« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الأصول

47/08/02

بسم الله الرحمن الرحيم

 وجوب الفحص ورعاية كل التراث/ مبحث العام والخاص/باب الالفاظ

 

الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ وجوب الفحص ورعاية كل التراث

 

الكلام يقع في الأدلة التي استدل بها الأعلام لوجوب الفحص. وفي الحقيقة -كما مر- فإن عنوان "وجوب الفحص" عبارة عن منجزية كل احتمال أو ظن مرتبط بطرق النقل المحتفة بالنقل؛ فالكلام فيها طبعاً. فكل احتمال، ومطلق الظن المرتبط بالنقل، كله منجزٌ قبل الفحص، وليس المنجز فيها بعضاً خاصاً؛ بل كلها منجزة (الاحتمالات والظنون).

الفحص وتعلم الوقوف على مواد الاستنباط

فمعنى وجوب الفحص -كما مر- أن الاحتمال، فضلاً عن مطلق الظن في الطرق النقلية، منجزٌ؛ أي يُكترث ويُعبأ به، ولا يُفرّط فيه. فنفس الاحتمال المرتبط بالطرق النقلية وبعالم النقل وقنواته، يُعبأ به قبل الفحص من دون أي معذّر في البين؛ وذلك مع تسالم الأعلام على أنه قبل الفحص لا يجري أي معذّر أو مبرر، أو أي أصل عدمي أو نافٍ بتاتاً.

بالتالي، الفحص في الحقيقة عبارة عن التعلم، أو الوقوف على مواد الاستدلال والاستنباط، أو التعلم العامي من العلماء. فقبل التعلم إذن، كل احتمال في القنوات النقلية، فضلاً عن مطلق الظن، يُعبأ به ويُكترث به ويُراعى؛ وهذا هو معنى المنجز الموجود الذي لا يقف أمامه أي دليل أو أصل.

وقد مر أن "نظرية الانسداد" -في الحقيقة- اعتمدت على هذا نفسه، أي على أدلة وجوب الفحص، غاية الأمر مع ضميمة مقدمات أخرى، ولكن أصل المنجز في نظرية الانسداد هو هذا. إلا أن الملفت في وجوب الفحص ومنجزية الاحتمال والظن، أن المنجز -على هذه النظرية كما مر- أوسع من الظنون؛ فعلى الأقل "الانسدادي" يحصر المنجزية في الظنون النقلية، أما على وجوب الفحص المتسالم عليه عند كل الأصوليين والإخباريين وعلماء الإمامية، فهو منجز لكل احتمال فضلاً عن مطلق الظن قبل الفحص.

وجوب الحفاظ على كل التراث النقلي الديني

فأصل التراث النقلي برمته منجزٌ قبل الفحص، ويجب أن تعبأ وتكترث به. بعد ذلك افحص وفصّل، فهذا بحث آخر. أما قبل أن تأتي بأدلة معذرة فلا؛ لذلك، إذا تقرر وثبت وجود أدلة على الظن المعتبر، فتلك الأدلة دورها في الحقيقة "معذّر"؛ أي تقول إن الامتثال الظني يكفي عن الامتثال والاحتياط والمراعاة القطعية بحدود ظنون معينة.

وإلا، فنحن عندنا -وسيأتي إن شاء الله- أدلة وجوب الفحص. والآن، بغض النظر عن الاختلاف في تعيين تلك الأدلة: أيها تام؟ وأيها شامل أو غير شامل؟ -حيث سيأتي البحث ولا زلنا في خضمها-، لكن بالتالي هذه الأدلة للفحص تخلق منجزية لكل ما يرتبط بالتراث الديني النقلي، سواء في الكتب التاريخية للدين، أو كتب الحديث.

فالأصل والقاعدة الأولية أنه يجب أن تعبأ وتكترث به. وليس المراد من الاعتداد به ألا تمحص؛ بل محّص، ولكن ليس لك في البداية والابتداء ألا تكترث ولا تعتني، أو تفرط في مساحة دون مساحة. لذلك، لاحظوا سيرة علماء الأمة كلهم على الحفاظ على التراث النقلي، حتى في الكتب والمواد النقلية التي قيل إن احتمالية اعتبارها ضعيفة؛ فهم لا يفرطون في شيء. ولماذا؟ هنا نفس النكتة؛ إذ ليس له معنى أن نجعل تراثنا "بعض التراث" فقط، ونترك البقية لأنه غير معتبر عند البعض أو المشهور، فهذا لا معنى له.

لأن طريقة "براءة الذمة" من المسؤوليات الدينية غير منحصرة بالظن المعتبر. فكما مر بنا، يمكن لعالم الدين في أي علم من العلوم الدينية، أو حتى العوام، مراعاة الاحتياط كسبيل للنجاة. والاحتياط كطريق أعلائي لإبراء الذمة يتوقف على الاكتراث بكل ما يرتبط بتراث الدين، فلا يُفرّط في شيء. فالعبث في التراث، كحذف شيء أو إثبات شيء، هو خلاف الأمانة.

فالأمانة تقتضي وظيفة سنبينها الآن للعلماء والأجيال، وهي عملية حفظ التراث بغض النظر عن مستوى اعتباره؛ فحفظ التراث واجب في نفسه، وعدم التفريط فيه والاكتراث به لازم. والأعلام حين يستدلون بآية ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ...﴾ فهذا معناها؛ أي أنتم أيها المسلمون واجب كفائي عليكم أن ترعوا تراث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتراث أهل البيت (عليهم السلام).

ولا يبعد أن الموجودين في البرزخ الآن أيضاً معنيون بهذه المسؤولية؛ فألف وأربعمائة سنة مع سيد الأنبياء وسيد الأوصياء والأئمة في البرزخ، هم معنيون بحفظ تراثهم وكل ما يصدر عنهم من فعل وقول، فالبرزخ ليس جموداً وموتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون. وهذه عقيدة القرآن، ومن لا يعتقد بالقرآن فهو حر. بل نفس صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والخواص الذين يحيطون به -حيث لا نيابة خاصة ولا سفارة- معنيون أيضاً بحفظ التراث؛ فإذا كان تراث ثلاثمائة سنة يحفظ، فكيف بتراث ألف سنة؟ فكله تراث نقلي يُحفظ سواء في البرزخ أو غيره.

احراق السقيفة للمصاحف وكتب الحديث والاحاديث القدسية

إجمالاً، عدم التفريط في التراث لابد منه، وليس لأحد أن يعبث به. لاحظوا نسخة كتاب قلّ اعتباره، ومع ذلك تجد سيرة المسلمين والإمامية ألا يفرطوا في كتابٍ ما. لذلك شُنّع، بل قيل إن أحد أسباب إقدام الصحابة على قتل عثمان هو أنه أحرق المصاحف؛ فكيف تُحرَق المصاحف؟! التراث لا يُحرق. وطبعاً، أُحرقت كتب الحديث من قبلهم؛ أي الأول والثاني أيضاً أحرقوا كما هو في نصوصهم وكتبهم. وتلك الأحاديث ليست نبوية فقط، بل حتى الأحاديث القدسية أُحرقت.

الاوصياء على تراث الدين الا الائمة (ع)

فالتفريط بالتراث لا يمكن، ولا يمكن جعل التراث مرهوناً بأحد الا أئمة اهل البيت سلام الله عليهم. لأن بحث "وجوب الفحص" -يا إخوان- لا نتلقاه كمسألة في الأصول فحسب؛ بل هو "أم أمهات" البحث في الدين، ونظرية المعرفة. هو يحدد لنا أصل المسيرة في الدين؛ فيجب أن نقيم به مراتب المسائل التي تستعرض في علم الأصول أو الفقه أو أي علم من العلوم الدينية، لا سيما علم الأصول. فهي قضية ليست سهلة أبداً، بل قضية عملاقة جداً ومهمة.

وهذا ما نراه في سيرة المذاهب الإسلامية ومنهم مذهب الإمامية؛ فلا يمكن التفريط، ولا يمكن جعل وصاية على المذهب لأي علم من الأعلام، ولو كان بقامة الشيخ المفيد، أو المجلسي، أو الطوسي، أو الصدوق، أو الكليني أبداً. فلا يمكن لأحد منهم أن يقرر مصير التراث (نعم أو لا) لكل الأمة، كالنجاشي أو الغضائري أو الكشي؛ لِمَ؟ لأن هذه الأدلة تقول إن احتمال التراث لابد من مراعاته. فربما شخص لا يريد أن يسلك طريق الاجتهاد أو التقليد، بل يريد سلوك طريق الاحتياط، والاحتياط نوع من فراغ الذمة، سيما مع الفرق الذي مر بنا بين "الاحتياط العلمي" في علوم الدين والاستنباط فيها و"الاحتياط العملي" في الفقه.

العلوم الدينية أجزاء للوحة الدين المترابطة

من ثم، فإن التراث -كما تمت الإشارة في أبحاث عديدة هذا العام- ومقدار درجة اعتباره، يلحق حتى بأصل العقيدة؛ وسنرى أن عمدة أدلة وجوب الفحص هي نفس أدلة العقيدة. فالعلوم الدينية بالدقة، مجموعها عبارة عن مساحات وأجزاء لمنظومة دائرة الدين. وإذا كان الحال كذلك، فليست العلوم الدينية منفكة عن بعضها البعض، بل مترابطة. وهذا البحث ضروري في مبحث الحجج وعلم الأصول؛ لأن اختصاص علم الأصول بيان المنهجية في العلوم الدينية. فما هي العلاقة العلمية والواقعية بين العلوم الدينية؟ بالتالي توجد علاقة وارتباط.

مجموع العلماء أراء في تقيم تراث الدين

فإذن، أدلة الاكتراث بالتراث الديني هي نفس أدلة الدين والعقيدة. فلا يمكن جعل الممثل لتراث المذهب آراء الشيخ الطوسي وحده، ولا المفيد، ولا الصدوق، ولا الكليني، ولا حتى مجموع العلماء؛ بل التراث شيء يجب رعايته والمحافظة عليه. واختلاف العلماء في تقييم تفاصيل التراث باب مفتوح، لكن هذه القضايا يجب أن تكون واضحة ومهيمنة على مبحث الحجج والظنون المعتبرة.

لاحظ مثلاً "نبذ الشارع للظن القياسي"؛ هذا مبحث مهيمن وفوقي، وليس مبحثاً في عرض الظنون المعتبرة وعدمها. فالشارع يريد أن يحدد لنا خارطة الظنون التي يُعبأ بها؛ فيقول إن الظن القياسي لا يُعتبر، والكهانة والعرافة غير معتبرة، ويحصر الاعتبار في "لولا نفر". واللطيف أن الأصوليين في مبحث حجية خبر الواحد يذكرون بأن آية النفر في صدد الوجوب الكفائي للاعتناء ورعاية التراث النقلي. وليس فقط آية النفر، بل أغلب الأدلة القطعية الدالة على حجية خبر الواحد والظهور، هي دالة -قبل ذلك- على وجوب كفائي لرعاية وحفظ التراث النقلي برمته للأجيال اللاحقة.

الوجوب الكفائي لحفظ العلوم النقلية للاجيال

وهو ما عقده الكليني في "الكافي" (كتابة الحديث وروايته)، والصدوق، وصاحب الوسائل في أبواب القضاء وكيفية الحكم؛ فكل تلك الروايات فيها مفاد مشترك هو الوجوب الكفائي لإحياء وتشييد وإبقاء العلوم النقلية في الدين. وهذا دليل تذكره الأعلام في وجوب الفحص؛ أن كل جيل عليه أن يراعي حفظ التراث.

الآن، كون التراث لا يُتعامل معه بشكل إجمالي فوضوي واسترسالي، فهذا بحث آخر؛ إذ لابد فيه من التمحيص والتنقيح. ولكن ليس معنى التنقيح عدم الاعتداد بما يرتئي الباحث أن درجة احتماله دون المعيار المتوسط؛ فلا يسوغ له ذلك محو التراث أو محقه أبداً، لأن هذه رؤيته الخاصة، والاختلاف موجود في التشخيص. ومن جانب آخر، لو أراد باحث أن يحتاط علمياً، فكل التراث بكل مستوياته مؤثر بالنسبة إليه.

علم الرجال والتراجم والهدف العقائدي و حفظ التراث

فالحاصل أن بحث وجوب الفحص هو أول بادرة في الدين؛ فأدلة لزوم التدين هي بعينها تأتي في قضية حفظ التراث. وليس عبطاً ما فعله الآغا بزرك الطهراني، والسيد محسن الأمين في "أعيان الشيعة"، والميرزا النوري في "خاتمة المستدرك". وهذا ما نراه عند النجاشي والطوسي؛ حيث يذكران هدفين لكتابيهما: الأول عقائدي لإثبات أن المذهب ضارب الجذور منذ عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس مستحدثاً، والثاني حفظ التراث.

لزوم الفحص لحفظ التراث بحيادية

لذلك، يذكر النجاشي كتباً يعتبرها ضعيفة بنظره، لكنه يذكرها حفظاً للتراث. وكذلك الصدوق يأتي بروايات لا يعمل بها ويطعن عليها حفظا للتراث. وكذلك الشيخ الطوسي في التذهيب والاستبصار وكذلك الكليني. وهذا هو سيرة علماء الرواة من تلاميذ الائمة عليهم السلام حيث لم يفرطوا في رواية وكانوا يكترسون بها. هذه سيرة كل مذاهب المسلمين بما فيهم مذهب اهل البيت وبأي واعظ انهم يحتفظون ويصونون كل التراث بغضه وغضيضه؟ هو هذا نفس هذا البحث في وجوب الفحص ولا يسوغون لاحد ان يحرق الكتب. ليس لك ان تمس بالتراث لان هذا امساس بالدين وليس لواحد ان يسلط على الدين ونكتتها حفظ التراث.

اغابزرگ التهراني غض حياته كله تسعين سنة في جمع تراث المذهب لان هذا واجب كفائي عظيم كصاحب الوسائل والشيخ الطوسي. الفقه الاستدلالي اقل من ثلث كتب الشيخ الطوسي لان حفظ التراث شيء مهم وهو في نفسه له موضوعية. وهذا يسبب التنجيز.

هذه المعاني التي ذكرناها اليوم غير المعاني التي ذكرناها طيلة أيام كثيرة في هذا البحث ان معنى وجوب الفحص يعني لزوم حفظ التراث بتمامه وليس معناه العمل العشوائي وبدون التمحيص بها. هذا صحيح ولا كلام في ذلك ولكن هذا يعني التفريط في المرجوح مهما بلغ ضعفه في المرجوحية لانه تراث والتراث يعبأ به حتى لو كان محتملا بالاحتمال الضعيف. فمعنى وجوب الفحص يعني يجب على الامة حفظ التراث وايصاله بأمانة من دون عبث ومن دون تحيز برؤيتكم الخاصة ولا تقوقعوا التراث من انظاركم الخاصة. ابد رأيك ولكن ليس لك ان تعبث بالتراث وتقول انه لا يكترس به. نعم لابد من التنقيح والتفحيص في التفصيلات لكن لا يعني عدم الاكتراث. هذه هي سيرة كل الاعلام الامامية. بل ذكرت لكم ان علماء الامامية كانوا مكترسون بتراث العامة أيضا مع علمهم بان فيه الموضوعات.

حقيقة الزام القران أهل الكتاب بالانجيل والتوراة

وهذا ما بينه القرآن الكريم حتى في التوراة والإنجيل؛ حيث يقول: هب أنكم لم تعتنقوا الإسلام، لكن ليس لكم أن ترفعوا اليد عن محكمات التوراة والإنجيل الموجودة رغم التحريف. التوراة فيها تحريف لكن هذا لا يسوغ رفع اليد عن المحكمات في التوراة والانجيل.

نقطة أخرى ان القرآن الكريم يقول ان التوراة والانجيل التين فيهما المحكمات ولم تنالها يد التحريف ان لم يسلموا ويتبعوا القرآن فلا يكون لهم عذر ان يكونوا ملاحدة وكفار بالانجيل بل لابد ان يؤمنوا لا اقل ويلتزموا بإلزاميات التوراة والانجيل مع ان التوراة والانجيل المحكمات فيهما تدعو الى سيد الأنبياء وتدعو الى القرآن لكن اذا عصوا فيه فلماذا عصوا في البقية. هذه وهذه المسألة -بأي مرتبة من مراتب الحجية والتنجيز في العلوم الدينية- ظاهرة تستحق البلورة الصناعية أكثر فأكثر.

 

هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo