47/10/19
بنية الخطاب الديي وتعدد طبقات الظهور
الموضوع: بنية الخطاب الديي وتعدد طبقات الظهور
الخطاب الديني هو خطاب في الأدلة، وإن كان السيد الخوئي[1] (رحمه الله) يرى حصر البحث في الأدلة الدينية وأدلة الوحي التي تتضمن أدوات الخطاب الصريحة، كالنداء أو حروف الجر المتعلقة بالمخاطبين، مثل: “عليكم” وما شابهها.
والإشكال: أنه هل يقتصر البحث على هذه الموارد من الأدلة التي تتضمن أدوات تخاطب صريحة؟ أم أن الخطاب الديني والوحياني أعم من ذلك، فلا ينحصر فيما لو تضمنت الأدلة تلك الأدوات، بل يشمل مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]؟
فمثال الخطاب الصريح قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، فهذا خطاب مباشر. أما مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، أو آية الحج المتقدمة، فإنها لا تتضمن تعيين خطاب لمخاطب معين. فهل يقتصر البحث على النمط الأول دون الثاني؟
ماهية الخطاب الديني: بين الاختصاص والعموم
وقد مرّت الإشارة إلى خمسة محاور في تحديد معنى الخطاب الديني، ومنها محور أن الحكم في نفسه شرّعه الله لمن؟ وقد فسّر الأعلام أن البحث في الخطاب الديني يدور حول كونه مختصاً بالمشافهين، أو يعم الغائبين، أو يعم المعدومين. فالبحث في حقيقته هو بحث في الحكم التشريعي، أي: على من شرّع الشارع الحكم؟ ومن هو طرف الحكم عند الشارع؟ فنفس تشريع الشارع للحكم يتوجه إلى المكلف، ولكن في أي دائرة: هل هي دائرة المشافهين، أم دائرة الغائبين، أم دائرة المعدومين؟ إن من وجّه إليه الشارع التشريع معنوياً هو المخاطب، وهذا نمط من الخطاب على المستوى المعنوي، وهذا هو أحد تفاسيره.
المحور الأول: الخطاب بمعنى عموم التشريع
وعليه، فإنَّ الاحتمال الأول لمعنى الخطاب الديني هو أن دائرته قد تكون ضيقة أو متوسطة أو عامة، والمراد به هو نفس التشريع، أي أن الحكم الشرعي يوجّه تشريعه لمن؟ وعلى هذا الاحتمال الأول، فإننا نلتفت إلى دائرة التشريع، وهي درجة من الخطاب المعنوي، بل هو خطاب عقلي، إذ يمكن القول بوجود خطاب عقلي، وخطاب قانوني، وخطاب لفظي لغوي.
أما المحور الثاني في معنى الخطاب، فيدور حول إمكان الإفهام إذا لم يكن معنى الخطاب هو الحوار اللفظي. وهذا أيضاً خطاب عقلي وليس خطاباً لفظياً، فمعنى الخطاب ليس هو التكلم والحوار اللفظي والكلام اللفظي، إنما المراد به الخطاب العقلي؛ فالأول بمعنى التشريع، والثاني بمعنى الإفهام. وهنا يرتقي الظهور إلى درجة التشريع، أي الظهور في التشريع العام. فيكون التخاطب عقلياً لا لفظياً أو كلامياً، وهذا يجري في كلا المعنيين الأول والثاني.
والشاهد على ذلك ما ورد في القاعدة الشريفة: «إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقُرْآنَ مَنْ خُوطِبَ بِهِ»[2] ، وهو صريح في وجود الخطاب. وعليه، يتقرر وجود خطاب عقلي، وخطاب فكري، وخطاب قانوني، وكلها مدارك عقلية، إلى جانب الخطاب الحسي على المستويات السمعية والبدنية.
إنَّ ما ذهب إليه السيد الخوئي (رحمه الله) من أن مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ…﴾ ليس من مورد البحث، إنما يبتني على حصر البحث في الخطاب اللفظي المتضمن لأدوات الخطاب. أما إذا كان الخطاب عقلياً بمعنى عموم التشريع، فإنَّ عمومه هو الحاكم. وعليه، يكون الظهور حجة على كل من شُرّع له هذا التشريع، سواء فهمه أم لم يفهمه.
ويترتب على هذا المحور الأول في معنى الخطاب القول بأن حجية الظهور ثابتة سواء فهمه المخاطب أم لم يفهمه، فمناط الحجية هو عموم التشريع. وإن لم يفهمه المكلف، فهو حجة عليه، لأن معنى الحجية هنا أن التشريع ثابت في حقه. وهذا شبيه بما ذكره الأصوليون في مبحث حجية القطع.[3]
فكيف تفهم النساء بعض الأحكام المعقدة المتعلقة بهن؟ قد لا يفهمها اللفظ مباشرة، بل حتى بعض الفضلاء من الرجال قد لا يدركونها لتعقيدها، ولا يحيط بها إلا الخواص من الفقهاء. فكيف يكون هذا الظهور حجة في وظائف المرأة؟ بل إن كثيراً من وظائف عموم العوام، وبعض دقائق الأحكام، لا يفهمها حتى بعض المجتهدين، ولا يدركها إلا الأساطين من الفقهاء، وغالباً ما يصير سائر الفقهاء تبعياً لهم فيما استنبطوه، وهو ما يمكن تسميته بالتقليد اللاشعوري. وهذه حقيقة واقعة، فليس بالضرورة أن يكون الفقيه أو المجتهد مجتهداً بالحمل الشائع في كل المسائل، بل قد يكون في المسائل المعقدة مقلداً للأساطين من حيث لا يشعر.[4]
والنتيجة: أن الحجية تكون عامة بناءً على هذا المحور، فالظهور حجة لأن الكلام في الخطاب بمعنى عموم التشريع، وحجية الظهور تتأثر بهذا المبحث المفصلي. فبناءً على المحور الأول، يكون عموم التشريع حجة وإن لم يفهمه المخاطب، فشمول التشريع ثابت، وبنية الظهور لا ربط لها بالإفهام والتفهم، وإن لم يفهموه فالحجية ثابتة عليهم، ولو ناب عنهم الأساطين في فهمه.
وهنا يُطرح التساؤل: ما الذي يحرك المكلف حينئذٍ؟ إن المكلف إما أن يقطع أو يظن أو يشك. وهناك مبحث لطيف أثاره الأصوليون مرتبط بباب الاجتهاد والتقليد، وهو أن حجية الظهور غير موقوفة على فهم المخاطب.[5] ومع ذلك، فإنَّ هذا الظهور حجة في حق المرأة مثلاً، وإن لم تكن تفهم كل وظائفها، وهلم جرا. وكذلك الحال بالنسبة لعموم العوام، بل وعموم الفقهاء في المسائل المعقدة، فهم عوام بالقياس إلى الأساطين، بتعبير المحقق الكمباني[6] ، و﴿…وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].
فبناءً على المحور الأول، لا يكون معنى الخطاب تحاوراً لفظياً، بل معناه عموم التشريع وحجيته، وهذا الظهور حجة وإن لم يفهمه المخاطب ويتفهمه، وإنما هناك أولياء فوقه يرعونه ويسددونه.
إذن، صارت بنية حجية الظهور مبنية على هذا المعنى الأول للخطاب الديني، وهو ما يقترب من مبنى الآخوند الخراساني[7] القائل بأن حجية الظهور عند العقلاء لا تختص بمن قُصد إفهامه، بل تتعداه إلى غيره. وهنا نقول أكثر من ذلك: إن حجية الظهور تثبت حتى لمن لا يتمكن من الفهم، وهذا الظهور حجة عليه أيضاً، مما يعني توسعةً كبيرةً في بنية الظهور وحجيته، وهو ما يوافق قواعد علوم اللغة والبلاغة.
وبناءً على المحور الثاني، فإنَّ الظهور بمعنى حجية الخطاب الديني يثبت وإن لم يتمكن المخاطب من الفهم، ويصدق عليه أنه “خطاب”، وهو ما يقبله السيد الخوئي (رحمه الله). يصدق عليه خطاب وإن لم يلتفت إليه المخاطب ويتنبه، وهو خطاب بالمعنى الأعم، والظهور حجة في حقه. وهذه طبقة من طبقات الظهور، ومن المهم الالتفات إليها، حتى لا نجعل الظهور حبيس البيئة اللفظية الضيقة، بل هناك ظهور من هذه الدرجة الرفيعة.
أما المحور الثاني في الظهور، فإنَّ بنيته تدور مدار الإفهام والتفهم وما شابه ذلك، وهو لا يقتصر على الدرجة النازلة من الألفاظ، فليس خطاباً لفظياً فحسب، بل هو خطاب معنوي؛ فالوحي خطاب وإن لم تكن فيه ألفاظ، والإلهام خطاب وإن لم تكن فيه ألفاظ، وهذا يجري على المحورين الأول والثاني.
فما هي هذه الطبقات؟ وكيف تتعدد طبقات الظهور؟ هذا مبحث حساس جداً، لأنه يعتمد على طبقات التأويل، وطبقات الظهور، وطبقات البطون، وهو مبحث لا يتوغل فيه إلا القليل بشكل موزون ومنضبط. ولنشرح هذا المطلب، لارتباطه بمبحث الظهور الذي يعد، كما يقول المحقق النائيني[8] والسيد الخوئي وغيرهما من الكبار، أعظم مباحث علم الأصول. فاستيعاب الظهور كمنظومة وتفاصيل وأبواب هو أمر في غاية الأهمية، وهو ما يعبر عنه في الفلسفات الألسنية الحديثة بـ”تعدد القراءات للنص الديني” أو “فلسفة الألسنيات” أو “الهرمونطيقا”، وهلم جرا.
فكيف تتعدد طبقات الظهور على المحور الثاني الذي ذكره الأعلام، وهو “من قُصد إفهامه”؟ إنها تتعدد بتعدد درجات القدرة على الفهم. وكيف يمكن تصوير ذلك؟ إن هذا المطلب مهم جداً، لأنه مبحث عام في كل أبحاث الظهور.
وهو مبحث يعتمد على قاعدة أخرى مهمة جداً في الظهور، تعتمد عليها العلوم الدينية النقلية كلها، وتبرهن على عمق منهج أهل البيت (عليهم السلام) وعظمته، وهي أنه كيف يتعدد الظهور؟ وهل للظهور طبقات، كما قيل: “إن الكلام ليتصرف”؟ إن للظهور طبقات، نسميها تأويلاً، أو طبقات التأويل، أو طبقات البطون.
إنَّ الكثير من المجتهدين أو الفقهاء، أي أصحاب المسلك المعتاد غير المتعمق، قد لا يلتفتون إلى أن الظهور يمكن أن تتعدد طبقاته ودلالاته، وكلها حجة في مرتبتها، وفوق كل ذي حجة حجة، وفوق كل ذي علم عليم. ومع أنه يوجد ما هو أعلى، إلا أن ما دونه حجة أيضاً في مرتبته.
فقضية طبقات الحجية مبحث أعم من بحث الظهور، بل هو أوسع من كل شيء، لكننا الآن في صدد تعدد طبقات الظهور. وكثير ممن يسلك منهجاً سطحياً أو قشرياً أو حشوياً يرفض أن يكون للظهور تعدد في النص الواحد، ولكن هذا المبنى أنسب للحشوية أو القشرية أو السطحية، أو ما شئت فعبّر.
أما كيف يتحمل الكلام الواحد ظهورات متعددة، فهذا بحث آخر يحتاج إلى تفصيل طويل.
ومن باب المثال، والمثال خير برهان على الوقوع، لاحظ الكتب الكثيرة التي صنفها النحاة في وجوه الإعراب للآية الواحدة. فربما تجد للبسملة أحد عشر وجهاً أو خمسة عشر وجهاً إعرابياً متبايناً. أو مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، انظر إلى وجوه الإعراب المتعددة، وكلها مبنية على القواعد والموازين النحوية.
وكلها على القواعد والموازين، فلا يقال إنَّ واحداً منها صحيح والآخر باطل، بل كلها صحيحة.
وهنا يطرح التساؤل: هل من الضروري حينئذٍ أن نقوم بالترجيح والتوازن بين هذه الوجوه؟ فأصحاب المسلك السطحي القشري يقولون: نعم، لا بد من الترجيح؛ لأنَّ الصواب واحد والباقي خطأ. ولكن أصحاب القول بالتعدد يذهبون إلى أنَّ كلها صحيحة، بل هناك عدة طرق، حتى إنَّ مبحث استعمال اللفظ في أكثر من معنى لمن يتبناه يعد أحد وجوه تعدد الظهور، وكلها حجة. فالطريقة لا تنحصر بتشكيلة واحدة، بل بتشكيلات عديدة: عرضية، وطولية، ومورّبة، ومنظومية، وكروية، وشبكية، وعنكبوتية، وغير ذلك من الأشكال الهندسية المتعددة.
وفي مقام الرد على نظرية الشهيد الصدر[9] ، فإنَّه وإن قبل بأنَّ الأدلة تشمل المعدومين، لكنَّه يرى أنَّها ليست بحجة عليهم لأنَّ العرف لا يفهم ذلك، وهو ما لا نوافقه عليه.
فإذا لاحظنا علوم اللغة، كعلم النحو، وعلم الصرف، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم فقه اللغة، ونحت اللغة، ومفردات اللغة، نجد أنَّ هذه القواعد بطبيعتها تقتضي تشابكاً توليدياً لنتائج متعددة بأشكال مختلفة، مما يؤسس لتعدد الظهور. وكل هذه القواعد صحيحة. وقد يقال: إنَّ المتكلم من غير أهل الوحي لا يلتفت إلى هذا، ولكن الجواب أنَّه إذا كان المتكلم هو الوحي فهو ملتفت بالضرورة؛ إذ هو أبو اللغة ومعجزها.
فمعنى معجزة القرآن في بعدها اللغوي واللفظي أنَّ القرآن يستخدم قواعد علوم اللغة بشكل يعجز البشر عن استعمالها واستثمارها. فالإعجاز اللغوي للقرآن ليس خارجاً عن نظام العلوم اللغوية أبداً، فلا يقال إنَّها لغة ملكوتية وليست عربية، بل الإعجاز يكمن في أنَّ الوحي يستثمر نفس علوم اللغة، ويناسق بينها، ويرابط بينها على نحو يعجز سائر البشر عن هذا الاستثمار والتنسيق والترابط. إذًا، في نفس قواعد علوم اللغة قدرات تفوق طاقة البشر، لا طاقة العرف الساذج فحسب، بل طاقة علماء الأولين والآخرين. وهذا ما يدلل على أنَّ بنية الظهور يمكن أن تكون متعددة، بل كثيرة.
ومثال آخر نختم به، وإن كان البحث في هذه القاعدة طويلاً، وهي قاعدة مهمة وخطيرة جداً تثمر في بحث الخطاب الديني، وهو ما نذكره دائماً في معرض الحديث عن منهج النقد الأدبي؛ فالنقد الأدبي موجود في كل اللغات، ومنها اللغة العربية، منذ أيام الجاهلية الأولى إلى يومنا هذا، مروراً بالجاهلية الأخيرة. فقد كان النقد الأدبي حاضراً دائماً في أيام الحج، وفي مواسمهم كسوق عكاظ، حيث كان العرب يتخذون في كل سنة ناقداً، وقد يجتمع في شخص واحد أن يكون شاعراً وناقداً أدبياً، كما في الخنساء، وهذا قليل الاجتماع. وهذا بحث آخر لا نريد الخوض فيه الآن، لأنَّ النقد الأدبي علم تفصيلي تحليلي، يعتمد على القدرة في العلم التفصيلي والقدرة على التحليل. فالناقد يفهم من كلام المتكلم ما قد لا يلتفت إليه المتكلم نفسه تفصيلاً. إنَّ عملية النقد الأدبي في لغات البشر مبحث حساس وخطير جداً، وهو يبرهن على تعدد قراءة النص، وتعدد الظهور، وهو ما نشير إليه دائماً.
وبهذا نصل إلى أنَّ المحور الثاني يبتني على تعدد الظهور. وسنبين ذلك أكثر لاحقاً، ولكن ليس هو نفسه تعدد الظهور، بل تلك قاعدة أخرى بيناها اليوم، وهي قاعدة خطيرة وحساسة جداً في كل العلوم الدينية.