« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/08/19

بسم الله الرحمن الرحيم

 اعتبار نظام النقل وفهمه علما معتبرا/ مبحث العام والخاص/باب الالفاظ

 

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ اعتبار نظام النقل وفهمه علما معتبرا

 

الإيمان بسيد الأنبياء (ص) إيمان بجميع ما أنزل عليه

كان الكلام في أدلة وجوب الفحص، ووصلنا إلى هذا الوجه: وهو أن نفس الأدلة العقلية الدالة على البحث عن أصل الدين والنبوة وما شابه ذلك، هي بنفسها دالة على لزوم الفحص عن كل حكمٍ في كل مسألة.

ولطيفةٌ وردت في زيارة الإمام الهادي (صلوات الله عليه): أن الإيمان بسيد الأنبياء (صلى الله عليه وآله) يعني الإيمان بجميع ما أُنزِل عليه، وليس الإيمان بسيد الأنبياء يعني الإيمان ببعض ما أُنزِل عليه والجحود أو التمرد على بعض آخر من جهة الإذعان والاعتقاد والتسليم.

الإلزام بأصل الدين والنبوة التسليم بكل مسائل علوم الدين

فالاعتقاد إذن في كل مسألة من مسائل الدين هو نفس الاعتقاد بالنبوة كمجموع مشروع إلهي؛ لأن هذا المشروع لا يصح أن يُقبل في موارد ويُرفض في أخرى. فمثلاً في الزيارات للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) ورد: «اللهم إني أُذْعِنُ وأُسَلِّمُ بما أنزلت على نبيك في عليٍ أمير المؤمنين»؛ فلا يمكن الايمان بالبعض كما قال الله تعالى: ((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)).

فمعنى الاعتقاد بالنبوة وبأنه مرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) هو هوية سارية في جميع المسائل، سواء من علم الكلام أو المسائل من علم الفقه. وهذا هو التعبير الذي يعبر به الأعلام: أن الوجه في الإلزام في أصل الدين وأصل النبوة هو بنفسه يقتضي أن يُسَلِّم الإنسان في كل مسألة من مسائل علوم الدين؛ وهذا هو الوجه العقلي.

الإلزام بالقنوات النقلية عبر السمع والتعقل تفهماً

إذن، أصل المنجزية في منظومة النقل، وليست في الظنون والاحتمالات الكشفية، أو الظنون والاحتمالات في العلوم الغريبة -سواء المحرمة أو المحللة- فتلك ليست قنوات نُلزم بها، إنما نُلزم بهذه القنوات النقلية.

تعدد ألسن أدلة وجوب التعلم من النقل والتفقه فيه

الوجه الآخر هو أدلة وجوب التعلم، وفي الحقيقة ألسنتها متعددة كما مر بنا فيما عقده المرحوم الكليني من أبواب في العلم والتعلم، وكذلك كتب الحديث الأخرى مملوءة بهذا الشيء.

ففي المجلد الأول من (الكافي)، عقد الكليني بعد (كتاب العقل والجهل) (كتاب فضل العلم)، وهذا الكتاب يضم تقريباً اثنين وعشرين باباً، منها:

     «باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه» -وهذا مطابق لما نحن فيه-.

     «باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء».

     «باب أصناف الناس».

     «باب ثواب العالم والمتعلم».

إمضاء الشارع لنظام النقل ونظام الفهم لمعانيه

هنا نلاحظ أن الروايات المستفيضة أو المتواترة تطلق (العلم) على التراكم الظني أو الاحتمالي الحاصل من شؤون النقل والرواية والرواة، أو العلم الحاصل من فهم الأدلة.

فتعبير الروايات بـ (العلم) ليس علماً عقلياً دقياً، وإنما هو علم من تراكم القرائن النقلية. وفي «باب مجالسة العلماء وصحبتهم»، نجد أن تراكم القرائن النقلية بالنسبة إلى ألفاظ الروايات، أو بحور معاني الروايات والآيات، يطلق عليه الشارع أيضاً (علماً). فالعلم حاصل من فهم معاني الروايات؛ إذ إن معاني الروايات والآيات وما تستلزمه من بحور معاني يطلق عليه الشارع علماً.

التفقه هو التفهم للمعاني؛ فالشارع لا يطلق العلم على صِرف ألفاظ الآيات وألفاظ الروايات، بل يطلق العلم على بحور المعاني وطبقات المعاني المستخرجة بتوسط آلية الفهم. قوله تعالى: ((فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)) يعني روى (كناية عن الرواية)، ((لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)) أي ليتفهموا.

فعندنا آليتان:

    1. آلية السمع للعلوم النقلية.

    2. آلية التعقل أو التفهم لمعاني تلك الألفاظ.

وعلى كليهما يطلق الشارع (علماً). فهذا العلم -أو الجزم أو القطع أو الاطمئنان- الحاصل إما من الألفاظ (الآيات والروايات) أو من معاني طبقات تلك الألفاظ، يطلق عليه الشارع علماً.

ومن ثم، استدل الفقهاء والأصوليون بهذه الآيات والروايات إما على حجية نقل الخبر -بصرف النظر عن كونه مستفيضاً أو آحاداً أو متواتراً- واستفادوا منها حجية الخبر، واستفاد الفقهاء أيضاً حجية الفتوى؛ لأنه يطلق على الفهم أيضاً أنه علم.

إذن، هذا النظام والمنظومة من الوصول للأحكام (نظام النقل ونظام فهم النقل والاستنباط والتحليل للنظم) يمضيه الشارع إجمالاً، ويطلق عليه الشارع (العلم).

إمضاء الشارع لحجية القطع يدور مدار المنشأ بموازين صحيحة

لماذا يمضيه الشارع؟ سيأتي إن شاء الله في بحث حجية القطع. مر بنا أن تعبير الأعلام بأن (حجية القطع ذاتية) فيه مسامحة؛ فليس القطع حجة، بل منشأ القطع إن كان يقيناً وموازين سليمة وقويمة فتلك حجيتها ذاتية (مثل اليقين ومطابقة الواقع)، وحينئذ يطلق عليه نعم أنه حجة.

وإلا فإن الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) -وغيره قبله وبعده- ناقشوا القطع الحاصل من (القطّاع)؛ وهو غير السوي في حصول الجزم، الذي يجزم بسرعة، أو ببطء شديد (وسوسة). ليس المدار على المريض بالوسوسة الذي لا يحصل له جزم، ولا على من يجزم بسرعة، فهذا لا يُعذر.

إذن الحجية والتنجيز تدور مدار أن المنشأ الذي انطلق منه الإذعان والجزم إذا كان موزوناً وذو معايير صحيحة (معايير البرهان) فهو حجة، وإن لم يكن ذو موازين صحيحة فليس بحجة.

بين المولوية في العقائد والقطع العقلي المنفرد

تعرض الشيخ الأنصاري في (الرسائل) -تبعاً لمن قبله من الأعلام- إلى نمطين من القطع ليسا بحجة في تنبيهات القطع:

     أحدهما سريع القطع (إذا كان منشأ قطعه غير سوي)، فالمدار على المنشأ القويم؛ فإن كان فيه المعايير فهو حجة وإلا فلا.

     والمورد الآخر الذي نفى الشيخ الأنصاري حجيته هو: القطع في العقائد (العقلي المستبد دون الوحي).

إذا انفرد العقل في المباحث العقلية دون أن يسترشد بالوحي ويتعلم من الوحي، ففي العقائد ليس فيه تعبد صحيح.

لطيفة هنا: مع أن الأعلام يقولون إن في العقائد الشارع لا يُعمل المولوية (ليس هناك تعبد)، إلا أن الشيخ الأنصاري ينقل تسالم الأعلام على أن العقل في العقائد -مع عدم وجود المولوية- فإن إرشاد الوحي ملزم للعقل.

معاني كثيرة للتعبد والمولوية

الشارع ليس له مولوية بمعنى التعبد (أتكلم عن مشهور المتكلمين والفقهاء، وإن كان للمحدثين رأي آخر وهو الصحيح بأن المولوية في العقائد متصورة حتى في التوحيد، ولكن ليس بمعنى الإبهام، فللتعبدية معانٍ عديدة وكثيراً ما تحصل مغالطة فيها).

المقصود -وقد ذكرناه في الإمامة الإلهية وسنخوض فيه في مبحث القطع- أن المولوية تتصور حتى في التوحيد.

الخوض في العقائد من دون استرشاد الوحي غير معذر

لكن حتى لو بنينا على كلام المشهور بأن علم الكلام ليس فيه تعبد مولوية، فقد اشتهر بينهم وتسالموا على أن الخوض في العقائد ومعرفة العقائد بدون استرشاد الوحي، إذا وقع الإنسان الباحث فيه في زلل وضلال، لا يُعذر.

بل إن الشيخ الأنصاري في (الرسائل) يقول: يخلد في النار؛ فإن فيه تعريضاً للهلاك الدائم والعذاب الخالد، وترك الخوف في المطالب العقلية النظرية لإدراك ما يتعلق بأصول الدين. وهذا إلزام عقلي وليس إلزاماً شرعياً اعتبارياً؛ هو إرشاد ولكنه إلزامي.

ألست تقول بوجوب الفحص عن النبوة؟ من الذي يلزمك؟ العقل. هل هذا إلزام شرعي؟ لا، ولا تعبدي. مع ذلك منجز.

الصادق (ع) ونظرية المعرفة بين العقل والوحي

أصل الدين قالها الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في آخر رواية رواها الكليني في (كتاب العقل): مبدأ الدين هو بالعقل، وليس بالمولوية ولا بالتعبدية.

يعني أن هذا الوجوب العقلي الذي يبينه الإمام الصادق مهيمن على كل الدين. الرواية مضامينها فوق عقل الرواة، وفيها يبين الإمام خارطة بديعة في نظام الحجية ونظرية المعرفة بين العقل والوحي.

العقل يهتدي إلى أن المعلم المنقذ له هو الوحي؛ فهو إرشاد ولكنه إلزامي. فالعقل يلزم نفسه بأن يكون المعلم المنقذ له هو الوحي، وأن يتعلم من الوحي.

المدرسة العقلية للوحي تفوق قدرات العقل البشري

فعندما يقال العلم حجة أو القطع حجة، فهذا مرتبط صميمياً بنظرية المعرفة. الشيخ الأنصاري يقول في العقائد: لا يصح أن يتفرد العقل بالعقائد كالفلاسفة (القدماء منهم لا اقلّ) دون الوحي؛ فإذا تفرد لا يكون معذوراً.

وفي حين أن العقل لا يتفرد، فإن اللغة ليست تعبدية ولا مولوية، بل اللغة عندهم عقلية ويتخاطب مع العقل بلغته. الوحي له مدرسة عقلية تفوق قدرات البشر، فلا معنى لنفي اللغة العقلية. مثل بلاغة القرآن انها لغة عربية لكنها تفوق قدرات البشر.

الامتياز باللغة العقلية والعرفانية للوحي على عقل وكشف البشر

كذلك الوحي له مدرسة روحية وعرفانية (رياضة فقه القلوب ورياضة الأرواح ورياضة النفوس)، وعرفان الوحي ليس كعرفان البشر. إذا رأيت نتاج البشر مضطرباً فلا تنفِ العلم الموجود عند الوحي؛ ففلسفة الوحي ولغته العقلية شيء آخر.

نعم، بصراحة في الحوزات العلمية طيلة ألف سنة، قلائل من الأعلام من خاضوا في هذا العلم الوحياني، منهم:

     ابن ميثم البحراني بجدارة (وهو معاصر للسيد ابن طاووس).

     السيد ابن طاووس خاض فيه بجدارة.

     السيد علي خان المدني (صاحب رياض السالكين في شرح الصحيفة السجادية).

     الشيخ البهائي.

     الشهيد الثاني.

     المجلسي الأب.

     ابن ورام (جد السيد ابن طاووس لأمه).

     الديلمي.

ولكن هذه المشاركات والإنجازات التي أنجزها ما يعدون على الأصابع من علمائنا الأعلام، تعد إنجازاً خجولاً وليس بالمستوى اللازم. هذا الباب مجمد على أية حال.

العقل البشري يتعلم من العقل النبوي والكشف البشري يتعلم من الكشف النبوي. الكشف البشري حجيته محدودة والعقل البشري حجيته محدودة وفي هذه الدائرة المحدودة يجب ان يتعلم من الكشف و العقل النبوي صلى الله عليه وآله بل جميع الأنبياء سلام الله عليهم كشفهم ان لم تنطوي تحت كشف سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله فكشفهم ليس بحجة. وكذلك وحيهم ان لم تنطوي تحت وحي سيد الأنبياء فليس في وحيهم نجاة لهم. سبحان الله.

يقول الامام الرضا عليه السلام: اني اكفر بعيسى لا يدعو الى محمد صلى الله عليه وآله.

لابد من الخوض في هذه الخارطة والمهم أن البحث في خارطة نظرية المعرفة وبحث القطع هو خارطة لكل علوم الدين. والذي يترجل فيها يكون كما قال تعالى: ((صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ))؛ فيجب فهم هذه الخارطة جيداً.

 

هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo