47/07/29
تمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص/ مبحث العام والخاص/باب الالفاظ
الموضوع: باب الالفاظ/ مبحث العام والخاص/ تمسك بالعام قبل الفحص عن المخصص
يقع الكلام في استعراض الأدلة التي استُدل بها على لزوم الفحص في عملية الاستنباط؛ وطبيعة هذه الأدلة متعددة، فبعضها -أو كثير منها- يغطي مساحة لزوم الفحص في غالب المسائل لا في جميعها، وذلك على رأي جماعة من الأعلام، بينما تغطي أدلة أخرى نمطاً معيناً من المسائل دون آخر. ومهما يكن، فإنه وإن كانت بعض الأدلة قاصرة عن الشمولية لكل المسائل، إلا أنه لا ينبغي التفريط فيها؛ لكونها دالة على لزوم الفحص ولو في الجملة، وإن كان حرص الأعلام منصباً على الوقوف على أدلة تثبت لزوم الفحص "بالجملة" (أي في كافة المسائل) وليس فقط "في الجملة". وسنتدرج في بيان هذه الأدلة كما وردت في كلمات الأعلام، وصولاً إلى ما اعتُمد عليه لإثبات لزوم الفحص في كافة المسائل.
الوجه الأول الذي اعتُمد عليه في هذا المقام ينطلق من طبيعة الظهور؛ فبيان ذلك أن الظهور الموجود في الدليل الواحد -سواء كان الدليل عاماً أو مطلقاً، ومستنداً إلى أصالة الإطلاق، أو أصالة العموم، أو أصالة الحقيقة، أو أصالة الجد، وما شاكلها من الأصول اللفظية- لا يفيد الظن المعتبر إلا بعد الفحص. فقبل الفحص لا يحصل لدى الباحث ظن بمراد المتكلم، ومن ثَمَّ كان الفحص لازماً شرطاً في انعقاد الظهور أو حجيته. وقد أُشكل على هذا الاستدلال بأنه تام في الجملة، أو ربما بالجملة، ولكنه يحتاج إلى تكميل؛ إذ قد يُخدش فيه بالسؤال عن نوع الظن المراد: هل هو الظن النوعي أم الظن الفعلي؟ فإن قيل بالظن الفعلي فقد يحصل أحياناً بلا فحص فلا يلزم الفحص حينئذ، وإن قيل بالظن النوعي فهو حاصل، والمدار في الحجية عليه. والحق أن هذا الوجه ليس ساقطاً، ولكنه ناقص ويحتاج إلى ضميمة الوجوه الأخرى لتكميله.
الوجه الثاني الذي استُدل به يرتكز على مسألة "المشافَهة"؛ وحاصله أن الخطابات الشرعية موجهة للمشافهين الحاضرين في مجلس التخاطب، وليست شاملة للغائبين عنه، ولا للمعدومين الذين لم يوجدوا حين صدور النص من الأجيال اللاحقة. وبعبارة أخرى: إن الغائب عن مجلس التخاطب والمعدوم يختلفان عن الحاضر المشافَه في عدم إلمامهما بالقرائن الحالية والمقالية والملابسات التي تحف الكلام؛ وحينئذ يلزم هؤلاء (الغائبين والمعدومين) الفحص عن تلك القرائن المنفصلة، إذ بدون الفحص لا يمكن أن يتكون لديهم ظهور كامل وتام ومعتمَد. وهذا الدليل أيضاً تام في الجملة، ولكنه يفتقر إلى التكميل بضمه إلى الدليل السابق وغيره من الأدلة، وإن سُجلت عليه بعض المؤاخذات.
ومن أبرز المؤاخذات على هذا الوجه القول بأن الخطابات في الوحي غالباً لا تختص بالسامع والمشاهد، بل إن لدينا أدلة كثيرة تفيد أن المخاطب ليس المشافَه حصراً؛ فربما يكون المشافَه لا قابلية له للفهم، وإنما هو واسطة لحمل العلم لمن بعده أو لمن هو غير حاضر، مصداقاً لقول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في خطبة الوداع: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». وهذا يشير إلى أن المعنيَّ بالخطاب قد يكون الغائب الذي هو أفقه من الحاضر. ويظهر من الآيات والروايات أن الخطابات الشرعية مصوغة بنحو "القضية الحقيقية" التي تشمل الموجودين والمعدومين، وليست قضايا خارجية مختصة بالمشافهين فقط. بل إننا ذكرنا في أبحاث التفسير أن الخطاب بـ "الدين" في القرآن -لا خصوص الشريعة- غير مختص بالبشر والجن، بل تُخاطب به الملائكة ويُلزمون به، بل وكافة الكائنات بحسب قابليتها؛ فالدين يخاطب به الكل، بخلاف الشريعة التي يُخاطب بها الثقلان (الجن والإنس). ومثال ذلك قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ»، فمع أن الخطاب وجه للملائكة، إلا أنه شمل إبليس (الذي كان من الجن)؛ لكون الخطاب مرتبطاً بأصل الدين. وعليه، فالغالب في خطابات المعصوم أنها بنحو القضايا الحقيقية العامة مثل: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ»، و«يَا أَيُّهَا النَّاسُ»، ونادر جداً أن تكون قضية في واقعة جزئية. ومع ذلك، تبقى لقضية المشافهة مدخلية في ضرورة الفحص عن القرائن التي قد تخفى على غير المشافه، فيحتاج هذا الوجه إلى ترميم.
الوجه الثالث -وهو العمدة- الاستدلال بـ "العلوم الإجمالية"؛ وتقريبه أن لدينا علماً إجمالياً بأن الظهورات في الأدلة مقترنة بقرائن منفصلة، من مخصصات ومقيدات ومبينات وأدلة حاكمة وورود وغيرها. وهذا العلم الإجمالي الحاصل بعد ملاحظة طبيعة الصدور والبيان التشريعي يلزمنا بالفحص؛ إذ نعم بأن الأحكام لا تُبيَّن عادة في دليل واحد مستقل، بل تعتمد على القرائن الموزعة. وهذا العلم الإجمالي منجز وتام، ولكن قد يُسجل عليه إشكال بأنه يوجب الفحص في غالب المسائل لا في كلها؛ إذ لو استنبط الفقيه جملة وافرة من الأحكام لانحل هذا العلم الإجمالي، فما هو الملزم للفحص في المسائل المتبقية؟ كما قد يورد عليه بأن هذا العلم الإجمالي يقتضي الفحص في دائرة وسيعة جداً تشمل الكتب المعتبرة وغير المعتبرة، وكتب الفقه والأصول والحديث، وهو أمر متعذر وممتنع على الفقيه في عمره القصير.
والجواب عن إشكال الامتناع: أن هذا الامتناع بحد ذاته دليل على أن الفقيه لا يصح له الاعتماد على جهوده الشخصية المجردة، بل لا بد له من الاستعانة بجهود من سبقه من العلماء وتراكم خبراتهم؛ كما أوصى العلامة الحلي ولده فخر المحققين بضرورة الاستعانة بتتبعات واستنباطات العلماء، لأن "من استبد برأيه هلك". وهذا يقودنا إلى نكتة جوهرية في عملية الاستنباط، وهي أن الفحص لا يقتصر على مراجعة "كتب الحديث" أو "آيات الأحكام" فحسب، بل يشمل "كتب العلماء" (من فقهاء ومتكلمين ومفسرين وشراح حديث)؛ لا من باب التقليد، بل لأن كتبهم تحتوي على نتائج جهودهم في استخراج القرائن التي قد تخفى على الباحث المنفرد. فمقتضى العلم الإجمالي ينجز علينا الفحص في كتب العلماء لأنها مظان للقرائن النظرية والدقيقة.
وقد نُقل عن السيد أبو الحسن الأصفهاني (رحمه الله) موقفه من مرجعية أحد الأعلام، حيث قال عنه: "إنه قوي صناعياً، لكن تتبعه في كلمات الفقهاء قليل، فلا يجزي تصديه للفتوى". وتأكيداً لأهمية مراجعة كلمات المتقدمين، نذكر مثالاً في مسألة "من زنى بذات بعل تحرم عليه مؤبداً"؛ حيث وقعت غفلة عند متأخري الأعصار عن دلالة كلمة قرآنية محورية هي لفظة "نكح" في قوله تعالى أو في سياق الاستدلال المستند للآية: (من نكح ذات بعل...). فلفظ "نكح" في اللغة أعم من العقد، إذ يشمل الوطء (زناً كان أو شبهة أو عقداً)، وقد نبه على ذلك قطب الدين الراوندي، وتابعه ثلاثة عشر عالماً من المتقدمين، بينوا أن منشأ التحريم المؤبد هو شمول اللفظ للزنا، بينما غفل المتأخرون لعدم التتبع.
إن دعوى تعذر التتبع مدفوعة بأن المطلوب ليس التتبع الاستقصائي الممتنع في كل مسألة، بل لا أقل في "أمهات المسائل" وموارد الخلاف الشديد. كما أن التتبع مشروع ممتد لا ينتهي بكتابة الرسالة العملية؛ فقد نُقل عن الميرزا النائيني أنه بقي ينقح تعليقته على "العروة الوثقى" عشرين عاماً، بل وأعاد كتابتها. وكذلك السيد الخوئي (رحمه الله) الذي مرّ بدورتين من التعليق على العروة، وكان مجلس استفتائه عامراً بكبار العلماء "الجحاجيح" إلى آخر حياته، مما انعكس تغييراً وتنقيحاً مستمراً في فتاواه في "منهاج الصالحين". وكذا ما نُقل عن السيد الروحاني ومباحثته مع السيد علي البهشتي في العروة لمدة خمس عشرة سنة. وهذا السيد اليزدي قد علق على عدد كبير من الكتب الفقهية، مما يكشف أن التتبع المستمر في كلمات الفقهاء هو ديدن المحققين.
وفي مقام معالجة سعة دائرة العلم الإجمالي، ذهب السيد الخوئي إلى انحلال العلم الإجمالي الكبير (المقتضي للفحص في كل الكتب) بعلم إجمالي أصغر (يختص بالمخصصات الموجودة في الكتب المعتبرة)، مما يسهل عملية الفحص ويرفع الحرج والامتناع. إلا أن الميرزا النائيني لم يرتضِ هذا الانحلال، ولم يقبل حصر الفحص في الكتب المعتبرة وكتب الحديث فقط، بل رأى لزوم التوسع. وهنا نلفت إلى ظاهرة جديرة بالتأمل، وهي أن المحققين من "الإخباريين" -كالمجلسي وصاحب الحدائق والشيخ حسين العصفور- كانوا أكثر تتبعاً لأقوال الفقهاء والقرائن من كثير من الأصوليين، رغم مبانيهم، وهو أمر يطرح تساؤلاً حول حقيقة الفحص وحدوده: هل يقتصر على الروايات أم لا بد من مراجعة التراث الفقهي والكلامي برمته؟ وهذا ما سيأتي تحقيقه وتفصيله.