47/08/06
وجوب الفحص وتمامية منجزية العلم الإجمالي/ مبحث العام والخاص /باب الالفاظ
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص /وجوب الفحص وتمامية منجزية العلم الإجمالي
أدلة وجوب الفحص في المعرفة الدينية
من الأدلة - وكنا في أدلة وجوب الفحص - أن أدلة وجوب الفحص، أو نفس مسألة وجوب الفحص كما مر، عبارة عن لزوم تحصيل المعرفة الدينية في العلوم الدينية عامة، وليس فقط في الفروع؛ إذ الفروع اسمها فيها، فهي تبع للأصول. فوجوب الفحص في الحقيقة مَعلم للاحتمال المنجّز على الإنسان في معرفة العلوم الدينية الملزم بها، سواء كانت اعتقادية أو غيرها، أو في الفروع.
منجزية العلم الاجمالي للزوم الفحص في جميع العلوم الدينية
ومن عمدة أدلة هذا الوجوب: العلم الإجمالي؛ وهو العلم الإجمالي بوجود تكاليف وإلزاميات، سواء كانت تكاليف في الدين أو تكاليف في فروع الشريعة، وهذه التكاليف لابد للإنسان أن يخرج من عهدتها، سواء كانت اعتقادية أو فرعية أو آدابية وأخلاقية. وهذا العلم الإجمالي موجود، وقد أُشكل عليه - كما مر – ليس إشكالا من رأس، بل في كليته وعمومه، بدعوى أنه يفيد في غالب المسائل وغالب العلوم، وربما بعد ذلك ينحل، فإذا انحل لا يُلزم المكلف بالباقي وهو المقدار القليل؛ وإن كان مفيداً في الجملة وفي جملة الغالب، وتنجيزه ليس فيه إشكال، إلا أن الكلام في كليته حتى بلحاظ المقدار القليل.
ضابطة الانحلال للعلم الاجمالي الحكمي والحقيقي
طبعا أُشكل على هذا العلم الإجمالي الكبير بإشكال آخر ثانٍ، وهو أن مقتضاه إلزام الفقيه في الفروع، والمتكلم في علم الكلام، والمفسر في التفسير وهلم جرا، بمتابعة كل الكتب الدينية؛ فلا يكفي الفقيه في الفروع مثلاً أن يراجع كتب الحديث فقط، بل لابد أن يراجع كتب الفقه المحتمل وجود روايات فيها، وفعلاً توجد روايات ربما لم يوردها صاحب الوسائل أو المجلسي؛ لأنها ليست في كتب الحديث الواصلة إليهم، أو لم يلتفتوا إليها وإن كانت واصلة، وهلم جرا؛ فهذه دائرة كبيرة من الفحص تلزم، تشمل كتب الحديث المعتبرة وغير المعتبرة في كل حدب وصوب. وهذا الفحص والتتبع ممتنع جداً على الفقيه في كل المسائل، أو يعجز عنه، أو فيه حرج شديد، بل إن فحص مسألة واحدة بهذا الشكل قد يستغرق العمر.
وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن هذا العلم الإجمالي الكبير يضيق بعلم إجمالي آخر أصغر منه، وهو العلم الإجمالي بالتكاليف في الكتب المعتبرة لا غير المعتبرة. وطبعاً هذا الانحلال ليس تكوينياً كما مر، بل هو انحلال تعبدي أو حكمي أو امتثالي؛ لأن ضابطة الانحلال الحقيقي هي أن العلم الأول يتبدد تماماً تكويناً، والحال أننا نرى العلم الإجمالي الكبير على حاله، والعلم الأصغر منه على حاله، لأن أسباب العلم هي هي لم تتبدد أو تتبخر. فإذاً هو انحلال حكمي وليس انحلالاً حقيقياً، بمعنى أن طرفاً يكون منجزاً وطرفاً آخر غير منجز - أو سمّه تعبدياً أو امتثالياً -.
أما الانحلال الحقيقي فيعني أن ما أُجمل عليك في العلم الإجمالي انكشف أنه في طرف معين، فالإجمال تبدد وارتفع وانكشف لك حقيقة الواقع.
منجزية الفحص عن غالب الموارد وانحلال العلم الاجمالي
وإذا كانت الدعوى في البين هي انحلال غير حقيقي؛ فإن الانحلال الحقيقي مثاله ما لو علمت أن قطرة وقعت وسقطت، ثم شككت هل هي قطرة كذا أو كذا، وبعد ذلك بقرائن معينة التفتَّ إلى أن هذه القطرة هي تلك العين النجسة مثلاً، وأنها هي نفسها التي كانت مبهمة مجملة لديك، فهنا يتبدد الإجمال، وهذا انحلال حقيقي، وإلا فالبقية ليست أنواع انحلال حقيقي؛ فيبقى انحلالاً غير حقيقي غايته تنجيز الأغلبية.
الميرزا النائيني يرد الإشكال الأول القائل بأن العلم ينجز في الغالب ولا ينجز في كلية عموم الموارد حتى المقدار القليل الباقي؛ إذ يورد عليه بأن هذا العلم الإجمالي لا يوجب ارتفاع أثره وتنجيزه عن الغالب؛ لأن الفحص عن الغالب - إذا فحص في غالب المسائل واستنبط ووقف - ما زاد على الغالب لا يوجد فيه علم منجز؛ لا أن العلم ما موجود لأن كثيرا من كلمات الأعلام توحي كأنما العلم ما موجود، وهذا مسامحة، بل هو موجود إلا أنه قيل بأنه غير منجز، وهذا بحث آخر.
ويُجاب بجواب آخر غير جواب الميرزا النائيني، وهو أن الأصول المؤمنة لا تجري في الباقي، أي في المسائل الباقية لا تجري البراءة والأصل؛ لأن هذه الأصول إنما هي بعد الفحص؛ وسيأتي - كأحد الوجوه لوجوب الفحص - أن البراءة سواء في المسائل الشرعية أو العقلية هي بعد الفحص وليست قبله، لقصور في أدلتها أصلاً. وانحلال العلم الإجمالي في التنجيز يعني أن طرفاً يُنجّز وطرفاً آخر يُعذّر فيه؛ أما إذا لم يكن لديك عذر، فإن منجزية العلم باقية على حالها؛ لأن هذا ليس انحلالاً حقيقياً بل حكمي. فلو كان عندي علم إجمالي معين بين صلاة الظهر والعصر مثلاً، أو الظهر والمغرب، وقام دليل تفصيلي على منجزية صلاة الظهر، ولم يكن عندي قاعدة فراغ ولا تجاوز ولا براءة في جانب المغرب، فإن العلم الإجمالي يبقى تنجيزه على حاله ولا ينحل. فطبيعة العلم الإجمالي منجزة، فإذا نُجّز منه طرف، وجرى مؤمّن أو أصل مفرغ للذمة ومعذر في الطرف الآخر، حينئذ ينحل حكماً، أما إذا لم يجرِ فلا ينحل. وسيتبين أن الأصول العملية - لا العقلية ولا الشرعية المؤمنة - لا تجري قبل الفحص لقصور في الأدلة، وإنما تجري بعد الفحص.
النائيني : العلم الاجمالي الكبير والصغير لا يوجب إنحلاله
أما الجواب الذي يذكره الميرزا النائيني - والكلام الآن دقيق، فليس الإشكال أن العلم الإجمالي الصغير يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير، بل الكلام أنه بعد الفحص عن الغالب لا يبقى العلم منجزاً - فيقول الميرزا النائيني: لا، يبقى العلم منجزاً، ولا ينحل ولا ينطبق على الغالب. لماذا؟
يقول: لأن هذا العلم الإجمالي "ذو بصمة"، أو "ذو علامة"، أو حيثية. وهذه البصمة الحيثية هي أن لدينا علماً بالأحكام الشرعية في "الكتب المعتبرة الواصلة"؛ فإذا كان لدينا علم إجمالي في الكتب المعتبرة الواصلة، فإن هذا الغالب (الذي فحصناه) لا ينطبق على بصمة المعلوم بالإجمال، أو وصف المعلوم بالإجمال، أو الطابع الموجود على المعلوم بالإجمال. لأن المعلوم بالإجمال هو ورود الأحكام في ذي المسائل كلها في الكتب المعتبرة، وهذا المقدار القليل الباقي لم أفحصه، وحتى لو فحصت الغالب واستنبطت، فكيف ينحل في القليل؟ والمفروض أن المعلوم بالإجمال هو وجود الروايات في جميع المسائل في الكتب المعتبرة "الواصلة"؛ وهذا الوصول لم يتحقق لدي في القليل - والوصول بمعنى ما هو في متناول اليد - فكيف يرتفع؟ وما زال هذا العلم موجوداً وهذا الطابع موجوداً، وهو وصول الروايات في الكتب المعتبرة (أعم من الكتب الأربعة)؛ فالوصول لم يتحقق لدي في القليل، فكيف ينحل العلم الإجمالي؟ ما ينحل، بل يبقى على حاله.
العلم الاجمالي في كل المسائل أوصل الشارع بيانه
وقد استشكل السيد الخوئي ودفع كلام الميرزا النائيني، قائلاً: إننا لا نقول بكون المعلوم ذا طابع ولا ينحل، بل عندنا إجمالاً تكاليف غالبها إذا استنبطه الفقيه فهو منجز، وذاك الطرف الآخر معذر، لا سيما وأن الميرزا النائيني يرى منجزية العلم الإجمالي بنحو الاقتضاء لا بنحو العلية .
ولكن الظاهر أن مراد الميرزا النائيني لم يكن واضحاً للسيد الخوئي - مع أنه تلميذه - وذلك بلحاظ كلمات أخرى للميرزا النائيني؛ فمراد الميرزا النائيني من البصمة بعبارة أخرى: أن العلم الإجمالي في كل المسائل بالنحو المتعارف، فالشارع لم يجعلنا أنبياء ولا رسلاً ولا أوصياء، ولا طريق الكشف المباشر هو قناتنا لاستقاء الأحكام، بل استقاء الأحكام لنا نحن غير الأنبياء وغير الأوصياء وغير المعصومين وغير الأصفياء، وطريقة استقاء الأحكام هي عبر نهر العلوم النقلية؛ وهذا العالم بالتالي في كل مسألة مسألة هو ديدن الشارع على هذا، وهذا العلم الإجمالي الذي عندنا لم يتحقق الفحص عنه بالنسبة للقليل، فلا يقال إنه غير موجود، بل هو موجود، والمفروض أن دأب الشارع هو الإيصال عبر هذا الطريق. فما قرره وقولبه الميرزا النائيني من أن العلم الإجمالي لا ينحل كلام صحيح؛ بمعنى أن منجزيته سارية في كل مسألة مسألة.
منجزية الانحلال الحكمي والامتثال عند المكلف
وبعبارة أخرى: ليس البحث في أن عندنا علماً إجمالياً كبيراً وآخراً صغيراً - هذا ليس محل البحث - بل محل البحث هو هذا العلم الإجمالي الكبير (في الكتب المعتبرة لنفترض)، أليس لازماً امتثاله؟ نعم.
وقبل أن أواصل شرح هذا المطلب، عندنا انحلال - ولو حكمي - للعلم الإجمالي قبل الامتثال، بسبب منجز أضيق في جملة من الأطراف، وتجري في بقية الأطراف أصالة البراءة المعذرة أو المفرغة للذمة؛ هذه حالة من حالات انحلال حكمي للعلم الإجمالي.
وفي حالة أخرى لا، أنا في حال الامتثال، إذا وصلت إلى غالب أطراف العلم الإجمالي وامتثلتها، فهل العلم الإجمالي لا ينجز عليّ البقية؟ محل بحثنا واعتراضنا هذا الثاني، وليس الأول. فالأول: علم إجمالي منجز، يأتي منجز قبل امتثاله ينجز جملة من أطرافه (غالب أطرافه أو بعض أطرافه)، والباقي تجري فيه البراءة مثلاً. أما الكلام ليس في هذا النمط من انحلال العلم الإجمالي.
الامتثال في غالب اطراف العلم الاجمالي لا يسقطه عن المنجزية
الكلام في أن المكلف عندما يريد أن يمتثل منجزية العلم الإجمالي، إذا وصل إلى غالب الأطراف وامتثلها، فهل يسقط العلم الإجمالي عن تنجيز الباقي؟ هذا الإشكال في باب العلم الاجمالي مدفوع عندهم، كيف مدفوع؟
مدفوع بأن الامتثال لا يوجب سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية حكماً؛ فكما سيأتي في تنبيهات العلم الإجمالي: إذا خرج بعض الأطراف عن الابتلاء بعد تنجيز العلم الإجمالي، لا تسقط منجزيته. وإذا امتثل الإنسان بعض أطراف العلم الإجمالي، هل تجري البراءة في الباقي؟ ما تجري. فهذه حالات الامتثال الطارئة وأشباهها، هذه لا تزعزع ولا تسقط العلم الإجمالي عن المنجزية. إذا كان في البين إسقاط للعلم الإجمالي (ولو حكماً) فهو من قبل الامتثال، أما بالامتثال أقول الباقي غير منجز؟ هذا بأي وجه؟ لا معنى له.
ولعل مراد الميرزا النائيني هذا أو غيره - أياً ما كان هذا هم وجه صحيح - أن الغالب هو غالب الامتثال، وليس غالباً بمعنى التنجيز، وإلا إذا من البداية نقول الغالب منجز والغير غالب غير منجز، فأي غالب؟ الثمانين الأولى أم الثانية؟ وبالتالي يكون نفس تنجيز العلم الإجمالي في كل الدائرة، ما افترق.
فإذن الصحيح أن هذا العلم الإجمالي منجز، بل في الحقيقة هذا العلم الإجمالي منجز حتى ليس في دائرة الكتب المعتبرة كما يدعي السيد الخوئي، بل حتى في غير الكتب المعتبرة، كتنجيز ينجز التراث كله. الآن كيف نتخلص من منجزية الكتب غير المعتبرة هذا بحث آخر، ولكن كبادئ ذي بدء، حتى باعتراف السيد الخوئي التنجيز للكل.
وبحث العلم الإجمالي ليس أهميته من جهة أنه منجز ويبني أصالة الاحتياط في الفروع في موارده فقط؛ بل أهمية العلم الإجمالي في كل العلوم الدينية، هو بحث مهم في الحقيقة في كل العلوم الدينية، بأن لدينا علماً إجمالياً - تعال أنت فرغ الذمة منه -، في الرجال عندنا علم إجمالي، في الحديث، في السيرة، في كتب مقاتل عاشوراء، عندنا علم إجمالي، أنت هذا العلم الإجمالي تعال ارفعه، أسقطه عن التنجيز، لا أن الظن المعتبر هو المنجز، لا، الظن المعتبر دوره امتثال تعبدي.
النائيني : العلم الاجمالي بالتكليف لا ينحل حكما ولا وجدانا
أذكر شرحاً للميرزا النائيني يبينه في المقام، أن العلم لا ينحل حكماً ولا وجداناً. يقول الميرزا النائيني: لو كان العلم الإجمالي يدور أمره بين الأقل والأكثر، لكان الأقل منجزاً (كالثمانين) والزيادة (العشرين التي تكمل المئة) شكاً بدوياً، نعم يصير تنجيز العلم الإجمالي في الأقل. أما إذا كان تنجيز العلم الإجمالي دائر بين متباينين، فالعلم الإجمالي لا ينحل لا حقيقة ولا حكماً.
يقول في المقام: هل العلم الإجمالي فيه طابع الأقل والأكثر (غالب وغير غالب)؟ لا، بل فيه طابع المتباين. المتباين هو أن هذه الأحكام الإلزامية من قال إنها في باب الحدود وليست في باب العبادات؟ (أي من بداية العبادات إلى قريب الحدود)، فلماذا جعلنا الغالب هو يمين القضاء والحدود والديات وكذا، دون الطهارة؟ هؤلاء متباينين، ليس فيه أقل وأكثر. كل باب هو في نفسه فيه أحكام شرعية، وكل هذه المسائل فيها أحكام شرعية، فأين الأقل والأكثر؟ وهذه بلحاظ الأبواب، وبلحاظ نفس الباب، الكلام الكلام، لماذا المسائل الأخيرة في الباب هي الزائد دون المسائل الأولى؟ لا، إذا لاحظت بالدقة، حتى في الباب الواحد، حتى في الفصل الواحد متباينين، وليس أقل ولا أكثر.
كلام صحيح دقيق للميرزا النائيني، أن هذا ليس من قبيل أقل وأكثر كي ينحل، بل قبيل متباينين. نعم، لو علمت بقطرة نجاسة في أحد الإنائين، فالإناء النجس واحد لا اثنان، بس هذا الواحد ليس أقل، بل متباينين، واحد مردد وليس واحداً متعيناً كي يوجب انحلال العلم الإجمالي. فإذن يبقى متباينين، وهذا بيان آخر للميرزا النائيني، لا بأس به متين. فمن ثم الصحيح أن العلم الإجمالي ما ينحل لا حقيقة ولا حكماً ومنجز – هنا بحث آخر أكو منجزات تفصيلية وأدلة أخرى - وإلا العلم الإجمالي منجز. وكما مر هذا العلم الإجمالي المنجز ليس فقط في فقه الفروع، بل أيضاً في كل العلوم الدينية، فالأصل أن نفحص.
تدريجية بيان الاحكام والمعارف ووجوب الفحص
وجه آخر ذكره جملة من الأعلام وارتضاه الميرزا النائيني - وإن كان السيد الخوئي بين أن يقبل أو يرفض - لكن وجه جداً متين. سواء كان وجهاً لمناشئ العلم الإجمالي أو هو وجه مستقل في نفسه.
الوجه هذا - ولعله الوجه الرابع أو الخامس فيما مر بنا في وجوب الفحص - هو هذا: أن العقلاء في باب القانون وعلم القانون، أو باب الموالي والعبيد وما شابه ذلك، إذا رأوا ديدناً للمولى والمتكلم أن لا يفصح عن مرامه في كلام واحد، وفي جلسة واحدة، بل يستقصي كلامه ويستوفيه في جلسات.
بل بالنسبة إلى الشريعة والدين نعلم علم اليقين أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة الناس وقابليتهم ما كان ليطلعهم على أحكام الدين دفعة، ما يمكن. فمن ثم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اهتم بأصول التشريع - سواء أصول الدين أو أصول التشريع في الفروع - أما التفاصيل التي هي تحتانية أو وسطانية، أصلاً ليس من الحكمة أن يشغل النبي نفسه في بيانها للناس وهم ما يستوعبون، فأوكلها لأوصيائه.
بل حتى الأئمة (صلوات الله عليهم) أوصياؤه، ديدنهم الملحوظ قطعاً، الإمام الواحد - فضلاً عن أن بينهم توزيع مسؤولية بيان، مثل ما كان بين جدهم وبينهم، لأن الناس ما تتحمل - زيادة على ذلك الإمام الواحد (صلوات الله عليه) دأبه لا يبين الحكم في مجلس واحد، هو نفسه المعصوم الواحد يبين مرامه خلال عديد من المرات.
كما ورد في رواية ظاهراً معتبرة السند، أن زرارة يقول للإمام الصادق: «إني أسألك عن الحج منذ أربعين عاماً ولم تتم مسائله»، أربعين سنة! فقال الإمام الصادق: «يا زرارة! بيت حُجّ إليه قبل آدم بألفي عام (أو بكذا) - وكانت تحجه الملائكة - تريد أن تفنى مسائله في أربعين سنة؟». وقوله "تحجه الملائكة" يعني ضمن ضوابط، ليس بشكل هوجائي فوضوي، فحتى الملائكة في عباداتهم في انضباط حدود ومقررات عبادية، وهذا دليل اشتراك التكليف في الدين، أياً ما كان، فبيت حُجّ إليه قبل آدم وإلى يومنا هذا، تريد أن تنفد مسائله في أربعين سنة؟ لاحظ، أربعين سنة.
فكيف نتمسك بالإطلاق ونحن نعلم بهذا؟ طبعاً الميرزا النائيني في بعض تعابيره يرى أن مقدمات الحكمة ما تجري، والسيد الخوئي يشكل عليه بأنه كيف لا تجري؟ والسيد الخوئي نقل البحث إلى شيء آخر سنبينه غداً إن شاء الله، أصلاً الكلام في وادي والسيد الخوئي (رحمة الله عليه) راح في وادي آخر.
أخذ الشهادة الثالثة في التشهد وتدريجية بيان الاحكام
أياً ما كان، هذا المطلب وجه لم نكمله، وهو وجه عظيم جداً، وسنبين على ضوء هذا الوجه أن قاعدة "لو كان لبان" قاعدة كاسدة عاطلة.
لو كان لبان ماذا؟ مثل قولهم: "لو كان الأذان كذا إذن لبين في زمن رسول الله"، فالشيخ جعفر كاشف الغطاء - مع احترامنا العظيم لقدرته العلمية - يستدل هكذا، وهذا استدلال جداً عاطل. فكثير من الأمور الرسول أوكلها - إما خشية وشفقة من فتنة المنافقين أو كذا - وحولها لبيانات بقية الأئمة.
وكذلك القول: "لو كان التشهد في الصلاة لاطلع عليه زرارة"، لا، ما يمكن أن يطلع عليه زرارة، من قال لك يمكن أن يطلع عليه زرارة؟ بعض القضايا يخفوها الأئمة إما لظرف تقية أو لتسلسل التدريج في البيان.
معقولة أنه في هذا الزمن الطويل موجود لدينا أن "كُدير الضبي" - وهو صحابي، والحمد لله ليس من مصادرنا بل من المصادر العامة القديمة جداً - ذُكر بأنه في القرن الأول كان يأتي بصياغات متنوعة للشهادة الثالثة في التشهد. وكان يسلم على النبي والوصي، لا في التشهد الأخير، بل يسلم عليهما بلفظ الوصي في التشهد الوسطي والأخير؛ لأن عموم المسلمين عندهم مستحب السلام على النبي في التشهد الوسط، والروايات دالة عليه - رواياتنا نحن، روايات الإمام الرضا أو الإمام الصادق دالة عليه -، يستحب السلام على النبي في التشهد الوسطي، ولم يفتِ أحد من الأعلام ببطلان السلام على النبي في التشهد الوسط.
لأن الروايات تعترض على العامة أنهم يبطلون صلاتهم بسبب عبد الله بن مسعود، حيث يسلمون السلام المُخرج «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، هذا مبطل، فاعترض الأئمة على رواية عبد الله بن مسعود في التشهد الذي ينقله عن النبي لأن فيه السلام المخرج، أو «تعالى جد ربنا»، فهذا مبطل للصلاة في الوسط.