47/11/03
تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد: تحليل منهجي للاعتراضات
الموضوع: تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد: تحليل منهجي للاعتراضات
كان الكلام في تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد الظني، وأصل الاعتراض كما مرّ إجمالاً هو كيف يقدّم الظني على القطعي. فتقدّم جوابٌ مجمله أن خبر الواحد وإن كان ظنياً صغرىً ومفاداً، إلا أن دليله الكبروي قطعي.
بيد أن دعوى قطعية دلالة الأدلة على حجية خبر الواحد، وهو مقصود المتأخرين، تحتاج إلى تفصيل. فالمقصود بالقطعية هنا، كما يذكرون في طيات كلامهم، هو العلم الإجمالي القطعي بصدور مخصّصات عن الأئمة عليهم السلام لعمومات الكتاب، أو عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وعملت بذلك أجيال المسلمين قاطبة.
فإن قيل: إذا كان المراد أن دليل حجية الخبر الواحد قطعي، فأي قطعية هي المقصودة؟ أهو العلم الإجمالي أم شيء آخر؟ قلنا: إن القائلين بالانسداد، على تعدد أسبابه، يرون أن الأدلة في نهاية المطاف دالة على حجية الخبر الواحد الثقة. فهذه الحجية، بخصوصية كونها لخبر الواحد، هي صغرىً ظنية. أما مبنى حجية خبر الواحد، فهل الدليل عليه بهذا القالب قطعي؟ إذا كان بهذا المعنى، فنعم.
أما أن يُدّعى أن الدليل القطعي دال على خصوص مسلك السيد أحمد بن طاووس[1] والسيد الخوئي[2] ، فهذا ما لا يمكن قبوله. فإن كان من باب الانسداد فهو بحث آخر، إذ يلتزم الانسدادي بالعلم الإجمالي، وهو أن لدينا علماً إجمالياً بصدور الوحي عن النبي وأهل بيته في هذه الروايات، وبهذا المعنى يصحّ وصف الدليل بالقطعي.
أما أن مسلك السيد أحمد بن طاووس القائل بأن الطريق هو الحجة، وأن خبر الثقة بمفرده حجة، قد قام عليه دليل قطعي الدلالة، فهذا ما ينفيه واقع المتقدمين من الشيخ المفيد[3] وقبله، إلى المرتضى[4] ، وابن زهرة[5] ، وابن البراج[6] ، وابن إدريس الحلّي[7] ، الذين عدّوا مثل هذا المبنى بدعة في الدين.
نعم، الدليل الفوقاني يدل على نحو من الحجية، إما: - العمل بالخبر من باب الاحتياط الأصولي. - أو حجية الخبر العِلْمي، وهو مبنى القدماء المختار. - أو حجية خبر الواحد.
أما دعوى قيام الدليل القطعي على خصوص حجية خبر الواحد كبروياً بهذا المبنى المعيّن، فهي دعوى غير صحيحة.
والغوص في هذا التدقيق يكشف أن أدلة حجية خبر الواحد، وإن كانت في أصلها فوقية قطعية، إلا أننا نصل إلى مبنى المتأخرين عبر طبقات من الظن، طبقة ظنية ثم ظنية أنزل منها. أما أن الدليل القطعي يدل بذاته وبقالبه على مبنى المتأخرين، فهذا أول الكلام.
لكن يمكن أن يُدّعى أن هذا المسلك، من بين المسالك الثلاثة أو الأربعة، يستند مآلاً إلى ذلك الدليل القطعي، وهذه نكتة يجب الالتفات لها.
والسبب في ذلك هو ضرورة الالتفات إلى أنه حتى أصحاب مسلك حجية خبر الواحد، من السيد أحمد بن طاووس إلى السيد الخوئي، لم يكونوا يمثلون الإجماع. ففي الفترة الممتدة بينهما، لم يكن هذا هو المبنى السائد. ففي عهد الوحيد البهبهاني[8] في القرن الثاني عشر والثالث عشر، لم يكن مبنى أغلبية علماء الإمامية، أصوليين كانوا أم أخباريين، هو حجية خبر الواحد، بل حجية الخبر العِلْمي وسبيل الانسداد. وهذان قرنان مهمان، بل حتى في القرن الرابع عشر، إلى أن تصل النوبة إلى السيد محسن الحكيم[9] وبعض الأعلام المعاصرين، بقي القائلون بالانسداد موجودين.
ويتفرّع على ذلك أن ما ذكره العلامة المجلسي[10] في شرحه “مرآة العقول” من تصنيف الأحاديث على طريقة المشهور، فيه التباس أو غفلة. - فأي مشهور يقصده المجلسي؟ أمشهور مجموع طبقات الشيعة؟ كلا، فإن هذا لا يمنع وجود مبانٍ أخرى. أمشهور المتأخرين؟ هذا أقرب للصواب، ولكن حتى في هذه الحالة، كان الأجدر أن يعبّر بـ “الأشهر” لا “المشهور”. - والفرق بينهما أن “المشهور” يفيد غلبة ساحقة مع ندرة المخالف، بينما “الأشهر” يفيد وجود شهرتين، إحداهما أقوى من الأخرى. - والواقع أنه حتى في الفترة بين السيد أحمد بن طاووس والمجلسي، لم يكن القائلون بحجية الخبر العِلْمي ندرة، بل كان منهم أعلام كبار كالشهيد الأول[11] الذي لم يبنِ في كتبه على طريقة المتأخرين، بل كان يعير بالاً للطريق كركن من الأركان على مبنى القدماء.
فكيف وقع المجلسي (رحمه الله) في هذا الالتباس؟ يظهر أنه تأثر بما رآه عند صاحب المدارك[12] وغيره من نسبة القول بحجية خبر الواحد إلى المشهور، فوقع في هذا الالتباس والتدليس غير المتعمّد، مع أن هذا ليس مسلكه ولا مذاقه. بل إن كثيراً من الأعلام، كعبد النبي الكاظمي وغيره، لهم نقاشات في التوثيقات ولا يأخذون بتوثيقات المتأخرين، ولهم في ذلك مبانٍ أخرى.
والحاصل أن ما وقع فيه المجلسي (رحمه الله) في “مرآة العقول” هو التباس لم يكن ينبغي له.
وإنما نطرح هذا البحث لنبيّن أن لعلماء الإمامية في حجية خبر الواحد مباني ومسالك ومشارب متعددة، وليست القضية مجرد مبانٍ كبرى وصغرى. لكن نعم، الدليل الفوقاني، وهو العلم الإجمالي، هو رئيس الأدلة.
وهنا نكتة مهمة، ففي بحث تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، التجأ الأعلام إلى الرئيس، أي إلى العلم الإجمالي القطعي، لا إلى المرؤوس. فلا يظنّن ظانٌّ أن هذا العلم الإجمالي يمكن إغفاله؛ إذ عندنا علم إجمالي بأن هذا التراث الروائي فيه ما قد صدر عن معدن الوحي، وهذا يلزمنا بالعمل. فالعلم الإجمالي هو العمدة، وما عداه من الأدلة التفصيلية الظنية ما هي إلا مواليد وفروع متولدة عنه، وليست هي الأصول والأسس.
وقد مرّ بنا في الأجوبة عن هذه الشبهة، ووصلنا إلى اعتراض مؤداه أن ما خالف الكتاب من الروايات فهو زخرف وباطل ومطروح.
فالإشكال: أن المخصّص هو أيضاً مخالف لعموم الكتاب، فيلزم طرحه، ومقتضى ذلك عدم جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد. وهذا المبحث يتصل بعمق مع المبحث اللاحق حول دوران الأمر بين كون الخبر مخصّصاً أو ناسخاً، لا سيما الأخبار الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، وهو ما سيتضح أنه متمّم لهذا البحث في العمق.
وقبل أن نواصل عرض الاعتراض والأجوبة، لا بد من نظرة فوقية، أو ما يسمى بلغة العصر “نظرة الأقمار الصناعية”، فهي أهم من الغوص في التفاصيل ابتداءً. إن بحث “تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد” يعني أنك لا تكتفي بإثبات حجية خبر الواحد كحلقة منفصلة، بل لا بد من ضمها إلى حجية الكتاب والنظر في كيفية تناسق وترابط منظومة الحجج بأكملها. فمنظومة الارتباط بين الحجج أخطر من بحث كل حجة على حدة. لا يكفي أن تقول لي: “خبر الواحد حجة”، ثم ماذا؟ لا بد من هندسة صناعية للمجموع.
ولاحظ في الجواب الذي مرّ بنا من الأعلام، أنهم مضطرون للبناء على مبانٍ منظومية وتراكمية. فعندما تساءلوا عن حقيقة التعارض، لم يطرحوه بشكل سطحي. - هل التعارض بين دلالة عموم الكتاب ودلالة خبر الواحد؟ قالوا: لا. - هل التعارض بين سند خبر الواحد الظني وسند الكتاب القطعي؟
أصل الاعتراض في هذا البحث هو أن عموم الكتاب يخصّص بالخبر الواحد. فقالوا إن التدافع والتجاذب والتنافي، إن كان، فهو ليس بين دلالة ودلالة، ولا بين سند وسند، بل حدّدوا منطقة الاحتكاك بدقة. لقد نظروا إلى الكتاب كمنظومة حجج (دلالة وسند)، ونظروا إلى خبر الواحد كمنظومة حجج (صدور ودلالة وجهة صدور)، ثم فحصوا ليروا أين يقع التنافي البدوي الابتدائي.
والنتيجة التي توصلوا إليها هي أن التنافي يقع بين الدلالة الظنية في الكتاب، والصدور الظني في الخبر الواحد.
فقد عيّنوا منطقة التجاذب والاحتكاك والتصادم. وهذه نظرة منظومية بامتياز؛ إذ لاحظوا خبر الواحد كمنظومة، وأي حلقة فيه تتجاذب وتتدافع مع منظومة حجية الكتاب. فلا يكفي القول بتعارض دلالة الكتاب مع دلالة خبر الواحد، ولا يكفي القول بتعارض صدور الكتاب مع صدور خبر الواحد، بل يجب النظر إلى منظومة كلٍّ منهما قبال الأخرى، ثم تحديد موضع الشرارة ومكمن التنافي. وهي نكتة بالغة الأهمية، ويلاحظ هنا أنهم جعلوا الاحتكاك أو التنافي -ولو كان بدوياً ابتدائياً- بين سند الخبر الواحد والدلالة الكتابية الظنية، وإلا فإنَّ دلالة الكتاب الظنية العمومية مع دلالة الخبر الواحد الخاص ليس بينهما تنافٍ عرفاً.
وعليه: فما الذي يمكن أن يكون منشأ هذا التنافي؟ إنَّ منشأ التنافي سيبقى محصوراً بين الدلالة الظنية للكتاب وسند الخبر الواحد. وهذا التركيز من قِبَل الأعلام على هذه النظرة دليل على أنَّ النظرة الصناعية المنظومية لا يُغفل عنها، بل لا بد أن تكون محط النظر.
ففي باب التعارض في نهاية الدورة الأصولية، يلحظ الأعلام في الأدلة منظومة قبال منظومة، ثم يحددون أي حلقة من إحداهما تتنافى مع حلقة من الأخرى، وليس ضرورياً أن يكون التعارض بين دلالة ودلالة من سنخ واحد، ولا بين صدور وصدور، بل قد يكون بين دلالة وصدور. وهذه نكتة يجب الالتفات إليها.
والحاصل: أنَّ هذا التحليل ليس نقداً لكلمات الأعلام، بل هو بيان لارتكازاتهم، فإنَّ حتى أصحاب القول بمبنى حجية خبر الواحد من باب الطريقية[13] ، يرون أنَّ قضية الحجية منظومية؛ فالخبر الواحد منظومة وليس هو طريقاً فقط، والكتاب أيضاً منظومة.
أصل الاعتراض: إنَّ الروايات المستفيضة أو المتواترة تدل على أنَّ خبر الواحد ليس بحجة إذا خالف الكتاب.
والجواب: إنَّ تحليل هذا الجواب صناعياً لا يقل أهمية عن الجواب نفسه. وقد أجاب الأعلام بجواب متين، حاصله أنَّ الروايات الدالة على طرح خبر الواحد المخالف للكتاب على طائفتين مهمتين جداً: - الطائفة الأولى: وهي التي تدل على أنَّ مخالفة الخبر للكتاب تسلبه الحجية من أساسه. ومفاد هذه الطائفة أنَّ الخبر باطل في نفسه، كما في الرواية: «فَمَا لَمْ يُوَافِقْ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ»[14] . فإنَّ جمع الروايات بشكل عشوائيٍّ خطأ كبير، ولا بد من تصنيفها بحسب مفادها. - الطائفة الثانية: وهي الواردة في مقام الترجيح بين الخبرين المتعارضين، ومقتضاها هو الأخذ بالموافق للكتاب وطرح المخالف له أو تأويله.
وعليه؛ فإنَّ الطائفة الأولى ناظرة إلى أصل حجية خبر الواحد في نفسه، ولو لم يكن في البين تعارض. وهذا المفاد يختلف سنخاً عن مفاد الطائفة الثانية. أمَّا الطائفة الثانية، فهي واردة في مقام التعارض بين خبرين، حيث يرجح الموافق للكتاب ويُطرح المخالف له أو يؤول. والسر في اختلافها سنخاً عن الأولى هو أنَّ الترجيح فرع ثبوت الحجية لكلا الطرفين لولا التعارض؛ فدلالة الترجيح تفترض أنَّ كل واحد من الخبرين المتعارضين كان حجة لو انفرد، وهذا يعني أنَّ الخبر المخالف للكتاب في هذا المورد لو لم يعارضه خبر آخر لكان حجةً يُعمل به. فمقتضى الترجيح أنَّ لكلٍّ من الخبرين “حجية اقتضائية”[15] ، ولولا وجود هذا الاقتضاء لما صحَّ الحديث عن التعارض والترجيح أصلاً.
فائدة: إنَّ مبحث مراتب الحجية، والتمييز بين الحجية الاقتضائية والحجية الفعلية، من المباحث الدقيقة والمعقدة في عِلم الأصول، ولا يسوغ للباحث الغفلة عنها.
فالنتيجة: أنَّ مورد التعارض يفترض أنَّ الخبر المخالف للكتاب، الذي صار مرجوحاً، كان ليكون حجةً لولا وجود المعارض. إذن، هذه المخالفة المذكورة في الطائفة الثانية تختلف سنخاً عن المخالفة في الطائفة الأولى. فالمخالفة في الطائفة الأولى هي مخالفة على نحو التباين الكلّي، بينما المخالفة في الطائفة الثانية ليست كذلك، بل هي من قبيل مخالفة الخاص للعام، أو المقيد للمطلق. وعليه، فعندنا نمطان من المخالفة: - الأولى: مخالفة تباينية. - الثانية: مخالفة من قبيل العموم والخصوص، وهي مخالفة بدوية ابتدائية تزول بالتدبر، إذ لا يرى العرف تنافياً مستقراً بين العام والخاص.
والحاصل: أنَّ روايات عرض الأخبار على الكتاب، سواء ما دلَّ على الأخذ بالموافق أو طرح المخالف، هي على طائفتين. وهذا التفصيل الدقيق قد يغفل عنه بعض الباحثين.
توضيح ذلك: أنَّه تارةً يكون الشرط متعلقاً بالخبر في نفسه وبمفرده، بغض النظر عن وجود معارض. فمن شرائط حجية الخبر الواحد في ذاته: - أن لا يخالف الكتاب (بمعنى التباين). - أن لا يوافق العامة (بمعنى صدوره تقيةً). فهذان الشرطان بصياغاتهما الأربع (موافقة/مخالفة الكتاب، وموافقة/مخالفة العامة) قد يُلحظان كشرط في أصل الحجية، وهنا يكون للمخالفة معنى خاص، وهو التباين أو صدور الخبر لغرض التقية. وقد يُلحظان بمعنى آخر في باب الترجيح.
ومثال ذلك: ما أورده السيد محسن الحكيم[16] في كتابه المستمسك، حيث أشكل على المشهور عدم إفتائهم باستحباب الوضوء عند خروج الدم، أو مس الفرج، أو أكل بعض المأكولات، مع ورود روايات مستفيضة بذلك لا معارض لها. ومحور إشكاله أنه إذا لم يكن لهذه الروايات معارض، فلماذا تُطرح لمجرد موافقتها للعامة؟ وهذا يكشف عن الخلط بين شرطية مخالفة العامة في باب الترجيح، وبينها كشرط في أصل الحجية.[17]
إذن، فإنَّ موافقة العامة ومخالفَتَهم على نمطين: - النمط الأول: يؤخذ في أصل حجية الخبر، وذلك عندما يقوم شاهد على أنَّ كلام الإمام (عليه السلام) صدر تقيةً، حتى لو لم يكن له معارض. فوجود قرائن التقية -كأن يكون الإمام في مجلس سلطان جائر- يخل بحجية الخبر من جهة الصدور، بغض النظر عن وجود معارض. ومثال ذلك لو صدر كلام من هانئ بن عروة المرادي في مجلس عبيد الله بن زياد، فإنَّ سياق الحال يجعله مظنة للتقية، وهذا يخل بأصل الحجية، لا أنَّه مجرد مرجح في مقام التعارض.
فلا ينبغي الخلط بين موافقة العامة من النمط الأول (المرتبط بأصل الحجية) وموافقتها من النمط الثاني (المرتبط بالترجيح). فعدم إفتاء المشهور بمشروعية الوضوء في الموارد المذكورة عند العامة، مبني على أنَّ تلك الروايات متضمنة للتقية في نفسها، بغض النظر عن باب الترجيح والتعارض، وهو ما يحل الإشكال الذي أورده السيد الحكيم.
والخلاصة: أنَّ لموافقة العامة ومخالفتها، وكذا لموافقة الكتاب ومخالفته، سنخين مختلفين: أحدهما مرتبط بأصل الحجية، والآخر بباب التعارض. والتمييز بين هذين السنخين أمر بالغ الأهمية، لأنَّ الخلط بينهما قد وقع فيه بعض الباحثين، مما أدى إلى نتائج غير دقيقة. وهذا التفصيل له أثر كبير في مبحثنا هذا وفي باب التعارض على حد سواء.