم على تشيعهم وموالاتهم لسيد الأنبياء وأوصيائه، فهم شيعة من مرتبة عالية بنص هذه الآية وآيات أخرى أيضاً. وإنَّما بلغ الأنبياء وأولو العزم منهم تلك المراتب لأنَّ تشيعهم للنبي وآله أشد من تشيع غيرهم.
وعليه، فإنَّ النسخ لا يقع في الدين؛ لأنَّ الدين نظام واحد ومنظومة واحدة. وهذا ما كُرِّر التنبيه عليه في بيانات أهل البيت عليهم السلام المستقاة من القرآن الكريم. ومع الأسف، فإنَّ الكثير من مفسري الإمامية ومتكلميهم وفقهائهم ينظرون إلى روايات أهل البيت عليهم السلام في بيان القرآن على أنَّها من باب التعبد أو التأويل المحض، في حين أنَّها في حقيقتها تنبيه على البنية الظاهرة الموجودة في القرآن نفسه. وهذا المنهج هو ما كانوا يطالبوننا به، كما في قول الإمام الباقر (عليه السلام): «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاسْأَلُونِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ»[7] . فمقتضى هذا القول أنَّ الإمام لا يأتي بشيء من خارج القرآن، بل يُعلِّم كيفية استخراجه من ظاهره ويُنبه على مواضعه. وهذا المنهج التفسيري ليس روائياً محضاً، بل هو منهج اجتهادي بامتياز.
ويؤيد ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ عَرَفَ حَقَّنَا مِنَ الْقُرْآنِ زَالَتِ الْجِبَالُ وَلَمْ يَزُلْ إِيمَانُهُ»[8] . فمفاد الرواية أنَّ معرفة حقيقتهم منطوية في نفس البنية الظاهرة للقرآن، ومن يدركها يرسخ إيمانه بحيث لا تلتبس عليه اللوابس. وسيأتي بيان هذا المطلب في بحث الظهور إن شاء الله.
والحاصل: أنَّ الدين دين واحد، ذو نظام واحد وهيكلة واحدة وهندسة واحدة، بُعث به سائر الأنبياء. فبالنسبة إلى النبي عيسى (عليه السلام) مثلاً، لم يدعُ أتباعه ومن بُعث إليهم إلى شهادة قوامها: (لا إله إلا الله، عيسى نبي الله)، بل دعاهم إلى الشهادات الأساسية نفسها: الشهادة الأولى: لا إله إلا الله، والشهادة الثانية: محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والشهادة الثالثة: علي ولي الله (عليه السلام)، ثم تأتي الشهادة الرابعة بأنَّ عيسى نبي الله. وهذا هو الصحيح، وهو ما يُستفاد بنص القرآن في سورة آل عمران كما مرّ بيانه، فلو تأملت في الآية 81 لرأيت هذه المعادلة الصناعية ماثلة فيها.
تنبيه: من المهم للباحث أن يُميّز بين الآيات العقائدية والآيات الفقهية الفرعية. فالآيات الفقهية هي محل الشريعة، أما الآيات العقائدية فهي من أصل الدين.
فمثلاً: آية المودة ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ (الشورى: 23)، وإن كان يُستفاد منها أمر فقهي، إلا أنَّها في أصلها آية عقائدية. وكذلك آية الولاية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: 55)، هل هي من سنخ آية الوضوء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ…﴾ (المائدة: 6)؟ قطعاً لا. فآية الولاية وما يتلوها ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: 56) هي آية عقائدية في الأصل، وإن استفيدت منها أحكام فقهية. وعلى هذا المنوال، نجد أنَّ الآيات الواردة في إمامة أهل البيت عليهم السلام كلها آيات عقائدية، وإن كانت لها تداعيات فقهية صحيحة.
ومن شواهد ذلك: استدلال الأئمة عليهم السلام بآية الفيء على ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة ومن بعدهما من ولدهما عليهم السلام، فإنَّهم يستدلون بها بدلالة عقائدية، مع أنَّ الآية في نظرها البدوي الابتدائي تبحث حكماً مالياً، وهي قوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ…﴾ (الحشر: 7).
والنتيجة: أنَّ التمييز بين البعد العقائدي والبعد الفقهي في الآيات نكتة في غاية الأهمية.
والخلاصة التي ننبه عليها، استناداً إلى بيانات الوحي، هي أنَّ العقائد ليست محلاً للنسخ، وإنَّما النسخ يقع في الشريعة وتفاصيلها وفروعها. ويترتب على هذه القاعدة فروع ونتائج عديدة، وهي أول ما ينبغي الالتفات إليه عند بحث حقيقة النسخ وتحديد دائرته.