« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/08/13

بسم الله الرحمن الرحيم

 وجوب الفحص وأدلة التعلم والتعليم/ مبحث العام والخاص /باب الالفاظ

 

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص / وجوب الفحص وأدلة التعلم والتعليم

 

الارتباط بين أدلة علم الكلام والعلوم الدينية

كان الكلام في تدريجية البيان، ومن ضمنها كما مر: أن الفحص والتصفح ليس في الألفاظ فقط -أي ألفاظ الآيات أو الروايات- بل في تراث المعاني للتراث اللفظي، وهذا التدبر في أمره أهم وأهم. هذا أمر لازم يُثار ويُلفت إليه لأنه ضروري جداً، وتراث المعاني أضعاف أضعاف التراث اللفظي.

نعود إلى ما كنا فيه، فقد تم الوجه من وجوه لزوم الفحص، ونذهب إلى الوجه العقلي الذي تم الخوض فيه إجمالاً؛ وهو أن نفس الأدلة التي دلت على لزوم الفحص عن نبوة مدعي النبوة، أو عن الدين والرسالة -أي أدلة علم الكلام برمتها من التوحيد إلى النبوة العامة والخاصة والإمامة العامة والخاصة إلى المعاد- هي دالة على لزوم الفحص في كل مسألة من علوم الدين ومن فقه الفروع، وبنفس المناط. وهذا مما ينبه على الارتباط الوطيد بين علم الكلام والعلوم الدينية برمتها، وبالذات فقه الفروع، وحتى بين علم الكلام وسيرة المعصومين. إذن نفس الأدلة الكلامية التي اعتمد عليها الميرزا النائيني والسيد الخوئي ومشهور علماء الإمامية، هي بنفسها ملزمة للفحص في كل مسألة من كل علم ديني؛ لأننا ملزمون بأدلة الاعتقاد نفسها.

الآيات على هيمنة علوم أهل البيت (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)

الوجه الخامس مما اعتمد عليه الأعلام للزوم الفحص: ما دل على وجوب طلب العلم. وطبعاً هذا لا يتأتى في بدايات علم الكلام، بل فيما بعد البدايات وكل العلوم الدينية. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، والمراد بـ "أهل الذكر" ليس أهل الكتاب، وإنما أهل الوحي، فالذكر هو الوحي بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ومن يؤتمن على الوحي هم من أشار إليهم القرآن بأنهم يمسون الكتاب وورثوه في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾. وهناك آيات عديدة تدل على علم أهل البيت (عليهم السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد شاركهم الله في تطهيره الخاص في آية التطهير والمباهلة، فخصهم بكرائم المقامات الاصطفائية.

إذن، "الذكر" هم أهل البيت، كما استعمل القرآن الكريم اللفظ أيضاً في سيد الرسل في سورة الطلاق: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾، وأيضاً قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ الدال على معية الثقلين كما في حديث الثقلين الذي هو حديث من الله في القرآن قبل أن يكون نبوياً. فبالتالي الآية توجب العلم في كل مسألة.

تعاظم مساحة الفحص في المعاني على الألفاظ

وكذلك آية النفر: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. وهذه الآية تشير إلى ما مر بنا في الوجه الرابع من أن التراث الأوفر هو المعاني وليس اللفظ فقط؛ فالآية لم تكتفِ بالرواية بل أمرت بالتفقه والتفهم، والعمدة هو التفهم. وقد مر أن هناك روايات مستفيضة عن أهل البيت (عليهم السلام) تفيد أن "دراية ووعاية الرواية أعظم من روايتها"، فمساحة الفحص في المعاني ومعاني المعاني أعظم من مساحة اللفظ.

الاستدلال بآية ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) في ثلاث مواطن التعلم والخبر الواحد والفتوى

هنا نقطة مهمة وحساسة لا بأس أن نلفت إليها: إن الأعلام استدلوا بآية النفر و﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ والروايات المتواترة على "وجوب التعلم والفحص والتعليم والنشر". ونفس هذه الأدلة استدل بها الأعلام أيضاً على "حجية خبر الواحد". وهذا موضع ثانٍ. وهناك موضع ثالث، وهو أن نفس هذه الأدلة استدل بها الأعلام على "حجية الفتوى والإفتاء" (وبعضهم استدل بها على وجوب القضاء). إذن لدينا ثلاث مواطن: وجوب الفحص والتعلم، وحجية خبر الواحد، وحجية الفتوى والتقليد.

إذا دققنا، ما هو الجامع الماهوي بين هذه المواطن الثلاثة؟ وكيف يستدل الأعلام بدليل واحد عليها جميعاً؟ هل هو من باب اللازم والملزوم أم السبب والمسبب؟ إن مفاد هذه الأدلة الدال على وجوب الفحص والتعليم والإرشاد وحجية الخبر والفتوى ليس صدفة. الفرق بين الرواية والإفتاء أن الرواية نقل للألفاظ، أما المجتهد والفقيه فهو لا ينقل عن تراث الألفاظ، بل ينقل عن تراث المعاني؛ يركب سفينة الفهم ويخوض في تراث الدين. والاجتهاد عند مدرسة أهل البيت هو الفهم والإدراك واقتناص الواقع، وليس إنشاء الرأي أو الحكم من القريحة والاستحسان كما عند بعض العامة.

إسناد المجتهد الأحكام الى الله ورسوله بتوسط المعاني

المجتهد يسند الحكم الواقعي إلى الله ورسوله والأئمة، مع أنه لم يسمع لفظ هذا الحكم! فصاحب الجواهر مثلاً تعرض لـ 62 ألف مسألة، وصاحب الشرائع لـ 12 ألف مسألة؛ وجملة منها موجودة بألفاظها في الروايات، لكن كثيراً منها ليست كذلك. فكيف يسندها إلى الشريعة؟ هل هذا كذب؟ حاشا لله. إنه يسندها إلى بحور المعاني، لأن عمدة الدين والشريعة وعلم الكلام والسيرة تكمن في محيطات المعاني. أما الجمود على اللفظ وقول "هذا لم يرد في المقاتل" فهو جمود، لأن العلم معاني واستلزامات (مثل 2+2=4).

التشدد في الألفاظ هو نهج المحدثين والرواة، وليس نهج الفقهاء والعلماء. نعم، هو منطلق، لكنه ليس لفظاً واحداً، بل شبكية من الألفاظ مع شبكية من المعاني، مثل الإلكترونيات والبرمجة الذكية، واستنتاجها ليس سهلاً. وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "لسان الحال أبلغ من لسان القال". أما تجميد المنطلق العلمي في الألفاظ فقط فهو أمر عجيب، لأن نسبة الألفاظ إلى المعاني كما يقول النبي (صلى الله عليه وآله) هي "طرف"، أي حافة الدين، بينما عمدة الدين في المعاني الممتدة اللامتناهية. ولذلك حث القرآن على "التفقه". ولا يجوز لك أن تفتي في أي علم ديني (فقه، عقائد، سيرة) إذا كنت مجرد راوي ومنهجك منهج المحدثين؛ لأنك تستبعد عمدة التراث (المعاني) عن الاستدلال وهذا حرام ولا يجوز. طبعا لابد من الدليل والشواهد والقرائن. هذا البحث ام المسائل لكل العلوم الدينية.

الجامع المشترك بين المواطن الثلاث لأدلة الحجج والحجية

نعود للسؤال: ما هو الجامع المشترك بين هذه المواطن (وجوب التعلم، حجية الخبر، حجية الفتوى) التي استدل عليها الأعلام بنفس الأدلة التي جمعها صاحب الوسائل في كتاب القضاء وصاحب البحار في كتاب العلم وهي مآت الروايات بألسنة مختلفة؟ الجامع بالدقة هو أن الشارع والباري تعالى أراد نشر الوحي بقناة تسمى "قناة النقل" أو "النظام النقلي الحسي" والعلوم النقلية. هذا هو النظام المعتمد لنقل الوحي لعموم المكلفين، وهو مستمر حتى في زمن الظهور والرجعة. وحتى الآليات الحديثة (إلكترونيات، حاسوب، إنترنت) هي نوع من النقل وإن كانت تحتاج لتثبت أكثر.

نظام المكاشفات لا يغني عن نظام الوحي

هذا النظام (النقل الحسي) يقابله "نظام الكشف"؛ فالله عز وجل لا يعتمد في إيصال وحيه لعموم المكلفين على الكشف المباشر لكل فرد، قال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً﴾. بل حتى في عالم الملائكة، هناك نظام هرمي وتبليغ، وليس كل الملائكة يوحى إليهم مباشرة. وهذا إنذار لأصحاب الرياضات ومن يدعي الكشف، بأنكم لا تستطيعون الإحاطة بوحي الله وإراداته عن طريق رياضاتكم.

كما أن العقل البشري حجة، لكنه لا يحيط بتفاصيل الوحي، ولا يغني عنه. وفي المقابل، افتقار العقل للوحي لا يسقط حجية العقل في دائرته الصغيرة؛ فالعقل تلميذ للوحي. وكذلك "الكشف" (الضمير والقلب) لم يلغه الله عن الحجية، لكنه لا يغني عن تفاصيل الوحي. وهذه نظرية معرفة مهمة ترسم خارطة العلوم الدينية في مقابل شبهات الحداثيين والعلمانيين والملحدين، وشبهات المرتاضين وعبدة الشيطان وغيرهم.

هيمنة وحي سيد الأنبياء (ص) على وحي جميع الأنبياء

فالقلب والعقل تلميذان مؤهلان لتعلم الوحي، والوحي مهيمن. ولا بد من الوحي النبوي، فوحي بقية الأنبياء لا يغني دون وحي سيد الأنبياء؛ فوحي موسى (عليه السلام) كان محطة بدائية بالنسبة لسيد الأنبياء، ولذلك أمره الله في آخر حياته أن يذهب ليتعلم عند "الخضر". فجميع الأنبياء نالوا قطرات، والوحي الأكبر عند النبي (صلى الله عليه وآله) وأوصيائه. هذه بحوث مهمة في خارطة المعرفة الدينية وسنمكث فيها طويلاً لأهميتها.

 

هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo