« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/11/11

بسم الله الرحمن الرحيم

/ بحث في حدود الوحي والتشريع/إشكالية نسخ الكتاب بالخبر الظني

 

الموضوع: إشكالية نسخ الكتاب بالخبر الظني/ بحث في حدود الوحي والتشريع/

 

مر بنا في اعتراض على تخصيص عموم الكتاب، وهي اعتراضات تشكّل عند الأعلام منظومة بحثية تتداخل فيها المباحث الكلامية بالأصولية. ويجب أن يلتفت إلى أهمية أثر علم الكلام على علم الأصول، وتداخل علم الأصول مع علم الكلام، وهلمّ جرّاً. فالضعيف في علم الكلام يضعف في هذه البحوث لا محالة، لأنها تعتمد على مقدمات كلامية. وعلم الكلام يريد ممارسةً عُمرية، كما أن الفقه والأصول يريدان ممارسةً عُمرية، وإلا فليس كل من يستطيع أن يلتفت إلى عُقَد هذه المباحث.

ومن ضمن الإشكالات التي ذُكرت عند الأعلام، هذا الإشكال ومؤداه أنّه لو كان تخصيص عموم الكتاب القطعي الصدور بخبر ظني صحيحاً، إذن لجاز نسخ حكم الكتاب بالخبر الظني، والحال أن هذا مقطوع البطلان.

في مقدمة ذكرها الميرزا النائيني، [1] وربما يستدل البعض على عدم حجية نسخ الكتاب بخبر ظني، من جهة أن في زمن الأئمة عليهم السلام لا يُقبل النسخ. وهذه الدعوى يردها الميرزا النائيني بما حاصله القول بانقطاع الوحي، حيث يريد أن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم أودع النسخ عند الأئمة عليهم السلام من دون أن يبرزوه.

وإن كان الميرزا النائيني يقول بالتالي إن من صلاحية الأئمة عليهم السلام، كمبيّنين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم، أن يبيّنوا للناس. لكن الاعتراض فيه ما فيه، والجواب فيه ما فيه.

والإشكال على هذا المسلك: أن الاعتراض المبني على انقطاع الوحي، ما هو معناه؟ إن الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم في البرزخ لا يزال مستمراً، فما هو انقطاعه؟ هذه عقيدةٌ تدل عليها الآيات والروايات المتواترة، فالوحي لم ينقطع عن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم، والوحي النبوي والتشريعي لم ينقطع، ولا يزال الوحي ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم في البرزخ. فلم ينقطع، وهذه الاصطلاحات الكلامية القائلة بالانقطاع بعيدة جداً عن الآيات والروايات.

ثم أي وحي هو الذي ينقطع؟ نحن نعتقد بضرورة مذهب الإمامية أن الإمام يتلقى وحياً من الله ومن رسوله، وهذا الأصل لا ينقطع. والاتصال الوحياني بين أمير المؤمنين أو فاطمة أو الحسن أو الحسين عليهم السلام ثابت، فمصحف فاطمة (عليها السلام) تلقّته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم بعد رحيله، لا في زمان حياته، وقسم منه من جبريل، فأين الانقطاع بين فاطمة (عليها السلام) وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم؟

إن انقطاع الوحي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم غير واقع، فلا يزال الوحي ينزل عليه، ولا يزال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم أيضاً في اتصال مع الأئمة من بعده، وإلى الآن مع إمام العصر والزمان. أصلاً إن ظهور صاحب العصر عجل الله فرجه سيكون بأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم وأمير المؤمنين (عليه السلام)، فأين هو الانقطاع الموجود؟ هذا الانقطاع المزعوم هو بالنسبة إلينا نحن البشر، وهذا بحث آخر، وإلا فالتواصل بين الإمام المعصوم (عليه السلام) وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم لا ينقطع.

وهذه من بديهيات عقائد الشيعة. أما علم الكلام الذي أُنشئ على صيغة الأشعرية والمعتزلة فبحث آخر، وأما علم الكلام الذي ينشئه القرآن ويبينه أهل البيت عليهم السلام، فهذا الطرح كله ليس في محله. إلى الآن يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 257]، فمن الولي؟ هو الله، والله لا يزال ولياً، فهل انقطعت ولاية الله؟ حاشا. ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: 55]. إن تواصل الأئمة عليهم السلام مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم عبر قنوات غيبية هو من بديهيات التشيّع. فالعبارات التي توحي بانقطاع الوحي هي عبارات فيها خفة ومسامحة من الأعلام رحمة الله عليهم.

ومن جانب آخر: أي وحي هو الذي انقطع؟ وحي التشريع خاص برسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم، ولكن توجد مساحة للتشريع للعلماء، ومساحة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم. وإنما نريد أن نبصر الحقائق في القرآن والروايات. إن القول بالانقطاع له معنى آخر، فنعم، مع وجود رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم وقربه من أمير المؤمنين وفاطمة عليهما السلام، كان كل ما ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم يتلقاه أمير المؤمنين (عليه السلام) مباشرة، بخلاف ما كان بعد ارتحال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم إلى البرزخ، فلعل طريقة الوحي الخاص النبوي تختلف، وإلا فالإمامة لا تخلو من وحي.

فقد أوحينا إلى أم موسى، والوحي الذي نزل على ذي القرنين، والوحي الذي نزل على طالوت، وهؤلاء ليسوا بأنبياء، فكله وحي. وإن الوحي مختلف الدرجات، فمريم كانت محدَّثة يكلمها جبريل، فأين قدر مريم من قدرهم؟

والحاصل: أن الوحي النبوي لم ينقطع عن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم، ولا يزال ينزل عليه بضرورة الآيات والروايات، فتدبيره وحكمه لا يزالان، وحكومة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم لم تنقشع ولم تتقوّض. والقول بانقطاع الوحي خلاف ضرورة القرآن. فطبيعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم أن هذا الوحي لا ينقطع عنه، وهو يختلف عن النبي عيسى وموسى ونوح عليهم السلام، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم يختلف عن البقية كلها. رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم هو رسول الله في الجنة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم هو رسول الله في القيامة، وهذه العبارات لا توجد في أوصاف النبي إبراهيم (عليه السلام) في القيامة، حيث يُذكر أنه من الصالحين، أما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم فالأمر فيه مختلف.

هذه هي أدبيات القرآن والضروريات والروايات، وما عداها فمسامحات. وإلا فالوحي النبوي لا ينقطع، والأعمال تُعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم، وتُعرض على الأئمة عليهم السلام، وولايتهم ودولتهم وحكومتهم هي نفسها لا تختلف. وصاحب العصر عجل الله فرجه قبل أن يولد كانت له دولة وولاية، يخاطبه المعاصر له: “يا سيدي”.

وعلى تفسير المتكلمين القدامى رحمة الله عليهم، كالشيخ المفيد[2] والشيخ الطوسي، [3] فإنهم لم يستوعبوا كيف كانت الروح موجودة قبل البدن، وهذا مع كوننا لا نسوى ذرةً منهم، لكن المطالب العلمية في الوحي شيء آخر. إن روح الأئمة وأنوارهم حية شاعرة قبل ولادتها في البدن، فهم تصوروا أن الأرواح شيء مجرد وليس بدناً لطيفاً، وهذا أصل المشكلة عند المتكلمين من الفريقين وعند الفلاسفة أيضاً، كالملا صدرا.[4] وهذه مشكلة ليست في محلها أصلاً، فالأرواح أجساد لطيفة جداً كما بيّن أهل البيت عليهم السلام. والمقصود أن كثيراً من الأمور التي تجري في علم الكلام ليست على ما هي عليه في علم الوحي. فإذا كانت الصلاة والتشريعات توقيفية، فالتوقيفية في العقائد ألزم، لأنها الأصل وهذه فروع. فتعلم البشر في العقائد من الوحي أعظم من تعلمهم في الفروع.

والنتيجة: أن منظومة الوحي ترسم لنا شيئاً آخر عند أهل البيت عليهم السلام وعند سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم، يغاير ما تأسس عليه الاعتراض والجواب المتداولين.

وهنا نصل إلى نقطة حساسة جداً، وهي أكثر حساسية مما أثاره الأعلام اعتراضاً وجواباً.

السؤال الجوهري: ما هي منطقة النسخ؟ ثم من هو المبيّن للناس؟ هذا أهم من كل شيء، لكي لا يُقوَّض الدين ولا يُشرع للفرق الضالة، سواء كان ضلالاً سياسياً أم عقائدياً أم ضلالاً بمناقضة ضروريات الفروع أم ضلالاً تشريعياً.

فما هو هذا النسخ؟ وأين النسخ المجاز؟ لقد ورد في بيانات أهل البيت عليهم السلام، وما كنا لنهتدي لمضامين القرآن وظواهره لولا أن هدانا الله تعليماً وعلماً بهم صلوات الله عليهم. هم النحاة، وهم علماء الصرف، وهم علماء البلاغة، هم الأصل في كل شيء، وهم المهيمنون على كل العلوم، وهم الذين يبيّنون القواعد.

فهنا في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]، يظهر أن تعدد الشرائع والمناهج موجود. أما الدين فلا، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. الدين لا يمكن أن يكون فيه نسخ، لا من زمن آدم (عليه السلام) إلى زمن سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم. فمنطقة الدين ليس فيها نسخ.

إذن، أين يكون النسخ؟ يكون في الشرع. وما هي الشريعة؟ تفاصيل الفروع هي الشريعة. تفاصيل الصلاة هي الشريعة، وليس أصل الصلاة. تفاصيل الصيام هي من الشريعة، وليس أصل الصيام. تفاصيل الحج من الشريعة، وليس أصل الحج. وهلمّ جرّاً. أما أصل وجوب الصلاة، ووجوب الصوم، ووجوب الزكاة، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه الوجوبات أصلها من الدين وغير قابلة للنسخ بتاتاً.

فلا يمكن أن تأتي فرقة منحرفة فتقول إن الزنا حلال، فهذا لا يمكن، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم نفسه ليس له هذه الصلاحية، فكيف بغيره من المدّعين. وكما يقول الإمام الصادق (عليه السلام)، ما مضمونه: ما بُعث نبي إلا بحرمة الفجور والربا والمحرمات.[5] فأصول المحرمات من الدين وليست من الشريعة القابلة للنسخ أبداً.

وهذا الدين موجود حتى في الجنة، وإن لم يقل بذلك أساتذة المتكلمين أو الفلاسفة الإمامية رحمهم الله، فنحن نتكلّم في منطق الوحي. هذا الدين موجود في القيامة، وموجود في البرزخ، وموجود في الجنة. وجود الدين لا يغادر عالماً من العوالم. نعم، شريعة الصلاة غير موجودة في الجنة، هذا صحيح.

والصحيح أن شريعة الصلاة غير موجودة في القيامة، ولكن أصل الصلاة موجود. أما كيف وبأي معنى، كأن يكون توجهاً ملكوتياً، فهذا بحث آخر. فنوع من الزكاة موجود حتى في الجنة، وأصل وجوب الصلاة والزكاة، وأصل الحج من الدين الذي تُلزم به حتى الملائكة، إذ إنها تحج في السماوات، وأصل الجهاد موجود أيضاً، فالملائكة في السماوات تحارب سكانها الأشرار، وهذا هو الجهاد. أما كيفية جهادهم فذلك بحث آخر.

ولذلك يموت جبريل وهو من سكان السماوات السبع، ويموت ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، استناداً إلى روايات مستفيضة ومتواترة واردة عن أهل البيت عليهم السلام[6] ، تطبيقاً لعموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾[7] ، فهل للمَلَك نفس؟ نعم، والنفس تموت. نعم، ما هو فوق النفس كالملَك، مثل اللوح والقلم أو غير ذلك، فهذه لا ينتابها الموت.

والمقصود أن الشريعة ممتدة إلى يوم القيامة، فيوم ينفخ في الصور تتقوض الشريعة، ولكن الدين باقٍ. وهذا هو مجموع منظومة الروايات، وعادة ما يكون المسلك العلمي بعيداً عن الفحص في الروايات وأخذ القواعد منها، وإنما يُعتمد غالباً على نتاج الأعلام. والأعلام على العين والرأس، ولا بد من الرجوع إليهم، ولكن لا بد للإنسان، إذا كان مجتهداً، أن ينفتح على الأدلة نفسها.

فإذاً النسخ يقع في الشريعة وفي التفاصيل، وليس في أركان الفروع. وقد مر بنا مراراً أن جملة من الأعلام قد يغفلون عن دقة هذا المصطلح، فيحسبون أن “أركان الفروع” هي من الفروع، والحال أنها ليست كذلك.

وتوضيح ذلك: أن إضافة “أركان” إلى “الفروع” ليست إضافة بيانية، بل هي إضافة لامية على وزان ما يُبحث في علم النحو، فيكون المعنى: أركانٌ للفروع، أي هي ما تسند الفروع وتقومها. فوجوب الصلاة ليس من الفروع، فلا يصح أن نبقى في غفلة. إن أداء الصلاة من الفروع، أما وجوب الصلاة فليس من الفروع، بل هو بإجماع فقهاء الإمامية في كل كتب الصلاة من ضروريات الدين، التي يخرج منكرها عن الدين.[8] فلا ينبغي الخلط بين أداء الصلاة الذي هو من الفروع، وبين وجوب الصلاة الذي هو من الأصول. فأداء الصلاة من الفروع، وأداء الزكاة من الفروع، وأداء الحج من الفروع، وأداء الصيام من الفروع. فهناك فرق بين الأداء، وهو التطبيق الخارجي الذي يُعد من الفروع، وبين أصل الوجوب الذي هو ركن للفروع. فالغفلة عن هذا الفرق غير صحيحة، وتجب اليقظة.

والحاصل أن منطقة النسخ هي التفاصيل والشريعة، لا الأصول. فما إن يصبح شيء قطعيّاً وضروريّاً فإنه لا يكون من التفاصيل، بل يكون من العقيدة. وهذه المباحث الكلامية الموجودة في الفقه هي أيضاً عضلة علمية، كمباحث الأديان والمذاهب الموجودة في الأبواب الفقهية، وتركها يسبب غفلات واشتباهات.

حياة الدين بنمو العلم، وموت الدين بهبوط العلم؛ وهذه معادلة قالها جملة من الأكابر عن كابر، وهي في الحقيقة بيان وارد عن أهل العلم عليهم السلام.

تنبيه: إن القول بأن نبوة النبي موسى (عليه السلام) نسخت نبوة النبي إبراهيم (عليه السلام) هو من المسامحات في التعبير.

والصحيح: أن الذي نُسخ هو شريعة النبي إبراهيم، لا أصل نبوته؛ إذ النبوة بما هي نبوة ليست قابلة للنسخ، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾[9] .

فإذاً أين تقع منطقة النسخ؟ إنها في التفاصيل، وفي الغالب تكون في منطقة الظنيات. أما ما صار بديهيّاً وضروريّاً، فهو من أصول الدين وليس قابلاً للنسخ. وبيان هذا التمهيد ضروري لما سيأتي في بحث نسخ عموم الكتاب أو غيره.

التحقيق في ولاية التشريع ومراتبها

نرجع الآن إلى كلام الأعلام اعتراضاً وجواباً. يقرر السيد الخوئي[10] أو يدعي أن عدم جواز نسخ الحكم بالخبر الظني هو أمر تعبدي، وإلا فإنه من حيث الإمكان العقلي لا إشكال فيه ولا يخالف القواعد. ولكن ظاهر كلمات غيره من الأعلام ليس كذلك.

والتحقيق: أن النسخ ولاية في التشريع، وهذه الولاية ذات طبقات. فالقول بأن النسخ يرجع إلى صنف معين يباين ويغاير التخصيص، وأنه ليس مجرد تخصيص أزماني، هو قول له وجه من الصحة. - فإثباتاً، قد يمتنع نسخ الحكم بالخبر الظني. - والنكتة في ذلك أن ولاية التشريع طبقات متصاعدة وليست في عرض واحد. - فالنبي (صلى الله عليه وآله) لا ينسخ حكم الله ابتداءً، وإنما يبيّن ناسخية الله لحكم الله. وهذه نكتة لطيفة. - والأئمة عليهم السلام لا ينسخون حكم رسول الله؛ لأن ولاية التشريع الممنوحة لهم لا تصل إلى مرتبة ولاية تشريع رسول الله. نعم، لهم أن يبيّنوا ناسخية رسول الله لحكمه. - كما أن للأئمة عليهم السلام أن ينسخوا أحكامهم التي شرّعوها بولايتهم، وهذا ممكن.

وديننا يؤخذ من القطع الإجمالي في الروايات وليس من الحذلقات الذوقية. ففي بيان للإمام الرضا (عليه السلام) يقول: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ عَبْداً تَابِعاً مُطِيعاً لِلَّهِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ولَا تَخَطَّى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ولَا نَسَخَ مَا قَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ»[11] . فإذا كان الفرض من الله، فالناسخ يجب أن يكون الله عز وجل نفسه. وهذه نكتة عقلية كلامية عقائدية صحيحة.

نعم، الرسول يبيّن أن الله نسخ حكم نفسه، وهذا ممكن باعتبار أن بيان الرسول وحي قطعي، لا أن الرسول يزاول النسخ بنفسه. وكما أن الأئمة عليهم السلام لا ينسخون حكم رسول الله، فهم تابعون ومطيعون ومتقيدون بفرائض الله وسنن النبي، حاشا أن يردوا أو يغيروا أو يبدلوا، إلا أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله) قد نسخ حكماً وأودع هذا النسخ عند الأئمة.

والنتيجة: أن قضية الناسخ والمنسوخ يجب أن تكون من صنف واحد، وهذا صحيح عقلياً وعقائدياً وكلامياً. وحينئذٍ، لا بد أن يكون بيان الرسول لناسخية الله بياناً قطعيّاً، فلا يمكن أن يكون بياناً ظنيّاً. وكذلك بيان الأئمة لنسخ سنة رسول الله لا بد أن يكون بياناً نقطع بصدوره عنهم، أما مجرد الظن ببيانهم فلا يكفي.

وهذا سر صناعي كلامي أصولي بنى عليه الأعلام، لا أنه من باب البحث الإثباتي القائم على قاعدة “لو كان لبان”[12] التي سينسفها السيد الخوئي لاحقاً. فإذا كان أصل الفرض يجب أن يكون بالقطع، فالنسخ أولى.

والمراد بالقطع هنا ليس القطع الشخصي، بل الضروري الموضوعي، الذي لا يُقاس بحسب نوع العلماء، بل بحسب نوع الأدلة الواصلة. فهو ما عقله من عقله، وغفل عنه من غفل، وجهل به من جهل. هذا هو معنى الضروري المعياري، فهو الضروري بحسب الأدلة الواصلة التي يوصلها الشارع إلى كل الأجيال. وهذا جوهر ما ذكره العلامة. فحتى عمار بن ياسر (رضوان الله عليه)، مع عظيم منزلته، قد سرت إلى خواطره شبهة السقيفة، لكن الضروري يبقى على حاله. فالميزان هو موضوعية الأدلة، لا إدراك الفلاسفة أو المتكلمين أو الفقهاء؛ فذاك ضروري نسبي إضافي. أما الضروري الحقيقي فلا يتغير، وهو بحسب ذات الأدلة التي يتعمد القضاء والقدر إيصالها لكل الأجيال، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[13] . هذا هو التعريف المعياري للضروري، فهو ليس بحسب العلماء، ولا بحسب العوام، ولا بحسب الأجيال، بل بحسب ذات الأدلة التي يشيدها الشارع ويوصلها إلى كل الأجيال.



[1] هو الميرزا محمد حسين الغروي النائيني (ت 1355هـ)، من أبرز فقهاء ومحققي علم الأصول في القرن الرابع عشر الهجري.
[2] هو محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد (ت 413هـ)، من كبار متكلمي الإمامية وفقهائهم.
[3] هو محمد بن الحسن الطوسي، المعروف بشيخ الطائفة (ت 460هـ)، من مؤسسي الحوزة العلمية في النجف وأحد أصحاب الكتب الأربعة.
[4] هو صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي، المعروف بالملا صدرا (ت 1050هـ)، فيلسوف إمامي ومؤسس مدرسة الحكمة المتعالية.
[5] لم يُعثر على الرواية بهذا اللفظ في المصادر المعتبرة، ولكن مضمونها مستفاد من روايات متفرقة في أبواب المحرمات، كحرمة الربا والفواحش في جميع الشرائع السماوية.
[6] يراجع تفصيل ذلك في الروايات الواردة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر: 68]، ومنها ما ورد في: المجلسي، محمد باقر. *بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار*. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج6، ص324 وما بعدها، باب "النفخ في الصور وموت الخلائق".
[7] سورة آل عمران: ١٨٥.
[8] يُعد وجوب الصلاة من ضروريات الدين التي لا تحتاج إلى استدلال، ويُبحث حكم منكرها في كتب الفقه، باب الارتداد.
[9] سورة البقرة: ٢٨٥.
[10] المراد به السيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413هـ) في مباحثه الأصولية، لا سيما في كتابه مصباح الأصول.
[11] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه. عيون أخبار الرضا (عليه السلام).. تصحيح وتعليق حسين الأعلمي، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404 هـ، ج2، ص180
[12] وهي قاعدة عقلائية مفادها أن الأمر المهم الذي تتوفر الدواعي لنقله لو كان واقعاً لوصل إلينا وتواتر خبره، وعدم وصوله دليل على عدم وقوعه.
[13] سورة الحجر: ٩.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo