47/11/15
/ تحليل أصولي مقارن في ماهية الحكم ومراحله/النسخ والتخصيص
الموضوع: النسخ والتخصيص/ تحليل أصولي مقارن في ماهية الحكم ومراحله/
المسألة التي وصلنا إليها هي دوران الأمر بين التخصيص والنسخ، وهو في الحقيقة وإن كان بحثاً أصولياً لفظياً، لكنه يحمل في طياته مباحث كلامية كما سنرى، مما يدلل على أنَّ جملةً من قواعد علم الأصول معتمدة على قواعد كلامية، وهو أمر واضح بيّن. وكما مر بنا مراراً، أنَّ هناك علمين مؤثرين في علم الأصول: علم البلاغة بفروعه من المعاني والبيان، وعلم الكلام؛ فهذان العلمان مؤثران جداً في علم الأصول.
وعلى أي حال، إذا ورد الخاص منفصلاً عن العام ولكن بدون فاصل زماني يُعتد به، فإنه يُعَد من جهة الزمان كالمتصل. فهنا لا كلام في أنَّه يتعين في هذه الصورة أن يكون الحال تخصيصاً وليس نسخاً. وهكذا عالج المتأخرون المسألة، باعتبار أنَّ الخاص يكون قرينةً على المراد من العام.
ولكن عند القدماء: هناك فرق بين أن تكون صياغة الحكم “أكرم عالماً مفسراً”، وبين أن يقال “أكرم زيداً” بسبب غير معلوم. فما هي ميزة العام على الخاص؟ بينما في العام يتضح جلياً أنَّ وجه إكرام زيد هو علمه، أو خصوص تضلّعه في التفسير مثلاً، فهذا وجه آخر. صحيح أنَّ النتيجة واحدة، ولكن يختلف الأمر بين أن يكون موضوع الحكم وملاكه هو “زيدية زيد” فحسب، وبين أن يكون الملاك عنواناً عاماً.
ويتفرع على ذلك ما ورد في أهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ بعض ما ورد فيهم من مناقب اصطفائية قرآنية وفضائل نبوية، قد ورد على شخصهم الشريف صلوات الله عليهم. فالشخصية نفسها هي موضوع الحكم، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): “فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي”[1] ، فلا يوجد هنا سبب عام وخاص، بل هي شخصنة فاطمة (عليها السلام) التي لها الدور في هذا الاصطفاء. وكذلك قوله: “أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى”[2] ، فليس هذا المقام لكونه وصياً أو وزيراً، بل بالعكس، تترتب هذه الأمور على ذلك المقام الأصيل.
إذاً: هناك فرق بين أن يأتي الحكم على الخاص ابتداءً، فلا يُعلم وجهه وملاكه -خارج مباحث الاصطفاء والعقائد-، وبين أن يأتي الحكم على العام ثم يرد الخاص، فحينئذٍ يكون واضحاً عند القدماء أنَّ ذكر العام هو بمثابة العلّة للحكم الخاص. وانظر إلى الفرق بين الدليل الخاص والدليل العام عند الأعلام، فكما ذكرنا في الفقه، يُعد الدليل العام أمتن صناعياً واستنباطاً من الدليل الخاص؛ لأنَّ الدليل الخاص المبتور عن علّته العامة يصبح مبهماً وغير معلوم الوجه.
سوى في موارد خاصة كقوله: “فاطمة بضعة مني”، فهذا بحث آخر. وإلا غالباً ما يكون الدليل العام والخاص أمتن استنباطاً من الدليل الخاص وحده.
نقطة أخرى: في نفس هذه الصورة الأولى، لو قال الشارع: “أكرم نحوياً”، فإنَّ كون هذا الشخص مفسراً أو فقيهاً أو غير ذلك، يُعد زيادة في أوصاف الموضوع لا في سبب الحكم. فأصل الحكم قد يكون هو القصر في السفر، وإنما بقية العناوين هي شروط مكملة. وعند القدماء فرق بين التعبير بقوله: “أكرم مفسراً” أو “أكرم نحوياً”، وبين قوله: “أكرم عالماً مفسراً” أو “أكرم مؤمناً مفسراً”، ففي كل هذا فرق دقيق.
والحاصل: أنَّه عند القدماء، وإن كانت النتيجة واحدة من حيث دائرة الضيق والسعة، لكن من حيث تحليل ملاك الحكم، فإنَّ القوام الأصلي لموضوع الحكم يختلف بين ورود العام والخاص معاً، وبين إتيان الخاص فقط أو شخصنة الخاص. فهناك فوارق تُعد كلها من بركات وجود الدليل العام، وليست من بركات الدليل الخاص وحده، وهذا على عكس ما قد يتوهمه البعض من أنَّ التشدد في الدليل الخاص هو الأصل في الاستنباط والصناعة الفقهية، بل الأمر عكس ذلك تماماً.
هذه هي الصورة الأولى، وفيها أيضاً عند القدماء فرق بين قولنا: “أكرم عالماً غير فاسق”، وبين قولنا: “أكرم زيداً”. فالفرق عندهم أنَّ العلم في نفسه سبب للإكرام، وإنما الفسق مانع يطرأ على هذا الحق. فحتى في العالم الفاسق، مقتضي الإكرام موجود، إلا أنَّه مبتلى بمانع. ومن هنا يتضح أنَّ تحليل القدماء للعام والخاص يختلف عنه عند المتأخرين.
فالمتأخرون المهم عندهم هو النتيجة النهائية ودائرة الحكم، لكن عند مشهور الفقهاء، كل هذا القالب وهذه الصياغة لها حساب وكتاب وآثار تترتب عليها.
والنتيجة: أنَّ الصورة الأولى، وهي أن يأتي العام والخاص في دليل واحد، أو في زمن واحد متصل زمناً أو لفظاً، تُحمل على التخصيص. لكن مر بنا أنَّ هناك اختلافاً بين القدماء والمتأخرين في تحليل هذا النص، ولعلنا نذكر مزيداً من التفصيل في مبحث الفقه حول الفروق بين العام والخاص.
الصورة الثانية: ورود الخاص بعد العام وقبل وقت العمل
ننتقل الآن إلى الصورة الثانية، وهي أن يأتي العام، ثم يأتي بعده الخاص بفاصل زماني، ولكن هذا الفاصل الزماني يكون قبل مجيء وقت العمل بالعام.
فإن قيل: إذا كان ورود الخاص قبل وقت العمل بالعام، إذاً العام ليس منسوخاً، بل هو مخصص؛ لأنَّ المفروض أنَّ الخاص أتى قبل أن يحين وقت العمل بالعام.
والجواب: إنَّ المفروض في النسخ، أو لا أقل في احتمال النسخ، أن يأتي الدليل الناسخ بعد العمل بالمنسوخ. أما قبل العمل بالمنسوخ، فما معنى أن يكون ناسخاً؟ إلا أنَّ جماعة من الأعلام قالوا: من قال بأنَّه يمتنع النسخ في هذه الصورة، وهي صورة مجيء الخاص بعد العام بفاصل زماني وقبل العمل بالعام؟
بعبارة أخرى: يدور البحث في هذا الجانب حول: هل يمكن أن يرد دليل ناسخ بعد دليل منسوخ، ولكن قبل أن يأتي وقت العمل بذلك المنسوخ؟ لا سيما أنَّ الشارع عالم بمغيبات الأمور، فما معنى أن يشرّع الله حكماً ثم ينسخه قبل أن يحين وقت العمل به؟ ولهذا قالوا بأنَّ هذا لا يمكن أن يكون نسخاً، بل يجب أن يكون تخصيصاً. بينما قالت جماعة أخرى: إنَّه محتمل، فلماذا نقول باستحالة كونه نسخاً؟ بل يمكن أن يكون نسخاً.
لا سيما الميرزا النائيني[3] (رحمه الله)، حيث قال بإمكان كونه نسخاً. وكيف يمكن ذلك؟ قال: لنفرّق بين القضية الخارجية والقضية الحقيقية الكلية. وقبل أن ندخل في تفصيل هذا الفرق، لا بد من تمهيد مقدمة.
الفارق الجوهري بين النسخ والتخصيص ومراحل الحكم
فما هو الفارق الجوهري بين النسخ والتخصيص؟ هل هو مجرد العمل بالدليل أو عدم العمل به كما مر آنفاً؟ أم أنَّ هناك فوارق أخرى أعمق؟ يُقال إنَّ النسخ يتعلق بكون الحكم منسوخاً أو غير منسوخ. وقد فُسِّر الحكم غير المنسوخ بأنَّه حكم مدوّن في لوح الشريعة لم يُزل ولم يُمحَ. هذا التعبير عن “الحكم المدوّن في التشريع وغير الممحو” يثير سؤالاً مهماً.
فالتدوين للحكم في الشريعة يمثل أي مرحلة من مراحل الحكم؟ لقد بيّنت جملة من التحقيقات الأصولية -وهنا تظهر حاجة المتكلم إلى علم الأصول- أنَّ المسألة ذات بعد كلامي وأصولي في آن واحد. فللحكم في مرحلة الإنشاء ثلاث مراحل، ثم تليها مراحل الفعلية، ثم مراحل الفاعلية.
فائدة: الفاعلية تعني باعثية الحكم ومحركيته، وهو مصطلح أبرزه الشيخ ضياء الدين العراقي[4] . بعد ذلك تأتي مرحلة التنجيز واستحقاق العقوبة، ثم مرحلة الأداء والامتثال، ثم مرحلة إحراز الامتثال. فالحكم يمر بمراحل عديدة.
المهم أنَّ أول مرحلة من مراحل الفعلية هي أن ينوجد مصداق جزئي خارجي عيني لقيود موضوع الحكم، فيصبح الحكم جزئياً. وهناك مرحلة ثالثة في الإنشاء يُعبّر عنها بـ”الفعلية المقدّرة”، ومثالها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. فهذه القضية الكلية متى ما وجد لها مصداق وهو المكلف المستطيع، تولّد منها حكم جزئي بوجوب الحج. وإلا فهي قبل ذلك كلية مقدّرة على نحو: “إن استطاع وجب الحج”. هذه القضية بنحو التقدير هي قضية إنشائية في المرحلة الثالثة، ولكن لها لحاظ آخر، فهي فعلية مقدّرة معلّقة؛ أي أنَّ فعليتها معلّقة على تحقق الشرط، وليست فعلية متحققة بالفعل.
هذه هي المرحلة الثالثة المعروفة، والتخصيص يقع في هذه المرحلة.
أما النسخ: فلا، هو يقع في المرحلة الثانية الإنشائية. فالنسخ هو رفع الحكم المدوّن في لوح التشريع. فعندما يقال إنَّ الحكم مدوّن ومستمر، فإنَّ الملحوظ هو المرحلة الثانية من الإنشاء، أي ملاحظة الحكم الإنشائي بما هو هو، كقانون مقرر في لوح التشريع، بغض النظر عن المصاديق والتعليق على تحقق الموضوع.
بخلاف المرحلة الثالثة، التي يُلاحظ فيها الحكم بنحو آلي طريقاً إلى المصاديق، فتكون فعليةً معلّقةً مقدّرةً على المصاديق. هذه المرحلة الثالثة الإنشائية، التي تسمى أيضاً “فعلية مقدّرة معلّقة”، هي محل التخصيص. أما في المرحلة الثانية، فيلحظ الحكم بما هو هو. وهذا المبحث في غاية الأهمية لتحديد موطن كل من النسخ والتخصيص.
ومثال ذلك: أنَّ المرحوم النراقي[5] وتبعه السيد الخوئي[6] ، كان منشأ خلافهما في بعض المسائل كجريان الأصول في الشبهة الحكمية الكلية هو اختلافهما في تحديد مرحلة النسخ ومرحلة التخصيص. فالمبحث في نفسه حساس جداً.
إذاً: النسخ يتعلق بالمرحلة الثانية التي يلاحظ فيها الحكم الإنشائي بما هو هو، وكأنه حمل أولي بتعبير المناطقة. أما في المرحلة الثالثة، فيلاحظ الحمل الشائع، أي كيفية انطباق الحكم على المصاديق.
الآن، ماذا يريد الميرزا النائيني أن يقول؟ يريد أن يوضح أنَّ قضية مجيء وقت العمل وعدمه إنما تكون مؤثرة إذا كان الحكم بنحو القضية الخارجية الجزئية، فيقال حينئذٍ: ما معنى أن يُنسخ حكم جزئي قبل العمل به؟ أما إذا كان الحكم بنحو القضية الحقيقية الكلية المقدّرة، فلا علاقة لها بوجود المصاديق الخارجية من عدمها. فالقضية الحقيقية الكلية المقدّرة المعلقة لا صلة لها بالانطباق الجزئي، سواء تحقق وقت العمل أم لم يتحقق.
فالحكم في المرحلة الثانية من الإنشاء يُلحظ بما هو هو، وفي المرحلة الثالثة يُلحظ آلياً بلحاظ المصاديق، سواء وُجدت في الخارج أم لم توجد. وعليه، يمكن تصوير النسخ بأن الحكم قد دُوّن في الشريعة ولم يأتِ وقت العمل به بعد، ثم يُنسخ هذا الحكم؛ لأن النسخ يتعلق بالمرحلة الثانية، فكأنه دُوّن ثم مُحي من لوح التدوين. وإنما القوام في ذلك هو بالقضية الكلية.
نعم، هذا هو بيان الميرزا النائيني.[7] ولكن المرحوم الشيخ محمد حسين الأصفهاني، المعروف بالكُمباني، [8] ومعه السيد الخوئي، [9] يُشكلان على كلام الميرزا النائيني. والإشكال الذي يطرحه الكُمباني على الميرزا النائيني، والذي تتفرع عليه مسائل في أبواب عديدة من علم الأصول، يرتبط بحقيقة الحكم.
**
البحث في حقيقة وماهية الحكم الشرعي
فما هي حقيقة الحكم؟** إنَّ هذا المبحث قد بحثه الأصوليون في مقابل بحث مراحل الحكم، فهو بحث في حقيقة ذات الحكم، ويغاير تماماً مبحث أطواره ومراحله. وقد مر بنا أن مباحث النسخ والتخصيص هي من المباحث الثبوتية المهمة في أصول القانون.
فالمشهور عند المحقق الأصفهاني (الكُمباني) أن حقيقة الحكم هي إنشاء معنى باعث يصلح للباعثية والفاعلية والدافعية والمحركية، وذلك في نسبة الوجوب؛ وأما الحرمة فهي إنشاء معنى زاجر. فعلى هذا، يتقوّم الحكم بالباعثية والزاجرية والفاعلية والمحركية، وهو ما يرتب عليه آثاراً ستأتي.
بينما يرى آخرون أن هذا المبحث جوهري ويسري في كل أبواب الأصول، لا سيما ما يرتبط بالحكم التكليفي. والسؤال المحوري هو: ما هي حقيقة ذات الحكم التكليفي في نفسه، بغض النظر عن مراحله؟ وكذا الحال في مبحث حقيقة الحكم الوضعي، حيث يُبحث عن ماهيته وذاته بغض النظر عن أطواره.
ومثال ذلك: الحجية، بوصفها من الأحكام الوضعية. فلو تتبعنا كلمات الأصوليين لوجدنا أقوالاً متعددة تصل إلى سبعة أقوال رئيسية، أو أحد عشر قولاً، أو ثلاثة عشر قولاً في تحديد ماهية الحجية، وهو ما سيأتي تفصيله في مبحث الحجج والظنون. وإنما يبحثون في ماهية الحكم الوضعي المسمى بالحجية لما يترتب عليه من آثار جمّة، حتى على المستوى العقائدي.
ويعد هذا المبحث من الملاحم العلمية التي تلتقي فيها أبحاث علم الكلام وأصول الفقه، سواء في حقيقة الحكم التكليفي أم الوضعي. وللحكم الوضعي أنواع وأقسام، لا سيما الحجية. فما هي الحجية؟ وما هو معناها؟ يقال: احتج الله على العباد، ويقال: إنَّ الرسل حجج، وإنَّ الأئمة حجج الله. فما معنى الحجة؟ وما هو الفارق بين الحجية في المعصوم والحجية في غير المعصوم؟ إنَّ هذه لمباحث كلامية وفقهية أساسية وموسعة.
وقد بحث الأعلام المفهوم الماهوي للحجية، كما بحثوا في مبحث الأوامر، عند التعرض لمادة الأمر وصيغته، حقيقة الوجوب، وحقيقة الحرمة، وحقيقة الإباحة.
والإشكال المطروح: هل الحكم هو شيء باعث ومحرك، وهل الحرمة شيء زاجر ومانع؟ أم أن الباعثية والمحركية والزاجرية والمانعية هي من آثار الحكم ولوازم تداعياته، وليست جزءاً ماهوياً مقوِّماً له؟ والصحيح هو القول الثاني، أي إنَّ هذه الأوصاف ليست جزءاً ماهوياً من الحكم.
ومع أن السيد الخوئي (رحمه الله) قد يقرر في بحث الأوامر ما يخالف ما يذكره هنا، إلا أنه في هذا الموضع يعترض على أستاذه الكُمباني. وبعبارة أخرى، يدور البحث الحساس حول أن ماهية الحكم التكليفي، هل تتقوّم ذاتاً بجنس وفصل، بمعزل عن لوازمها وآثارها؟
وكما مر بنا مراراً، فإن للحكم مراحل. ومنشأ الخلط الذي يقع بين الأعلام في اعتراضاتهم المتبادلة هو عدم التمييز بين أصل ذات ماهية الحكم، وبين ما يطرأ عليه ويعرض له في كل مرحلة من تلك المراحل.
فمثلاً: استحقاق العقوبة، صحيح أنه أثر نوعي، ولكنه ليس جزءاً مقوِّماً للحكم، لا جنساً ولا فصلاً، بل هو لون من ألوان الحكم يظهر في مرحلة متأخرة، كالمرحلة السابعة أو الثامنة، فلا يكون مأخوذاً في ماهية الحكم.
ومثال آخر: الأمر، هل هو نفسه الحكم، أم أن الوجوب هو الحكم؟ وما هو دور الأمر حينئذٍ؟ هل هو سبب لوجود الحكم أم هو الحكم بعينه؟ وما الفرق بين النهي والحرمة؟ فلو كان مفاد النهي هو الحرمة، فهل النهي هو الحرمة ذاتها، أم هو سببٌ للحرمة التي هي شيء آخر؟
إذًا، هذه نكتة مهمة وحساسة جداً، إذ يترتب عليها انقلاب قواعد فقهية في الأبواب المختلفة رأساً على عقب. فلاحظ دقة هذا البحث في التمييز بين ألوان الحكم، وآثار الحكم في كل مرحلة، وأصل ذات ماهية الحكم.
فالباعثية والفاعلية والمحركية هي من شؤون مرحلة الفعلية، وليست جزءاً من ماهية الحكم، بينما اعتبرها المحقق الكُمباني وغيره لازماً ذاتياً. والإشكال عليه: أنه في مرحلة الإنشاء البحت، أي باعثية يمكن تصورها والحكم لم يزل مدوناً في لوح التشريع فحسب؟
وعلى ضوء هذه النكتة تتغير وجهة الفتوى في الاستنباط يميناً وشمالاً، وهو ما يبرز أهمية التمييز بين مراحل الحكم وذات الحكم.
فمن خواص الوجوب -وهو بحث دقيق وحساس- أنه عزيمة. مثلاً، يقال: الوجوب عزيمة. والعزيمة هنا ليست بمعنى الرخصة، بل هي الحتمية التي لا ترخيص في خلافها. فإن قيل: إذا رُفعت العزيمة عن الوجوب، كما في حالة الاضطرار لأكل الميتة المحرمة، فهل تبقى الحرمة أم ترتفع؟ قلنا: يرى الميرزا النائيني أنها لا تبقى. وهذا رأيه في الفترة المتأخرة من حياته العلمية، حيث تغيرت بعض مبانيه الأصولية.[10] فبحسب هذا الرأي، لا وجود للحرمة في ظرف الاضطرار. بينما يذهب آخرون إلى أن الحرمة باقية ولكنها “مُجمَّدة”. وهناك فرق دقيق بين العزيمة والحكم الإلزامي.
والحاصل أن هذه مباحث دقيقة وحساسة جداً في تمام الأبواب الفقهية. والخلاصة: أن التمييز بين ذات ماهية الحكم، وبين لوازمه -ولا سيما لوازم بعض المراحل دون بعض- هو نكتة مركزية في التحقيق الأصولي.