47/11/09
/ مفهوم التخصيص بين القدماء والمتأخرين/منهج القدماء والمتأخرين في تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد
الموضوع: منهج القدماء والمتأخرين في تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد/ مفهوم التخصيص بين القدماء والمتأخرين/
فعند متأخري العصور، يُعد الخاص تشريعاً جديداً ابتدائياً، فيكون حاكماً على التشريعات العامة، وهذا هو تصوير معنى الخاص عندهم. ولكن الخاص عند القدماء هو في حقيقته تشريع، لكنه ليس تشريعاً ابتدائياً جديداً في كل حقيقته، بل هو تشريع منحدر من عمومات أخرى في مصاف هذا العموم الذي يُخَصَّص.
وعليه، فإنَّ حقيقة التخصيص عند القدماء هي تقديم بعض العمومات على بعضها الآخر بالدقة، وهذا التقديم هو من باب التزاحم الاقتضائي في التشريع، فيكون التخصيص والخاص والعام نوعاً من التنظيم القانوني التشريعي بين العمومات. هذا هو حقيقة الخاص عند القدماء، فليس ثمّة تصادم، وإنما هو تزاحم بين مقتضيات التشريع يُصار إلى تنظيمه. لكن هذا ليس تزاحماً امتثالياً أو اصطلاحياً، بل هو تزاحم من معنى آخر كتزاحم التشريعات، ويُنظَّم هذا التزاحم ويُعالج بالتخصيص، بمعنى أن العام والخاص هما ضرب من التزاحم في الملاكات. وإلا فإنَّ الخاص بالمعنى المتداول غريب عن الجو العلمي المعاصر، مع أن كثيراً من الحقائق التي كانت عند القدماء قد عادت اليوم مهجورة، والحال أنَّها مبانٍ متينة جداً.
فالتخصيص بالدليل الخاص، والبعض يبالغ في تقدير هذا الدليل، مع أن السؤال قائم: من أين يأتي الخاص؟ إنَّه يأتي من العمومات، فالأصل في التشريع هو العمومات كلها.
ولذلك: كان القدماء يزِنون متن الخبر الخاص ويسألون عن أصله ونسبه وقبيلته، فلا بد له من نسبة يُعرف بها، فيُدرس متن الخاص لمعرفة مصدره. وهذا البحث يتطلب فقه النص وقراءته، وهو المنهج الذي كان ينشغل به القدماء، بخلاف المتأخرين الذين غلب على منهجهم استعمال آليات الاستنباط على وفق أُطُر شكلية، وليس على أساس الفحوى والمضمون.
فإذاً، حقيقة التخصيص عند القدماء ترجع إلى أن هذا المتن مقدم على ذاك المتن، وهذا التشريع مقدم على ذاك. وإذا كان الأمر كذلك، فتخصيص الخبر لعموم الكتاب لا يمكن، بل لا بد أن يُنسب هذا الخاص إلى نفس عموم الكتاب أو إلى السنة القطعية. فإذا لم يُنسب، كانت الحقيقة هي تقديم عموم على عموم، وليس تقديم خاص ظني على عام قطعي في الكتاب.
وقد صرّحوا بذلك في مبناهم في حجية الخبر، حيث قالوا بالخبر العلمي، واعتبروا الخبر الذي لا يستوفي شروطهم ليس بحجة، بل هو بدعة، حتى إنَّ بعضهم كابن إدريس[1] قال إنَّه بدعة، وربما نُقل مثل ذلك عن الشيخ الطوسي في بعض الموارد. ومقصودهم أنَّه لا دليل يدل عليه، فخبر الواحد الذي يُعتمد في حجيته على مجرد الطريق من وثاقة وعدالة، هو أمر لا يُعتمد عليه عندهم كركن أساس. نعم، قد يكون ضميمة أو هامشاً، أما أن يُجعل عمود الخيمة فهذا خطأ؛ فأطناب الخيمة قد تكون هي الطرق، ولكن عمود الخيمة عندهم هو المتن.
وبعبارة أخرى: إنَّ حجية الأخبار عند القدماء، كما ذكرنا مراراً، هي حجية بحسب موازين الفقيه، لا بحسب موازين الراوي من سماع وحفظ ونقل. فعندهم منظومة من القطعيات والبديهيات المستفادة من العمومات الفوقية التي تُعرض عليها الأخبار. إنَّ منهج القدماء أشبه بعمل المحاكم الدستورية، لا بعمل الناطق الرسمي، فهذه القنوات السندية هي هوامش يُعتد بها، ولكنها تبقى هوامش.
على كل حال، حقيقة التخصيص عند القدماء شيء آخر. ولأنَّها شيء آخر بالدقة، نلاحظ أن متأخري العصور، حينما أرادوا أن يجيبوا عن شبهة تقديم الظني على القطعي، تشبثوا بأدلة العلم الإجمالي والقطعية الفوقية، وهذا يعني أنهم اضطروا للرجوع إلى مبنى القدماء للإجابة عن الإشكال، والنكتة الدقيقة هي ههنا.
حقيقة قاعدة التسامح في أدلة السنن
وماذا عن قاعدة التسامح في أدلة السنن عند القدماء؟[2] إنَّ الأصل عندهم هو عدم التسامح في أدلة التشريع، فالحجية عندهم ليست بالطريق أصلاً حتى يُقال هل يُتسامح فيه أم لا. إنَّ المدار عندهم على المضمون.
ومثال ذلك: صلاة الرغائب، [3] فهي ليست إلا عمومات النوافل والأذكار والآيات والاستغفار التي علّمتها العمومات، ثم أُخرجت في هيئة كوكتيل تشريعي بنفس تلك العمومات، فيأتي الخبر الخاص داعماً ومؤيداً. وبالتأكيد، فإنَّ مضمونها يطابق العمومات، ولا يوجد فيها نتوء غريب، وهذا هو العمدة عند القدماء، فيكون السند الضعيف جيداً كضميمة.
وقد وردت روايات صحيحة في المجلد الأول من وسائل الشيعة، منها: «مَنْ بَلَغَهُ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) شَيْءٌ مِنَ الثَّوَابِ فَعَمِلَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَمْ يَقُلْهُ»[4] . وهذه الروايات الصحيحة لا تخرج عن منظومة منهجهم، وهو أن العمدة والمدار على المتن.
إذًا، قاعدة التسامح في أدلة السنن عند القدماء ليست تسامحاً في الطرق، فهم من الأصل لا يرون الطريق الصحيح ميزاناً كافياً، فكيف بالطريق الضعيف؟ الميزان عندهم كله هو المتن؛ فإذا كان المتن مطابقاً للعمومات، كالأذكار والأوراد والختمات، ولم يرد فيه نهي خاص، فهو جائز. وإذا تصدى المعصوم نفسه لهذه التركيبة، كان ذلك أعظم وأولى، ولكن نفس العمومات تقتضي جواز أن تركّب منها ما شئت من التركيبات.
وقد ذهب السيد اليزدي[5] إلى جواز إدخال صلاة جعفر الطيار[6] في صلاة الفريضة، وقد أفتى بذلك أيضاً السيد الخوئي[7] ، حيث يجوز للمسافر مثلاً أن يصلي الظهر والعصر ركعتين ركعتين بصيغة صلاة جعفر الطيار، ناوياً صلاة الظهر لا صلاة جعفر. وقد يتساءل البعض: من أين أتيتم بهذا التركيب؟ وقد ذكره جملة من المحشين على العروة في باب صلاة جعفر الطيار. هذه الفتوى من السيد اليزدي ليست تلاعباً، بل هي نتاج إتقان صناعة فقهية تقوم على تركيب الأدلة، فالعمومات نفسها تركّب لك هذه الأمور.
وهذا هو الذي أشار إليه صاحب الجواهر[8] في الشهادة الثالثة في الأذان، حيث قال إنَّ نفس العمومات تثبت لنا الجزئية، بل الجزئية الواجبة. وقبله ذكر أستاذه الشيخ جعفر كاشف الغطاء[9] وأستاذ أستاذه بحر العلوم[10] هذا المطلب في التشهد، فقال الشيخ جعفر كاشف الغطاء: العمومات هي التي تثبت لنا الجزئية، فلا نحتاج إلى أمر خاص. فالأمر الخاص ما هو إلا عبارة عن توليدات وانحدارات وانشعابات من العمومات الفقهية، وهذا هو عين مبنى القدماء. فالعمومات هي الأصل الذي يُتمسك به ما لم يأتِ نهي يمنع، وما لم يعارضك شيء آخر. أما القول بأنَّ هذا إبداع في الدين، فأين الإبداع؟ البدعة هي ما لم يستند إلى دليل، أما إذا كانت الأدلة قابلة للتركيب فيما بينها، فهو تركيب قانوني مشروع.
فالمقصود أن هذا المطلب، وهو أن قاعدة التسامح في أدلة السنن عند القدماء لا تقوم على صحة السند، هو جزء من منهجهم الكلي.
فباعتبار هذه العمومات نفسها، قد يُشكل على بعض الأدعية كدعاء الجوشن الكبير[11] بأنه منقول من طرق صوفية، ولكن هذا الإشكال ينشأ من ضعف في العلم المعقول وعلم المعارف. فهل يخلو دعاء الجوشن من إعجاز بلاغي أو إعجاز معنوي عقلي دقيق؟ إنَّ من يزن الأمور بميزان الرواة الثقات وغير الثقات فقط، فميزانه ليس ميزان الفقهاء، لا فقهاء الأحكام ولا فقهاء العقائد والكلام. فمن لم يكن له اشتغال بالعقائد، كيف يتصدى لهذه القضايا؟ لا يجوز للمرء أن يقحم نفسه فيما ليس من اختصاصه، بل عليه أن يتضلع أولاً ثم يتصدى. فكل علم من العلوم الدينية له موازينه التي لا تقبل المجاملة أو التلاعب.
فإذاً، ما هي حقيقة قاعدة التسامح في أدلة السنن عند القدماء بالدقة؟ إنَّها ترجع إلى نفس المطلب، وهو الاعتماد على المتن لا على الطريق. فلماذا تُقلب الصناعة ويُجعل المركب على الطريق ويُعاش في ذيول الطريق؟ يجب فهم المطلب من أساسه: القواعد تنطلق من القطعيات، لا من الظنيات. والفقه في الاستنباط ينطلق كله من منظومة قطعيات شبيهة بالخوارزميات.
وهذا الأمر لا يختص بالكتاب، بل يشمل السنة القطعية أيضاً، فعموم السنة القطعية لا يُخصَّص عند القدماء بخبر ظني، بل يخصصونه بخبر علمي. والخبر العلمي هو الخبر الذي له نسبة علمية إلى علم، أي إلى أصول فوقية. فالتخصيص حقيقةً عند القدماء هو موازنة وتنظيم بين العمومات، فيُقدَّم الراجح ملاكاً.
لذلك، وكما ذكرنا سابقاً، إنَّ حقيقة التخصيص عند القدماء، ونعم المبنى، ليست محواً للعام في منطقة الخاص، بل هي تجميد لملاك العام في منطقة الخاص. تجميد وليس محواً. وبالتالي، فإنَّ القدماء يبنون أبحاثهم في هذه المنظومة الأصولية، حتى في بحث الألفاظ، على بحوث ثبوتية وعلى أصول القانون ومبادئ الأحكام.
ولا يبنونها على الظاهر والدلالة، ودلالة الدلالة؛ ومثل ذلك الاعتماد المفرط على الأصول العملية، حتى تكاد ترسم بها فروع الفقه كلها، كما ينقل عن الآغا ضياء الدين العراقي[12] قولَه الذي نقله عنه تلميذه الميرزا هاشم الآملي[13] ، أن من يكثر من استعمال الأصول العملية يخدش في فقاهته. ومقتضى ذلك أن الجهد الذي يُبذل في الأصول العملية، ينبغي أن يُبذل في تتبع المعاني اللغوية، ودراسة منظومة الروايات، وسائر الأدلة الاجتهادية.
وعلى هذا المنوال سار القدماء، فبدلاً من إجهاد النفس في الأدلة الاجتهادية الظاهرية الظنية، كانوا يتوجهون إلى القواعد الثبوتية التي تمثل أصول القانون، فتكون نسبتها إلى الأدلة الاجتهادية كنسبة الأدلة الاجتهادية نفسها إلى الأصول العملية. وهذا هو مبنى القدماء القائم على التحليل والتركيب.
وقد برع في هذا المسلك الشيخ الأوحد الأحسائي[14] في كثير من مبانيه، وسار على نهجه الأعلام من بعده كالعلامة الحلي[15] ، والشيخ الطوسي[16] ، والشيخ المفيد[17] ؛ فقد كانت لديهم صناعة التحليل والتركيب لمواد ثابتة، وهذه المواد الثابتة البديهية أو الاطمئنانية تشكّل خيمةً لما دونها من الأدلة والأحكام.
والحاصل: أن مبنى القدماء في هذا البحث، وهو تخصيص عموم الكتاب أو عموم السنة القطعية، لا يتم بخبر ظنيٍّ مستندٍ إلى مجرد وثاقة الرواة، بل لا بد من ملاحظة متن هذا الخبر وعرضه على الأصول الفوقية.
إنَّ تعبير “السنن” هو من مصطلحات المتأخرين، أما المتقدمون فكانوا يعتمدون على المتن في المندوبات السهلة، بل في كل حال، ومن هنا يتضح الفارق السنخي في المنهج بين الفريقين.
ونرجع إلى الاعتراض الأخير في المسألة، فليس القصد هو الخوض في تفاصيل المسألة بقدر ما هو بيان خلفياتها المبنائية، والتي ترجع في جوهرها إلى “فقه المقاصد” في علم الأصول.
فقه المقاصد كمنهج شامل
وهذا المنهج المقاصدي لا يختص بعلم الأصول، بل هو سارٍ في سائر العلوم: - فقه المقاصد في علم الرجال، ويعني أن البنى الفوقية هي الأهم. - فقه المقاصد في علم التفسير. - فقه المقاصد في علم الكلام.
إنَّ هذا المنهج يجعلك متمكناً في الاستنباط، لأنك تملك البنية الأساسية والخيمة التي تحيط بكل هذه الأمور.
ومنهج فقه المقاصد كمدرسة لا ينبغي رفضه، بل ينبغي تكميله وإكماله بـ”أصول القانون” الذي يبحث الموضوع نفسه. وهذا هو ما يشير إليه صاحب الجواهر[18] وكثير من الأعلام عند حديثهم عن “روح الشريعة” و”مذاق الشارع”، وهو ليس مخصصاً بعلم الفقه والفروع، بل ينسحب على علم التفسير كذلك، فمداركه ترجع إلى فقه المقاصد في علم التفسير، بل حتى في علم السيرة وبحث المقاتل.
ففي مقتل عاشوراء مثلاً، عند النظر إلى الأهوال التي جرت على العترة الطاهرة، نجد أن الانشغال بالتفاصيل الجزئية التي هي مجرد مصاديق ولقطات يسيرة، واعتبارها هي الأصل، هو منهج قشري لا يلتفت إلى جوهر القضية. وقد كان بعض الأعلام يؤكد على ضرورة بناء “فقه المقاصد” في باب المقتل.
فحين تُترك الأصول القطعية الكلية، ويُتمسك بتفاصيل روتينية من قبيل هل أصاب طفلةً من العترة شيء أم لم يصبها، فهذا يعني غياب المنهج المقاصدي، والوقوع في منهج قشري حشوي سطحي، يتمسك بالتفاصيل اليسيرة البعيدة.
تنبيه: يوصف سيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وسلم بأنه “الفاحص عن توحيد الله”، فالفحص منهج ممدوح، وكذلك الغور والبحث والتنقيب في المعارف، بينما يُذم “التعمق” لأنه يضل عن الطريق.
**
الفرق بين الغور الممدوح والتعمق المذموم
فما الفرق بين التعمق وبين الغور والفحص؟ إنَّ للمتعمق خاصيتين تجعلان منهجه بعيداً عن الصواب: - أولاً:** أنه يتمسك بالتفاصيل البعيدة ويترك أصل البناء وأساسه. فمن يريد أن يقيم صرحاً ضخماً كمسجد، لا ينشغل في مرحلة التأسيس بلون الرخام وعدد اللبنات، بل يركز على الأسس والقواعد والأعمدة والهيكل الأصلي، ثم يأتي بعد ذلك دور الجدران والنوافذ والأبواب. - ثانياً: إنَّ هذا الانشغال بتضخيم التفاصيل يحجبه عن رؤية الأعمدة والأسس، فيؤدي به إلى الانحراف، فلا يعود يميز الأساس من غيره، فيبني بناءً سرعان ما ينهار على صاحبه، ولا سيما إذا كان هذا البناء في الدين، فإن خطره أعظم.
أما الغور والفحص والتنقيب: فإنه يستهدف الأصول والقواعد التي هي بمثابة “عمود الخيمة”، لا الأطناب المتفرقة. فالفرق بين المنهجين هو الفرق بين عمود الخيمة وأطنابها.
ولذلك، فإن المنهج الذي يعتمد التعمق بالمعنى المذموم هو منهج يتسم بالحشوية والقشرية والسطحية. وهذا ليس كلاماً مستحدثاً، بل هو ما كان يردده الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، والمحقق الحلي، فهم يدونون منهجاً مختلفاً قائماً على التمييز بين الأصول والفروع.
فلا معنى للتركيز على تفاصيل قشرية، كأن يقال: هل وقع الحادث في الساعة الأولى أم الثانية؟ فليس المهم تحديد الساعة، بل المهم أن حوادث اليوم العاشر قد وقعت. فالصدق يكمن في الأسس، أما التفاصيل اللونية والشكلية فهي بالقياس إلى الأسس تفاهات وثفل. فلا بد من تجاوز التفاهات والعيش في رحاب الأسس والقواعد.
والنتيجة: أن مدرسة “فقه المقاصد” ليست مختصة بفقه الفروع، بل هي منهج شامل لكل العلوم الدينية، حتى مبحث مقتل عاشوراء، فلنكن مقاصديين أكثر من كوننا تفصيليين. إنَّ الانشغال بالتفاصيل يؤسس لرؤية سطحية، بينما الرؤية المقاصدية تؤسس لرؤية واحدة عامة قطعية في عاشوراء، وهي رؤية إجمالية كخيمة تغطي كل هذه التفاصيل.
إنَّ هذه المنهجية مهمة جداً، ودراسة الأمور بمناهجها أعظم من الانشغال بسطح الأدلة وتفاصيلها. وإلا فإن بحر العلوم[19] في أرجوزته الفقهية “الدرة النجفية”، والشيخ جعفر كاشف الغطاء[20] في كتاب “كشف الغطاء”، وصاحب الجواهر بعد هذين الأستاذين، يذكرون في مصنفاتهم أن العمومات هي الأساس، وليست الأدلة الخاصة.
فإذا انقلبت المنظومة، وأصبح الخاص هو الأساس والدليل العام لا قيمة له، فكأنما أصبح القانون الدستوري خواءً، وصارت القوانين البلدية هي الأساس الذي يحكم البلد، وهذا نظام لا يستقيم. فانظر كيف تنقلب المنظومة رأساً على عقب. وهذا بحث مهم وحساس، فالمباني التي تعتمد عليها هذه المسألة هي في حقيقتها هيكلة لمنظومة الحجج وكيفية ترتبها وتنظيمها.