47/11/07
التواتر الحسي والغيبي وحجيته في الفكر الإمامي
الموضوع: التواتر الحسي والغيبي وحجيته في الفكر الإمامي
إنَّ القرآن الكريم قطعي الصدور، ليس فقط قطعي الصدور حسّاً، بل هو قطعي الصدور حسّاً وعقلاً ووحيانياً، وهذه مراتب مختلفة من القطع واليقين.
وقد سبق أن مرّ أن هذه القاعدة الأصولية العقائدية الكلامية عند الإمامية، وهي أن إجماع الأمة من دون المعصوم ليس بحجة.
والسؤال: ما هو مقصود علماء الإمامية من هذه العبارة؟ الجواب: إنهم لا ينفون الحجية الحسية مطلقاً؛ فإن الحجة الحسية قد تبلغ حد التواتر فتصير قطعية. وكثير من الروايات المتواترة لا يقع في طريقها أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وهذا أمر ضروري. كما أن الحجة الظنية تتحقق برواة عدول ثقات. بل المراد أن إجماع الأمة من دون المعصوم ليس بحجة وحيانية. وهنا يجب الالتفات إلى الفرق بين الحجة الوحيانية أو اليقين الوحياني، وبين الحجة الحسية المتواترة أو اليقين الحسي، وهو بحث لا يتسع له المقام الآن، وإنما نذكر عنوانه للفائدة.
تنبيه: التواتر المعروف هو التواتر في الحس، ولكن ماذا عن التواتر في الغيب؟ إن كلمة “تَتْرَى” الواردة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا…﴾[1] تفيد معنى التتابع والكثرة. فهل للتواتر بالنسبة لخبر عن الغيب حجية ويقين؟
في هذا السياق، يذكر العلامة المجلسي[2] (رحمه الله) أن بعض علماء الفريقين، أو خصوص علماء الإمامية، قال بأن دليل التواتر يجري في الغيب بالنسبة إلى الرسل والأئمة والأوصياء، ولا يجري في الأمم والصحابة والتابعين لعدم امتلاكهم قناة غيبية.
والبيان في ذلك: أن مناط حجية التواتر في الغيب هو نفس مناطه في الحس، وهو استحالة التواطؤ على الكذب واستحالة الصدفة. وهذا البيان لطيف، ولعل الناظر لا يجده في مظانه المعتادة كـشرح التجريد أو الباب الحادي عشر أو اعتقادات الصدوق. ولا يُدرى المصدر الذي وقف عليه العلامة المجلسي، غير أنه كان خبيراً بصناعة علم الكلام. وينقل أن التواتر في الغيبيات تجري حجيته في الأنبياء والرسل والأئمة، لكنها حجية وحيانية، وتقوم على نفس النقطة التي تُذكر في التواتر الحسي، وهي امتناع تواطئهم على الكذب.
ومثال ذلك: في التواتر الحسي، يمتنع التواطؤ لأن المخبرين متباعدون في الأقطار، كأن يكون أحدهم في المشرق والآخر في المغرب، بحيث لا يعلم أحدهما بالآخر، فيمتنع عقلاً أن يكونوا قد تآمروا، كما تمتنع الصدفة. وكذلك الحال في تطابق إخبارات الأنبياء؛ فسيد الرسل (صلى الله عليه وآله) كان في مكة، وأما عيسى وموسى وإبراهيم ويونس (عليهم السلام) فقد كانوا في أزمنة وأمكنة مختلفة، فكيف اتفقوا في منطقهم وأصول دعوتهم؟ إن هذا التطابق يصدّق بعضه بعضاً بالمعنى العقلي النظري، لا العملي. ونقطع عقلاً بامتناع التواطؤ بينهم، كما نقطع بامتناع الصدفة.
ويتفرع على ذلك: أن دعوى بعض المستشرقين بأن النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ عن اليهود والنصارى هي دعوى باطلة؛ فالقرآن الكريم يكذّب اليهود في كثير من تحريفاتهم التي ألصقوها بالأنبياء، ويطابق التوراة الأصلية، وكذلك يكذّب النصارى في تحريفاتهم. فكيف يكون قد أخذ عنهم وهو يصحح ما حرفوه؟
والحاصل: أن هذا الاتفاق من سيد الأنبياء مع كل الأنبياء في الغيبيات، مع امتناع التواطؤ والصدفة عقلاً، يجعل من إخبارهم برهاناً وحيانياً وحجة قطعية. وهذا هو ما يسمى بـ”التواتر في الوحي”. ويجري الأمر نفسه في تطابق ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث أُكّد في نصوص كثيرة، لا سيما في الزيارة الجامعة الكبيرة[3] ، على أنهم لا يختلفون في أصول الدين وحقائقه. أما ما قد يظهر من تعارض في الروايات، فله وجوه ومعانٍ أخرى من قبيل العام والخاص والمجمل والمبين، وهو بحث آخر.
إن تطابق الرسل والأنبياء والأوصياء (صلوات الله عليهم أجمعين) أمر محتوم، ويمتنع أن يكون ناتجاً عن تواطؤ أو صدفة، فيكون هذا الإخبار الغيبي المتطابق حجة وبرهاناً. وهذا البيان المنسوب إلى العلامة المجلسي كلام دقيق ومتين، فالتواتر إذن على قسمين: تواتر حسي، وتواتر وحياني يختص بمن شأنه الوحي.
تطبيق التواتر على إمامة صاحب الزمان
وعلى نحو مشابه، يستدل المحقق الحلي[4] في بعض رسائله العقدية، بعد إيراد البراهين القرآنية والوحيانية والعقلية على إمامة أهل البيت، على إمامة صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه). وهذا الدليل ليس خاصاً بالمحقق الحلي، بل هو مسلك سار عليه علماء الإمامية.
وملخص الدليل: هو الاستدلال بتواتر تشرف الصالحين والعلماء برؤية صاحب العصر والزمان طيلة القرون. فالمحقق الحلي الذي عاش في القرن السابع الهجري، يستدل بتواتر التشرفات التي حصلت منذ بداية الغيبة الكبرى -التي أعقبت الغيبة الصغرى في أواخر القرن الثالث- إلى زمانه. وهذا يضاف إلى الروايات المتواترة التي يُقال إنها بلغت اثني عشر ألف رواية في الإمام الثاني عشر، وهو رقم ذكره أحد العلماء من تلاميذ العلامة المجلسي، وقد أيدته بعض المراكز البحثية بينما فنّدته أخرى. إن كثرة الروايات في الإمام الثاني عشر على نحو يفوق ما ورد في آبائه الثمانية من ولد الحسين (عليهم السلام) ليس صدفة، بل يدل على مقام خاص يعطيه الوحي الإلهي له.
استدلال المحقق الحلي إذن يقوم على أن تشرف الصالحين والعلماء برؤية صاحب العصر والزمان طيلة هذه القرون قد بلغ حد التواتر المعنوي، كما ذكر علماء الأصول في مبحث الإجماع التشرفي.[5] وبنفس منطق التواتر، يمتنع تواطؤ هؤلاء العلماء على الكذب، وتمتنع الصدفة في تطابق حكاياتهم. فإذاً، إخبارهم عن وجود إمام حي حاضر يقوم بمسؤولياته ولكنه خفي عن الأنظار هو حجة وبرهان.[6] إن أصل التشرف، مجرداً عن ادعاء أي مقام أو وساطة أو حجية خاصة، هو أمر ممكن الوقوع، بل هو من ضروريات المذهب عند كثير من علماء الإمامية.
وهذا السنخ من التواتر، أي تواتر التشرفات، يختلف عن تواتر الروايات، ويختلف أيضاً عن تواتر إخبارات الأنبياء والرسل. ورغم أننا لم نكن في وارد الخوض في هذا المبحث، فقد استطردنا إليه لأهميته ونُدرة طرحه. وفي عصرنا الحاضر، نجد أن ملايين التجارب المسماة بـ “تجارب الاقتراب من الموت” تثبت لدى أصحابها أموراً غيبية، كوجود البرزخ والملائكة والحساب والكتاب. وهذه السيرة العقلائية عند البشر اليوم، القائمة على تطابق ملايين التجارب التي يمتنع فيها التواطؤ والصدفة، تشبه في منطقها الاستدلالي ما نحن فيه. فكيف بإخبارات الأنبياء والرسل والأوصياء؟
وعلى أي حال، فقد توسعنا في بحث التواتر لما فيه من لطائف، ونرجع الآن إلى بحثنا الأصلي.
الإشكال: كيف يمكن تخصيص الخبر الظني لعموم الكتاب الذي هو قطعي الصدور على نحو وحياني، وليس مجرد قطع حسي؟ وكيف يُحكّم الدليل الأضعف على الدليل الأقوى؟ والجواب عليه: قد مرّ بنا أن الأعلام من الفريقين قد أجابوا عن ذلك بوجود علم إجمالي قطعي بصدور مخصصات كثيرة لتلك العمومات عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وعليه فنحن نقطع بذلك. وهذه السيرة القطعية، لا سيما عند أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، تثبت أن حجية خبر الواحد لم يُعتمد عليها بمفردها كصغرى ظنية، ولا حتى كبرى.
والنتيجة: أن حجية خبر الواحد اعتمدت على عدة من العلوم الإجمالية لكي تتثبت أركانها. وهذه نكتة في غاية الأهمية، وهي أن الاعتماد في حجية خبر الواحد ليس على مجرد ظنية طريقه، بل لا بد أن تكتنف هذا الخبر الظني، سواء في طريقه أم في دلالته، جملةٌ من العلوم الإجمالية القطعية الحجة.
بل لا بد أن تكتنف هذا الخبر الواحد الظنّي، سواء في طريقه أم في دلالته، جملةٌ من العلوم الإجمالية القطعية الحجّة. وهذا جواب مستقل ذكره الأعلام في طيات كلماتهم، ونرجع إلى أصل البحث.
إن الروايات الواردة بأن ما خالف الكتاب فهو زخرف وباطل، أو ما يستفاد منه طرحه، هي روايات متواترة عند علماء مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، [7] لكنها على طائفتين: - الطائفة الأولى: ما دلّ على البطلان المطلق، كقولهم (عليهم السلام): «فهو زخرف» أو «باطل» أو «لم نقله». - الطائفة الثانية: ما دلّ على الترجيح عند التعارض، فتؤخذ مخالفة الكتاب كمرجّح.
وقد مرّ بنا البحث الصناعي في الفرق بين هذين المقامين؛ فمفاد الطائفة الأولى أن عدم مخالفة الكتاب شرط في أصل حجّية الخبر في نفسه، بغض النظر عن وجود معارض له، وسنخ هذه المخالفة هو التباين الكلّي. وأما مفاد الطائفة الثانية فيتعلق بظرف التعارض، حيث تكون المخالفة للكتاب مرجّحاً لأحد الخبرين على الآخر، وسنخ العلاقة هنا ليس التباين، بل قد يكون من قبيل العموم والخصوص المطلق، أو الإطلاق والتقييد، بدليل أن الإمام (عليه السلام) افترض وجود خبرين متعارضين، ومعنى ورودهما في باب التعارض هو افتراض أن كلا الخبرين حائز على شرائط الحجّية المنفردة، أي أن لكل منهما حجّية اقتضائية.
والحاصل: أن هذا البحث الصناعي يجب أن يُميّز فيه بين موارد أصل حجّية الخبر منفرداً، وموارد ترجيحه عند التعارض.
والقاعدة هنا: أن السنّة القطعية هي ميزان للسنّة الظنّية المستفادة من خبر الواحد، سواء في المقام الأول (أصل الحجّية) أم في المقام الثاني (الترجيح).
وقد مرّ بنا أن السيد الخوئي[8] (قدس سره) يرى أن تواتر الأخبار غير الصحيحة سنداً -كالأخبار الحسنة أو القوية أو الموثقة- إذا بلغت خمسة طرق متباعدة بحيث يطمئن بعدم تواطئ رواتها وتمتنع الصدفة، فإنها تشكّل سنّة قطعية.[9] وهذه السنّة القطعية تكون ميزاناً في كلا المقامين، لكن مع التفريق بينهما؛ ففي المقام الأول تكون العلاقة معها علاقة تباين، وفي المقام الثاني علاقة ترجيح.
والنتيجة: أن هناك محكمة دستورية لمتن خبر الواحد، وهذه المحكمة هي الكتاب القطعي والسنّة القطعية. فهي محكمة للمتن، لا للطريق؛ أي أنها لا تبحث في علم الرجال والجرح والتعديل، بل في مطابقة المضمون للوحي الإلهي الذي هو الحاكم والمهيمن.
تنبيه: من باب التذكير، فإن السيد الخوئي (قدس سره) وجلّ تلاميذه، فضلاً عمن هو دونه في التشدّد الطريقي، يتبنون ما هو مشهور عند علماء الإمامية من حجّية أنواع من الخبر لا تصل إلى درجة الصحيح، وهو مبنى دقيق قد لا يلتفت إليه البعض. - فالخبر القوي: وهو ما يرويه راوٍ عامي المذهب لم يوثّق صريحاً ولكن ورد فيه مدح ما، هو خبر حجّة عندهم. - والخبر الحسن: وهو ما يرويه راوٍ إمامي لم يوثّق ولكن ورد فيه مدح، هو حجّة من باب أولى، ورتبته أعلى من القوي. - والخبر الموثّق: وهو ما يرويه راوٍ غير إمامي ولكنه ثقة، هو حجّة أيضاً.
فمشهور علماء الإمامية، ومنهم السيد الخوئي وتلامذته، لم يخالفوا في حجّية الخبر القوي، الذي لم يصل مدح رواته إلى درجة التوثيق، فضلاً عن الحسن والموثّق.
ويتفرّع على ما سبق بحث دقيق حول مراتب الحجّية، فإن للحجّية -مع أنها حكم وضعي- شأناً كشأن الأحكام التكليفية، حيث تمر بمراحل متعددة، منها: - الحجّية الإنشائية. - الحجّية الاقتضائية. - الحجّية الفعلية. - الحجّية التامّة أو المنجّزة.
والتفريق بين هذه المراتب في غاية الأهمية، إذ إن الخلط بين الحجّية الاقتضائية والحجّية الفعلية وآثارها، أو حصر الحجّية في المرحلة الفعلية المنجّزة، هو منشأ لكثير من الأخطاء العلمية، وتترتب على التمييز بينها آثار كثيرة في الاستدلال.