« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه

47/07/13

بسم الله الرحمن الرحيم



 

الموضوع: عقد المكره (29) / مراتب الكلام والاخبار والصدق والكذب والتورية

 

وصلنا في البحث الى عقد المكره وفي ضمن البحث عن مراتب الكلام من اللفظ الى الدلالة الاستعمالية الى الدلالة التفهيمية حيث في علم البلاغة وعلم اللغة يعتبروها دلالة تصديقية وليست تصورية فاي تصديق فيها? كما ان الدلالة التفهيمية دلالة تصديقية بطريق اولى وتوغل في التصديق فضلا عن الدلالة الجدية .

لذلك اختلفوا على ان وضع الالفاظ هو موضوع للدلالة التصديقية او للمدلول التصوري وبالتالي العناوين التي تترتب على التصديق يمكن ان تبدأ من الدلالة الاستعمالية ولا تنحصر بالدلالة التصديقية الجدية بل تصل الى الدلالة الاستعمالية والتفهيمية .

اذن انقسام الكلام الى اخبار وانشاء وما شابه ذلك ايضا هو مراتب من الانشاء والاخبار من ثم كان لترتب العناوين التابعة للاخبار او الانشاء بحسب مراتب الكلام قد تتحقق تلك العناوين كموضوعات لبعض الاحكام .

وكنا في بحث التورية كمثال باعتبار انه اخذ في صدق او رفع الاكراه عدم التمكن من التورية والمشهور لم يشترطوا ذلك وهذا باب مهم ومؤثر ويترتب عليه تداعيات كثيرة ومر بنا كيفية معالجة الاعلام من امثال السيد الخوئي للفرار من الشرط الربوي المحرم في القرض بان لا ينويه بارادة جدية وان اراده تفهيما لكن لا يريده جدا لان حرمة الربا مترتبة على الارادة الجدية لا التفهيمية ولا الاستعمالية .

ففي بحث التورية استدل صاحب الجواهر والسيد اليزدي بان التفهيم بغض النظر عن الارادة الجدية هو عرفا كذب ولكن مر بنا الاستعمالي ايضا هو بمعنى كذب حتى اللفظ قد يكون بمعنى كذب يعني مخالف للواقع ولذلك في قبال هذا ربما يقال المشهور او الكثير يرى ان المصلح صادق وكلام حلال واما المفسد فهو كاذب وتوريته حرام .

طبعا في حقيقة التورية واحكامها اقوال كثيرة وهذه احد الاقوال تفصل بين المصلح والمفسد موضوعا ومحمولا فهناك من يرى ان التورية صدق حتى فيما ليس باصلاح لكن ليس بمفسد والان نريد ان نستعرض كلام صاحب الجواهر والسيد اليزدي ان التورية موضوعا كذب فاذا كان المراد هو الصدق العرفي فهو يصدق حتى على المرتبة الاستعمالية للهازل انه كذب فمجرد صدق عنوان الكذب هو صرف خطوة في الاستدلال ولكنها ليست حاسمة دالة على الحرمة لاننا نريد نعين اي كذب هو الحرام فهل كل ما صدق عليه كذب فهو حرام ام لا ? فحتى الدلالة الاستعمالية يصدق عليها انها كذب وهزل او في التعريض فهو خلاف الواقع .

مثلا زيد كثير الرماد هو اصلا ليس عنده رماد حتى لو كان كريما ربما تقول هو كناية اذن المعنى التفهيمي شيء اخر او المراد الجدي لكن يبقى انه ليس مطابقا للواقع اما الاستدلال بالغش والخداع والتلبيس والغدر فهذه عناوين في نفسها محرمة فهل هي محرمة من باب الكذب او ان الكذب محرم لاجلها? يعني هي اصل في تحريم الكذب لكن ليس بالضرورة اذا حصل التدليس او الغش او التلبيس او الخداع او الغدر يكون في البين يعني كذب لفظي .

كلامنا الان في الكذب اللفظي بخلاف الكذب العملي او كذب للاعضاء وقوى اخرى في الانسان فلا نخلط بين الكذب في اللسان والكذب في بقية الجوارح نعم صحيح لغة ماهية عقلا ان الكذب والصدق في كل عضو بحسبه لكن الان الكذب منحصر في الكذب اللفظي وفي اللسان .

هذا المقدار من الاستدلال الذي ذكره صاحب الجواهر والسيد اليزدي عليه ملاحظة موجودة لا اقول لا نكترث لكن بهذا المقدار عليه ملاحظة .

استدلال اخر ايضا ذكره السيد اليزدي وهو استدلال ثالث ان المتكلم هو اراد ان يفهم السامع ما هو خلاف الواقع? وهذا هو الكذب وليس شيء وراء ذلك .

هذا الاستدلال ايضا فيه تأمل فالمتكلم عندما يستعمل التورية استعمل الكلام فيما يفهم خلاف الواقع وهو الكذب والتغرير .

ويرد على هذا الاستدلال انه من قال لك ان التورية كلها هكذا فهناك اقسام من التورية وهي الاكثر مثلا تقول ما اكلت التفاح فهنا (ما) ليست نافية وانما تستعمل (ما) الموصولة ولكن السامع غير نبيه لان الالفاظ المشتركة في الصوت فقد يكون الصوت وقد يكون جار ومجرور مثل على ما وعلامة فالصوت الواحد يشترك في الفاظ عديدة فهذا ليس من مسؤوليتي انه لا يلتفت .

هذا شبيه باب النكاح والبيع متى يحصل الغبن والغرر? انه اذا كان الانسان يعتم على الواقع ويخدع الطرف الاخر فالمفروض هو بحسب الاصول العقلائية يفحص فحينئذ لا يعني انا خدعته وانما انا استعملت منطقة رمادية المفروض هو ينقب فالكذب حرام اما الصدق ليس بواجب يعني ليس من الضروري ان تكشف له الحقيقة نعم لا تغطي الحقيقة اما ان تكشف له فليس بضروري .

وحتى المشترك اللفظي نفس الكلام مثلا قلت كلمة عين ما هو المراد منه? او مثلا مشترك صوتي مثلا ما الموصولة و(ما) النافية مشترك لفظي وعندنا مشترك صوتي يعني بعض الكلمات هي بطبيعتها مشتركة فلا يمكن ان يحتج علينا السامع بانه انا فهمت هكذا وانك لبست علي فانا ابهمت في البين لا اني افهمت خلاف الواقع .

كثير من التوريات بهذا المعنى مثلا ايتها العير انكم لسارقون هم فعلا سرقوا النبي يوسف لكن الان سرقوا صواع الملك او سرقوا يوسف فاذا انت تدقق تجد الكلام مفككا عن بعضه البعض ولا يوجد افهام بخلاف الواقع لكن السامع ليس بنبه وفطن .

اذن من قال ان التورية دائما فيها ايهام وتلبيس وغرور وخداع لكن ليس من الضروري ان اكشف ملفاتي ومعلوماتي للطرف الاخر ولست ملزما بذلك وانما هو ليس حصيفا ونبيها اذن دعوى الاعلام ان التورية بقول مطلق غش وخداع وتفهيم لغير الواقع هذه مسامحة فكثير من التورية ليست من هذا القبيل ان لم يكن هي الاكثر وحتى هذا القسم الذي يفترض فيه التفهيم ولكن في هي الدرجة ارادة جدية وسنأتي عليها ايضا نبين انه كيف لا يندرج في الحرمة? .

الدليل الرابع ساقوه في هذا المجال باستعمال الروايات انه كذب لكن في الاصلاح جائز حيث الروايات تقر ان الذي يوري فهو كذب لكنه جائز .

الجواب انه عدد من هذه الاخبار تبين الكذب في الاستعمال او مقام التصور ومقام التصديق والكذب بلحاظ هذه المقامات هل هو موضوع الحرمة ام لا? هذا موضوع اخر الان مثلا لاحظ الصدق والكذب في باب الفجور كالزنا واللواط والسحر فالشارع لم يجعل الصدق والكذب هو مدار الحلية والحرمة وانما المدار هو المراد الجدي لا المراد التصوري ولا اللفظي بل المراد الجدي المقرون بالحس هو مقرون باربعة شهداء حينئذ الشارع جعل هذا صدقا حلالا والا فهو كذب ﴿فان لم يأتوا باربعة الشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون﴾[1] .

فالكاذب الخلل فيه ان كلامه ليس مطابقا الواقع ولكن جعله مقرونا باثبات وليس فقط بثبوت وهنا الشارع تصرف في الموضوع وليس فقط تصرف في المحمول وفي جانب الصدق وانما ايضا تصرف الشارع قال انما يكون صدقا اذا قرن بالشهود الاربعة والا فهو كذب وهذا يدل على ان الكذب والصدق الذي يأخذه الشارع موضوعا للاحكام ما هو هويته? افترض هو كذب تكويني لكن اي كذب اخذه الشارع موضوعا ؟ فالعقل يشتبه اذا يظن ان الكذب مطلقا فاسد او الصدق مطلقا صلاح وانما يجب ان نرى اي درجة من الفساد واي درجة من الصلاح هي موضوع الحرمة ؟ فقل اي موضوع اخذ في الحكم درجة تختلف من موطن لاخر .

كما ان الشارع يقول من يكون محامي دفاع عن الطواغيت والظالمين فهذا خائن وان كان مورد الدعوى وفي بقعة صغيرة مطابقة للواقع لكن هذه من اكبر الخيانات ومن اكبر الدجل ومن اكبر الحرمات ولا تجادل عن الذين يختانون انفسهم هناك ايات عديدة تندد بتبرأة الظالم حتى في بقعة صغيرة فهو حرام عند الله وان كان بحسب عقولنا هذا مطابق للواقع ولكن عند الشارع هذا حرام .

فالنقطة واضحة ان الصدق والكذب في مقام النزاع والخصومة له مدار ومعيار اخر عند الشارع فيشترط في المحامي ودخوله في النزاعات عدة شروط صعبة منها الا يكون محاميا عن الطواغيت ولا يكون تبرئته نوع دعم لهم . لاحظ لا تجادل لا تكن للخائنين خصيما لا تركنوا يعني عدة ايات موجودة وقوله لا تجادل صريح في نفس المنطق ان تبرئة الطواغيت محرم يعني انه اذا ركزت على بقعة صغيرة ولو كانت مطابقة للواقع فانت سببت تعمية الذهن العام عن ملاحظة جرائم هذا الطاغوت المجرم وهذا دجل وغدر .

في مؤتمر عقد في قم حول الصليب الاحمر الدولي قلت لهم انتم مشكلتكم انكم تبرؤون الجناة في اي حرب تقع في الارض? فتبرؤون بقعة فتعمون على الذهن البشري جرائم تلك الدولة فهي مثلا تركز على ملفات لم تقع من مجرمي حرب لكن هي في الواقع عبارة عن خداع اعلامي انت تركز العدسة على منطقة تجعلها تتغافل عن مناطق اجرامية دموية له فبالتالي الذي يخاصم عن الطواغيت والمجرمين هو كاذب لانه يستلزم اعطاء طابع اخر للظلمة كبني امية وبني العباس او السقيفة .

المقصود ان هذه الادلة التي استعملها الاعلام محل التأمل ومنها نخلص الى باب الدراما او الكتابة القصصية الروائية للافلام فالعرف البشري لا يعتبره كذبا لانه ليس مدار الصدق والكذب عندهم هو التفاصيل وانما على لباب الفكرة والواقع اما انه كيف ركب الفرس او كذا فهذه ليست محل اهتمام .

لاحظ الحشويين والقشريين والسطحيين يقولون فلان مقتل ذكر كذا وفلان خطيب قال كذا نقول هذا ليس المهم وانما المهم انه وقعت فاجعة كبيرة وحصل فيها قتل وحصل فيها هتك اعراض وحصل فيها ما حصل ليس بمهم انه في الساعة الفلانية وقعت هذه الواقعة ام لا? نعم التدقيق كل ما يكون اكثر فلا بأس لكن لا ان تحرف البوصلة .

او انت الان في الحوار المذهبي وهو قال هذه الرواية ليس موجود في البخاري قلنا كيف غير موجودة? قال ليست موجودة بهذا الرقم والتسلسل وانما بفاصل اربع صفحات فهل ما يرويه البخاري معلق على الرقم المسلسل السابق او اللاحق او على وجود هذه اللفظة الزائدة يعني هو يريد ان يضيع احتجاجا رصينا سديدا تحت المشاغبة في التفاصيل فهو شاعر ام لم يشعر وكيل دفاع عن بني امية وعن الظالمين ويريد ان يطمس الظلامات التي جرت على العترة مثلا الطبري ذكر السرد هكذا بينما ابومخنف ذكره بشكل اخر نقول بالتالي اصل الظلامة وقعت اما التفاصيل وسرد القصص الروائية ليست مهمة.

ف﴿في قلوبهم مرض﴾ [2] هو هذا يعني مرض العناد مع الحقائق فاذن مدار الصدق والكذب انه الى اين تريد ان تتصل? احد الفضلاء اشكل على الخطيب انه يكذب في التفاصيل قلت له لم يكذب قط قال اين مصدره؟ قلت حتى لو لم يكن له مصدر فالفكرة التي يريد ان يوصلها ما هي? الان مثلا كاتب القصص الذي يذكر الدراما لم يركز على اللون لانه ليس هذا محط الكلام وليس التفاصيل وانما اصل الواقعة هي محل نظر فهو في هذا صادق واذا انت تكذبه فانت كاذب انت تجعل ما ليس جد جدا وغاية الغايات تجعله هامشيا .

هذا تلبيس على العقول وغش لها فتجعل العقول تنشد الى هوامش وتترك الامور الاساس مثلا انه في اي ساعة قتل المختار? انت لما تشاغب بهذه المشاغبات تلقائيا تريد ان تعمل حقيقة التي يركز عليها الواقع وهي ليست محل اعتناء عند العقلاء ولا عند المتكلم والسامع وانما غاية الغايات هي محل اهتمام والا لو كان هكذا لكانت الكناية كذبا وحراما وتدليسا وكذا الاستعارة والمجاز فنفس المناط ونفس القصة فلا تقل ان زيد ليس كثير الرماد ولا ربط له بالرماد هو يتعرض لشيء اخر .

فلاحظ هذا النحو من المشاغبات او من المعايير المزيفة ترشيدها في المجتمع وفي النقد والتحقيق التاريخي او تحقيق التراث خطيرة جدا مثلا احدى التزييفات انه هذه النسخة لهذا الكتاب الروائي ليست مسندة ، نقول اصل الكتاب متواتر يدا بيد الا ان له عدة نسخ مثلا طبعة الوسائل من هذه المؤسسة بطريقة ومن مؤسسة اخرى بطريقة وكذا طبعة التهذيب ، فهل هذا يزلزل تواتر هذه الكتب ؟ بعض الباحثين لم يفرق بين اصل الكتاب والنسخ وهذا جهل وتدليس عجيب وغريب فهو لا يميز بين اصل الكتاب والنسخ ، فالكتاب متواتر وانما النسخ مختلفة مثل طبعة بيروت والنجف وقم ، فاي تلاعب بالعقول ، والانكى من يصدق هذه المشاغبات .

 


logo