47/08/01
وجوب الفحص وعلم الحديث/ مبحث العام والخاص/باب الالفاظ
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ وجوب الفحص وعلم الحديث
كان الكلام في أدلة الفحص، ومر بنا أن بعض هذه الأدلة وإن لم تكن وافية بوجوب الفحص في كل المسائل، إلا أنها في الجملة ربما تكون وافية، ومع ذلك هي مفيدة عند انضمامها إلى الأدلة الأخرى. ووصل بنا الكلام إلى العلم الإجمالي؛ حيث يوجد علم إجمالي -وهو علم حسي- بهذا التراث الحديثي على اختلاف طبقات كتب الحديث.
الموسوعات الإلكترونية لا يتوفر على تراث الحديث المطبوع أو الحجري أو المحفوظ
تشير الإحصائيات الإلكترونية الموجودة عندنا الآن إلى ما يقرب من أربعمائة ألف حديث، وربما أكثر أو أقل؛ لأن الموسوعات الإلكترونية لا تستقصي كل الكتب المطبوعة، فكثير من المطبوع لم يندرج في الموسوعات الإلكترونية إلى الآن، هذا فضلاً عن المطبوع قديماً ولم يجدد طبعه، وفضلاً عن المطبوع حجرياً، وفضلاً عن المخطوط.
نشر النسخ المخطوطة بنشر الكتروني لحفظ التراث
من الأمثلة على ذلك، أحد الكتب المهمة في الحديث واسمه "المزار القديم"، وهو يعود للقرن الخامس أو أوائل السادس تقريباً، وربما ينسب للراوندي، وقد اعتمد عليه كثير من الأعلام، ومع ذلك هو إلى الآن غير مطبوع حروفياً، بل مطبوع حجرياً فقط، وهي طبعة قديمة ومتعددة. فلو أردنا أن نحصي كتب الحديث المطبوعة حجرياً، والمطبوعة حروفياً، فإن كل الموسوعات الإلكترونية لا تتوفر عليها أبداً، فضلاً عن وجود كتب مخطوطة. وبالأمس كان أحد الإخوة يقرأ رواية عن كتاب لابن شهر آشوب وصل إلى القرن الحادي عشر، ولا أدري إن كانت نسخته المخطوطة موجودة الآن أم لا. فبالتالي، إن كتب الحديث المخطوطة الواصلة إلينا تمثل مسؤولية عظيمة علينا، إذ توجد كتب حديث لم تطبع حروفياً إلى الآن رغم وجود الإمكانيات، وهذه مسؤولية تقع على الكل، وعلينا نحن أيضاً. فمن يلاحظ كتب الحديث يتشكل عنده علم إجمالي كبير يغني عن التصفح، وإن كان هناك خدشة في هذا العلم الإجمالي.
الأزمة في معرفة علم الحديث
طبعاً هذا العلم الإجمالي له مناشئ عديدة، وما ذكرته هو أحد مناشئه، وهو أن يلاحظ الإنسان كتب الحديث؛ فلو سألت الآن أي عالم أو فاضل عن أسماء كتب الحديث الموجودة عندنا، فإننا لا نحفظها ولا نستقصيها، وكذلك لا نستقصي أبوابها. إذن توجد أزمة في علم الحديث، ولكنها أزمة في "معرفتنا" والوقوف على علم الحديث، وليست الأزمة في علم الحديث نفسه. إن أمثال الميرزا النوري، والشيخ عباس القمي، والآقا بوزرك الطهراني، وغيرهم من الكبار، كانوا متضلعين ومتبحرين في علم الحديث، وبالتالي يقفون على المصادر. وبكل صراحة، فإن كثيراً من الفقهاء ليس لديهم تبحر في كيفية الوصول لأبواب الروايات -ولا أنفي وجود التبحر مطلقاً-، وهذا نوع من آليات الفحص المطلوبة، أي المعرفة بعلم الحديث.
نماذج من الغفلة في مواد الحديث وأبواب الاستنباط
سأعرض بخدمتكم تجربتي المتواضعة والناقصة في شرح العروة كمثال؛ توجد اثنتا عشرة رواية صحيحة السند تدل على عدم انفعال الماء القليل، وهذا يكشف عن نقص في تتبع علم الحديث لدى أعلام استمر لسبعة أو ثمانية قرون، ونحن أيضاً عندنا نقص، فالقضية نوعية وليست شخصية. هذه الروايات الاثنتا عشرة الدالة على عدم الانفعال، يوجد في قبالها -كما يقول السيد بحر العلوم رحمة الله عليه- ثلاثمائة رواية دالة على انفعال الماء القليل. ولذا يعاتب صاحب الجواهر الفيض الكاشاني عتاباً شديداً وقاسياً، ويقول: كيف للفيض الكاشاني أن يتلكأ ويتردد في انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة في مقابل ثلاثمائة رواية؟ فبالميزان الشرعي: أين تقع اثنتا عشرة رواية مقابل ثلاثمائة رواية؟ حتى لو كانت صحيحة السند وتأبى التأويل.
التبويب في كتب الحديث اجتهاد
لكن إذا دققنا في هذه الروايات الاثنتي عشرة، نجد أنه ليس لها دلالة أصلاً على عدم انفعال الماء القليل! كيف ذلك؟ إذا راجعت مصادرها في الكتب الأربعة -لاسيما التهذيب- وفي أبواب أخرى، تجد أنها في صدد شيء آخر تماماً، ولكنها أُخذت مبتورة عن أبوابها المناسبة لها في "الوسائل" مثلاً، فتوهمت ظهوراً غير ما هي عليه؛ فبمراجعة بسيطة لأصل الرواية ومصدرها تنحل العقدة. هذا الأمر يحتاج إلى علم حديث وصناعة؛ لأن معرفة التبويب في علم الحديث "اجتهاد"، وهو اجتهاد مفصلي وعمود فقري. التبويب الذي يصنعه الشيخ الطوسي في التهذيب، أو الذي يصنعه الكليني، أو الصدوق في الفقيه، أو الطوسي في الاستبصار، أو البرقي في المحاسن، أو الصدوق في بقية كتبه سواء في الفروع أو العلوم الدينية الأخرى، هو اجتهاد من المؤلف؛ وإلا قد يكون المكان المناسب لهذه الروايات في عشرة أبواب أخرى أو عشرين باباً. عندما يتبع الفقهاء في "اللاشعور" أصحاب الكتب الأربعة، أو يتبعون صاحب الوسائل، أو صاحب البحار، أو صاحب الوافي، أو السيد هاشم البحراني رحمة الله عليه، أو غيرهم من الأعلام الذين لديهم موسوعات وكتب حديثية، فإننا تلقائياً نكون قد قلدنا في خطوة من خطوات الاستدلال دون اجتهاد؛ لأن التبويب خطوة خطيرة ومصيرية وفقارية جداً في استنباط الحديث. فمن قال إن مفاد الرواية هو هذا فقط؟ أو أنها مرتبطة بهذا المجال؟ أنت عندما تجتزئ الروايات عن مواردها الأصلية ترى أنها مثلاً: "اثنتا عشرة رواية صحيحة السند دالة على عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة إلا بالتغير"، ولكنها ليست هكذا، ومفادها شيء آخر، وليست في صدد هذا المطلب، وقد بيناه في شرح العروة.
خطورة التقطيع في الروايات على عملية الاستنباط
مثال آخر: الروايات الدالة على طهارة أهل الكتاب، التي اعتمد عليها كثير من المعاصرين منذ خمسمائة سنة أو مائة سنة تقريباً ولو علمياً. عندما راجعنا هذه الروايات في مصادرها الأصلية، وجدنا أنها ليست في صدد طهارة أهل الكتاب، بل بالعكس، هي دالة على نجاسة أهل الكتاب أكثر دلالة من أدلة النجاسة نفسها! والسبب أنها اقتُطعت واجتُزِئت عن بابها الأصلي، فالإنسان قد لا يلتفت لذلك. إن التقطيع في الروايات نكتة مهمة وخطيرة عجيبة في باب الفحص. وأكثر القوم تقطيعاً للروايات هو الكليني (رحمة الله عليه)، وهذه تجربة إحصائية، مع أن الكليني "أعظم به وأعظم"، لكنه عنده تقطيع، وهذا التقطيع يجعلك تقلده من حيث لا تشعر.
خطورة التقطيع في قلب الظهور الروايات
فمن قال لك يا كليني -رحمة الله عليك- أن الفقرات التي فككتها ووزعتها، أن هذا التوزيع صحيح؟ هذا ليس بصحيح، بل إن هذا التقطيع يقلب ظهور الفقرات، يقلبها تماماً! وأوسطهم في التقطيع هو الصدوق، وأقلهم تقطيعاً رأيت الشيخ الطوسي.
ضبط الطوسي لنسخ الحديث بدون التحيّز لاجتهاد
وهذا عكس المشهور الآن منذ ثمانية قرون، بأن الشيخ الطوسي ليس لديه ضبط ودقة الكليني والصدوق؛ بالعكس أنا أرى الطوسي "أثبت" في بيان الروايات -مع احترامنا العظيم- من الكليني والصدوق. من أي جهة؟ لأن الشيخ الطوسي لا يعبث -لا يجتهد- في نسخ الأصول التي ينقل منها، ولا في المتون، بل يوردها على حالها، وهذا هو المهم. لقد ذكرت لأحد الأعلام الموجودين من الطبقة العليا، وقد صحح كتاباً في الرجال، فقلت له: "أيها الآغا، أين النسخ الأخرى؟"، قال: "أنا أرى النسخ الأخرى ضعيفة، واعتمدت النسخة التي أراها"، فقلت له: "هذا رأيك المحترم، ولكن قد يرى غيرك في هذه النسخ شيئاً آخر، فهذا كتاب رجالي من الأصول المعتمدة، ويجب أن تورد كل النسخ هناك، فقد يخالفك أحد في استظهارك من عبارة المؤلف". فالصدوق والكليني "أعظم بهما وأعظم"، لكن لديهم ترجيح في النسخ، أما الطوسي فلا؛ الطوسي يأتيك بالنسخ على ما هي عليه، ولا يجتهد فيها أصلاً، وهذا مهم جداً. القول بأن الطوسي لكثرة تأليفاته وانشغالاته تكون النسخ التي يعتمد عليها ضعيفة ومشوشة هو قول غير دقيق؛ أنتم لم تلتفتوا لمنهج الشيخ الطوسي! الشيخ الطوسي في الحقيقة يورد لك النسخة في هذا الباب، وفي باب آخر يورد نسخة أخرى ثانية وثالثة، وهذا ليس تناقضاً من الشيخ، بل لأنه لا يجتهد في النقل؛ لأنه لو اجتهد سيحكّم اجتهاده حينئذٍ على استظهار عشرة قرون من الفقهاء، وهذا خطر جداً.
رأي الصدوق في روايات الشهادة الثالثة
لاحظ مثلاً رؤية الشيخ الصدوق في روايات الشهادة الثالثة -بناءً على أن كلامه ليس تقية، ولو أني جازم بأنه تقية؛ ففي نفس كتابه "من لا يحضره الفقيه" توجد أربع أو خمس قرائن دامغة على أن كلامه هذا تقية، ولكن لنفترض أنه ليس تقية، ونحمل كلامه (بأن التقية فقط عند الأئمة، والفقهاء لا يتقون في كتبهم وفتاواهم) على ظاهره-. مع ذلك، ما ذكره الصدوق في روايات الشهادة الثالثة فيه اجتهاد منه بالنسبة للسند وغيره، بينما رأي الشيخ الطوسي في نفس هذه الروايات يخالف الصدوق مائة وثمانين درجة! فرأي الصدوق بحسب ظاهر كلامه يخالفه الشيخ الطوسي في "المبسوط" تماماً، وللأسف لا يوجد اتئاد وتأنٍ من الأعلام في قراءة هذه المواد.
أهمية ضبط المواد الروائية
المقصود أن هذا الفحص هو أول خطوة في الاستنباط، وهو: سلامة المواد الروائية، والإحاطة بالمواد الروائية، وهذه تلاقي عقبات كثيرة جداً. مثال ثالث: ربما توجد عشر قواعد -وليس مسائل- يقول المعاصرون إنه لا دليل عليها إلا الإجماع (والإجماع المنقول غير مقبول والمحصل غير حاصل)، فجعلوها احتياطاً وجوبياً أو استحبابياً. بينما وجدنا نحن لهذه القواعد روايات؛ مثلاً لم يوردها صاحب الوسائل في باب النكاح، بل أوردها في باب الإرث، فغفل عنها المتأخرون والتفت إليها المتقدمون. من هذه القواعد: "الولد يتبع أشرف الأبوين"، و"أشرف الأديان"، وأحكام نسبة الولد وغيرها. قالوا لا دليل إلا الإجماع، ولكننا وجدنا فيها روايات. فقضية التؤدة والتأني في ضبط المواد الروائية صراحةً أمر مفقود، ويحتاج إلى شديد من التأني. فلا تستسهل عندما يقول لك المصحح لكتاب الحديث في الهامش: "هذه الرواية موجودة في كذا باب"، بل راجعها فستجد عجباً وشيئاً آخر، لأن صاحب الوسائل يقطع الروايات كثيراً، والتقطيع يقلب ظهور الرواية.
أصالة الطهارة عامة للشبهة الحكمية ومواد الحديث
مثال آخر، وأمثلة كثيرة صادفتها في سيري الفقهي في الاستنباط: هل قاعدة «كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر» (أصالة الطهارة) دالة على الطهارة في الشبهة الحكمية أم لا؟ ثم إن الشبهة الحكمية أقسام: الطهارة الذاتية، الطهارة العرضية، وربما خمس أو ست أنواع من الطهارة في الشبهة الحكمية، غير الشبهات الموضوعية التي هي كم نوع أيضاً. فهل كلها تدل عليها "كل شيء لك طاهر"؟ الشهيد محمد باقر الصدر رحمة الله عليه في شرح العروة ناقش الأمر "باللتيّاو واللتي"، ومقدمات الحكمة، والعام وانصراف فيه أو ما في انصراف، وبقية العلماء هكذا. بينما لو راجع الأعلام "موثقة عمار الساباطي" -وهي صفحة ونصف في "التهذيب" غير مقطعة- لوجدوا أن الإمام سلام الله عليه يستعرض كل هذه الأقسام، ويجري فيها قاعدة "كل شيء لك طاهر". فالقاعدة وأصالة الطهارة غير مختصة بالشبهات الموضوعية، بل تعم الشبهات الحكمية وبأقسامها. وهذا بحث مهم جداً، فعدم الرجوع إلى المصادر الأصلية (الكتب الأربعة، كتب الصدوق، الطوسي، الراوندي، البرقي، حيث توجد وفرة في كتب الحديث من القرنين الثالث والرابع والخامس) يسبب ما يسبب.
روايات الكتب الأربعة شاملة لكل العلوم الدينية
أين توجد علوم القرآن؟ نحن الآن لو تسأل أكثر الفضلاء والأجلة والأعلام عن الكتب الأربعة ما هي؟ سيقولون: الكتب الأربعة كتب في "فقه الفروع". وهذه غفلة عجيبة جداً! لأن الكتب الأربعة وأمثالها، حتى الوسائل، والله بالله تالله ليست في كتب الفروع فقط، بل هي مشتملة على كل العلوم الدينية: علوم القرآن، علوم المعارف، العقائد، علوم الإدارة، علوم الأخلاق. تبويبهم كان هكذا، فلماذا تعتمد أنت على التبويب وتقلد؟ هذه أخطر خطوة، أن نقلد في الخطوة الأولى صاحب الوسائل وأصحاب كتب الحديث في تبويبهم، وهذا "تقليد غفلوي" -نسبة للشاعر عبود غفلة-، فكيف يكون ذلك؟ هذه أول خطوة مصيرية تحدد المسير وأصل المسار والعيار والمعيار والميزان قبل كل شيء، وللأسف متهاون فيها كثيراً. صاحب الوسائل يقول "يأتي ويتقدم"، فمثلاً "أبواب الدعاء" في كتاب الصلاة للوسائل ليست مرتبطة فقط بالصلاة، بل فيها رياضات روحية، وعلم العرفان الوحياني -وليس العرفان البشري- وفيها الشيء الكثير. ونفس كتاب الصلاة للوسائل فيها أبواب قراءة القرآن، فهل هي مطلقة؟ نعم أبواب قراءة القرآن مطلقة، وفيها علوم القرآن وقضايا كثيرة.
مواد الحديث وأمير المؤمنين (ع) أول من جمع القرآن
لقد استخرجنا -وإن شاء الله يطبع عن قريب ويسهل الله- ثلاثة مجلدات في الحقيقة في جمع القرآن وتدوين القرآن والقراءات، ووقفنا على قضايا عجيبة غريبة! منها أن أمير المؤمنين عليه السلام عنده تسعة مصاحف وليس مصحفاً واحداً! المعروف مصحف أمير المؤمنين، ولكنها تسعة مصاحف دونها أمير المؤمنين بأمر من رسول الله. ووجدنا روايات وقفنا عليها في "أبواب المكاسب المحرمة" تدل على أن المصحف كان مجموعاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله! "يالله بالله عليك" في أبواب المكاسب المحرمة! بمناسبة ما، ولكنها ليست فقط موجودة هناك، بل مرتبطة بأصل: هل القرآن جُمع في عهد رسول الله؟ نعم في روايات أهل البيت أن القرآن مجموع في عهد رسول الله. فإذن أين ذهب هذا الجمع؟ ولماذا لم تقبله السقيفة؟ ولماذا غيرت طريقة الجمع؟ هذه كلها بحوث مهمة.
مواد الحديث والرجعة لعموم الناس أهمية الفحص في تراث الحديث
المقصود أن هذه علوم القرآن، وعلوم المعارف، وهلم جرا كثير. المشهور في باب الرجعة أن الرجعة ليست لعموم الناس، يا جماعة الأعلام رحمة الله عليهم، لماذا؟ قالوا لأن الروايات تقول: «إن الرجعة ليست لعامة الناس، إنما هي لخاصة، لمن محض الإيمان محضاً أو محض الشرك محضاً». دققنا، فوجدنا روايات عديدة تقول إن "العذاب والحساب" في الرجعة هو لمن محض الكفر والإيمان، وليس أصل الرجوع! فكما في القبر (البرزخ)، يدخله حتى الصغير والرضيع والسقط، ولكن الحساب في القبر لمن؟ فانظر إلى طائفة من الروايات غفل عنها المشهور. فأقصد أن المتابعة لأبواب الروايات في كل العلوم الدينية صراحةً فيها نقص. وهذا اسمه فحص، وهو أدق تعبيراً "بحص" (كما في البناء)، لأن الفحص شيء آخر. فنفس الفحص عن مظان الروايات يحتاج إلى فقاهة، ويريد له اجتهاد، ويريد له احتراف في العلم كثير إلى ما شاء الله. والسيرة كذلك، كثير من أسرار سيرة النبي وسيرة الأئمة -صدقني- موجودة في أبواب أخرى، تشرح جانباً من السيرة نحن غافلون عنه، وهو ملف خطير سري في سيرة النبي أو الأئمة والباقي نحن في غفلة عنه.
الشهيد الثاني وفوائد الروايات في الأبواب
فهذا التراث الموجود، وكيفية الاستنباط، وكيفية التنبه والدلالة، نجد أن الشهيد الثاني رحمة الله عليه عنده هذا الدأب في "المسالك" وفي "شرح اللمعة" (الروضة البهية)؛ إن الرواية لما يوردها يقول: "صح أن المشهور استدلوا بها على هذه المسألة، ولكن حيف! هذه الرواية فيها عشر فوائد أخرى ترتبط بمسائل أخرى". وهنا يكتب الشهيد الثاني قائمة بهذه الفوائد لكي لا ينساها، وكلامه صحيح. فرواية حشروها في هذه المسألة، ولكن أصلاً هي غير محصورة وغير مقصورة عليها، بل مرتبطة بعشر أو خمس أو سبع مسائل أخرى مهمة ومصيرية.
أهمية الجدل العلمي لاستخراج كنوز المعرفة في الروايات
فالتبويب هذا، من قال إنه صحيح؟ يجب أن نلتفت مرة بعد مليون مرة أن التبويب "اجتهاد" من أصحاب كتب الحديث، فلا يجوز أن نقلد في هذا الاجتهاد، وهي أول خطوة في الاستنباط نقلد فيها. والسيد الخوئي رحمة الله عليه عندما يقول: "كافي نرجع إلى الأبواب المناسبة"، نقول: سيدنا أين المناسبة؟ هل هي التي بوبها صاحب الوسائل وأصحاب كتب الحديث؟ من قال إن تبويبهم صحيح؟ ومن قال إن هذا الباب يقتصر على هذه الروايات المقدرة التي أتوا بها؟ وأن اندراجها هنا يمنع اندراجها في عشرة أبواب أخرى في مباحث وعلوم أخرى؟ لذلك ذكر أحد الفضلاء بالأمس مطلباً وكلامه صحيح؛ وهو أن الإنسان إذا كان عنده معركة آراء في مسائل مختلفة من علوم مختلفة، يلتفت ويقول: "أها! هذه الرواية عجيبة، إنها تعالج هذه المشكلة العلمية التي العالم الآن في حيص بيص منها". فنفس عملية الجدال العلمي مهيئة جداً للباحث أن يلتفت إلى كمِ الحقائق والمفاد في الروايات؛ وإلا لو أتى للرواية بذهن مسترسل ابتدائي بدوي بدائي، فإنه لا يستخرج كنوز الرواية أو الآية. أما لما يعترك ذهنه بالإشكاليات بين العلماء الأعلام والشبهات، فعندما يأتي للروايات يجد ذهنه يقد ومتنبهاً، ويلتفت أين من أين، ومن أي جهة.
عظمة دراية ووعاية متن الحديث على روايته
فالمقصود أن هذه نكتة جداً مهمة في قضية الفحص، وليس الفحص الذي يقيم الأعلام الأدلة عليه الآن، بل هذه نقطة جديدة أخرى تتعلق بعلم الحديث، والتقطيع، ومناسبات الحديث. ولا يصح القول بأنه "ما عندنا" أو "ما ذكر الأعلام"، بل عندنا وفرة من الأدلة والشيء الكثير، والمشكلة أن التنبه لهذه الأدلة قليل. ولذلك أمير المؤمنين سلام الله عليه والأئمة عليهم السلام يؤكدون وينبهون ويحذرون أنه: «إن رواة العلم كثيرون، ورعاته قليلون»، فرواة العلم ورواية الروايات كثيرون، أما الوعاة (أي الوعي والتنبه) قليلون؛ وليس القلة في الأشخاص والأفراد، بل في طريقة البحث والتنبه وهي نكتة مهمة. جاء شخص للإمام الصادق عليه السلام قائلاً: "أريد أتعلم منك يا ابن رسول الله"، فقال له: "اذهب إلى ذاك وتعلم، وبعدين تعال"، قال: "سيدي أنا ما شاعر بالعلم"، قال: "أنت اذهب إلى هناك"؛ لكي يصبح ذهنك معتركاً ومشوشاً (بمعنى فيه إثارات)، لكي تلتفت بعد ذلك أن ما نذكره لك كم فيه من حقائق ونكات. وكذلك الإمام الرضا والإمام الكاظم عليهم السلام، وحتى زرارة؛ فزرارة قبل أن يتتلمذ على الإمام الباقر والإمام الصادق، وهو شاب، كان من العامة ثم استبصر هو وعائلته، وكان تلميذاً لفقهاء العامة وتلميذاً نابغة ونبهاً؛ فلما استبصر وعكف على الإمام الباقر والصادق، تلقائياً "جرجر" حتى أساتذته السابقين (حكم بن عيينة وحكم بن عتيبة). فالمقصود، انظر إلى ذهنيته، عنده قابلية ومعترك، فيلتفت إلى القضايا أكثر من غيره لهذا السبب. فقضية علم الحديث والفحص فيها شجون كثيرة، وبالتمرس يرى الإنسان كيف يغفل حتى المشهور -وليس فقط الكبار- عن هذه المباحث. وهذه آلية في الفحص أحببت ذكرها، وهي ممارسة من سنة 1410هـ إلى الآن.