« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث العقائد

48/02/04

بسم الله الرحمن الرحيم

/ المشروع الفكري لسيد الشهداء: مسؤولية الأمة ومنهجية المعرفة/الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

الموضوع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ المشروع الفكري لسيد الشهداء: مسؤولية الأمة ومنهجية المعرفة/

المشروع الفكري لسيد الشهداء: مسؤولية الأمة ومنهجية المعرفة

نتحدث عن المشروع الفقهي لسيد الشهداء (عليه السلام) في عاشوراء، وتحديداً عن مشروعه الفكري في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدءاً من المعروف العقائدي، فالسياسي، فالاجتماعي، فالاقتصادي، وهكذا في المنكر. وهذه المسؤولية تقع على عاتق علماء الدين على نحوٍ أوجب وأشد وألزم من غيرهم، لا أنَّ هذه المسؤولية مخصوصة بهم، بل هي مسؤولية عامة تشمل الكل، مصداقاً لقوله (صلى الله عليه وآله): «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[1] [2] ، ولكنها تقع عليهم في الدرجة الأولى والقصوى، بما لا يُعذِر الآخرين أيضاً من التحلل عنها.

المسؤولية العامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وعندنا في الروايات وبيانات أهل البيت عليهم السلام أنَّ الله عز وجل حمّل بني إسرائيل تبعات ترك الأولى من النبي داود (عليه السلام)، وهو مطلب عظيم جداً، يدل على مدى عمومية المسؤولية. فالله عز وجل خاطب النبي داود (عليه السلام) بأنه قد غفر له توبته، ولكن تبعات ترك الأولى سيحملها على بني إسرائيل، على أمته؛ فلما سأل: «لِمَ يَا رَبِّ؟»، قال: «لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْهَوْكَ عَنْ ذَلِكَ»[3] .

فالإشكال: إلى أين تتصاعد هذه المسؤولية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وكيف يمكن تفسيرها؟

والجواب: أنَّ هذا المطلب وإن كان معقداً بعض الشيء، إلا أنَّ المقصود أيّاً كان هو الدلالة على عظم المسؤولية، وأنها لا تقع حصراً على القادة أو علماء الدين، بل تقع على الأمة أيضاً. وهذا الأصل الأصيل نجده في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[4] .

 

والرواية المذكورة آنفاً موجودة في كتاب الكافي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن علي بن أسباط، عن أبي إسحاق، عن بعض رجاله، قال: إنَّ الله عز وجل عاتب نبياً من أنبيائه على ترك الأولى، فقال النبي: «يَا رَبِّ كَيْفَ وَأَنْتَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا تَجُورُ؟»، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: «لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَاجِلُوكَ بِالنَّكِيرِ»[5] .

وتفصيل ذلك: كيف لا يتنافى هذا مع عصمة النبي من جانب، ومع عدم ثبوت ولاية للأمة عليه من جانب آخر؟ لا بد من تأويل هذا المطلب على نحو لا يصطدم بهذين الأصلين، أو حمله على محمل آخر كما ورد في بعض الروايات، وإن لم يكن في سياق قصة نبي مع أمته. ومن الشواهد على ذلك قصة عتاب الله عز وجل على بني إسرائيل لأنهم لم يستنكروا على أحبارهم وعلمائهم، فكانوا بذلك كمن عبدهم من دون الله، كما في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾[6] .

حدود طاعة العلماء ومسؤولية الأمة

وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية: «أَمَا وَاللَّهِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ دَعَوْهُمْ مَا أَجَابُوهُمْ، وَلَكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالًا فَعَبَدُوهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ»[7] . فالأحبار هم العلماء، والرهبان هم المرتاضون وأصحاب الرياضات الروحية. فإذا اقتديت بصاحب مكاشفات فأمرك بمعصية أو نهاك عن طاعة فأطعته، فقد عبدته من دون الله. إنَّ القرآن لا تنقضي عجائبه، فالحبر يأمرك بما ينهى الله عنه، فإن أطعته فكأنما عبدته واتخذته ربّاً من دون الله.

والقاعدة هنا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو كان عارفاً أو مرتاضاً أو صاحب كرامات. فإذا أطاعت الأمة أيّاً كان، عالماً أو سياسياً أو صاحب رياضات ومكاشفات، في معصية الله، فقد صدق عليهم قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ…﴾. وكم من راهب انتشرت له كرامات، ثم ماذا؟ إنَّ بلعام بن باعوراء كانت عنده قدرة وكان يعلم الاسم الأعظم، ولكنه انحرف.

إذن فالميزان كل الميزان هو أمر الله ونهيه. أمّا إذا جُعل الميزان شيئاً آخر، كصاحب الكرامات، فهذا أمر آخر. وقد حدّد سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) الميزان الأكبر بقوله: «إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ»[8] . فالعرفاء والفلاسفة والمتكلمون والعلماء، إنما قيمتهم بمقدار طاعتهم لله وانقيادهم للوحي والثقلين.

 

وهذا أصل عظيم بدأ به سيد الشهداء (عليه السلام) في خطبته، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[9] . وهذه الولاية وهذا الأمر والنهي مقيدان بالموازين الشرعية، لا بالظن أو سوء الظن أو التهمة.

ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾[10] (النور - 4). فكل شيء محكوم بالموازين. ومع تحقق الموازين، حينئذٍ يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾[11] . فمفهوم ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ يدل على اشتراط الوضوح وثبوت الأمر وفق الموازين. فإذا تحققت ضابطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أُلقيت المسؤولية على الأمة، فهي مسؤولية متبادلة، كلٌّ من موقعه.

ومن المفادات العظيمة في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) أنه بيّن سبب عتاب الله على أمة بني إسرائيل، وهو أنهم كانوا يقلدون علماءهم تقليداً أعمى[12] . وهنا يبرز الفرق بين عوامهم وعوامنا، وهو بحث التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم.

والفرق الجوهري يكمن في “الخطوط الحمراء”، وهي الضروريات. فما يحتاج إلى علم وتخصص، تقع مسؤوليته على العلماء أنفسهم. أما في المساحة البيّنة، أو ما يسمى بالضروريات، فهذه ليست فيها تقليد، بل هي موازين لمعرفة العالم الصالح من العالم غير الصالح. فانظر كيف تتركب منظومة الدين. ومن ثمَّ، كان من الضروري للعوام أن يقرؤوا ويتثقفوا بالقرآن والروايات وكتب العلماء، فهذه هي المصادر الثلاثة التي تُستحصل منها الضروريات. ولأنَّ الضروريات لا تقليد فيها، وكذلك العقائد، فقد فسّر البعض معنى عدم التقليد تفسيراً خاطئاً، فظنوا أنه يعني متاركة العلماء والتباعد عنهم، وهذا معنى محرّف لحرمة التقليد.

فإن قيل: هل يجوز للفقيه المجتهد أن يقلد غيره؟

قلنا: لا يجوز. ولكن معنى عدم جواز التقليد له لا يعني أنه عندما يريد أن يستنبط حكماً في الفروع أو العقائد، يذهب إلى المصادر من الكتاب والسنة ويستبد برأيه دون أن يطّلع على جهود العلماء؛ فإنه إن فعل ذلك لا يكون معذوراً، لا في العقائد ولا في الفروع. وذلك لوجود توصية منطقية ومنهجية رواها الصدوق، وهي: «أَعْقَلُ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ عُقُولَ النَّاسِ إِلَى عَقْلِهِ»[13] .. وهذا إرشاد منطقي لا تعسف فيه.

 

فإذا كان هذا حال العالم والفقيه، فإنه لا يستغني عن جهود غيره. ويُنقل عن السيد أبي الحسن الأصفهاني (رحمه الله) أنه لم يكن يرتضي نشر حاشية لأحد الأعلام، قائلاً: «لأنَّ هذا العالم ليس له تتبع لأقوال الفقهاء في الفقه». وهذا ليس مجرد رأي للسيد الأصفهاني، بل هو منهج عام. وكذلك توصية السيد البروجردي بلزوم تتبع أقوال العلماء وكتبهم، لا في الفروع فحسب، بل في علم الكلام والتفسير وسائر العلوم.

نقد دعوى الاكتفاء بالعلماء المعاصرين

وهناك دعوى رائجة في بعض الأوساط بالاعتماد على العلماء المعاصرين فقط، تحت أي ذريعة؟ وهل يُعقل أن تُهمل جهود عشرة قرون من العلماء وتذهب سدى؟ ما هذا المنطق؟ ومن قال إنَّ المعاصرين يملكون من الجهود والتضلع ما كان للمتقدمين، على الأقل في بعض الأبواب والعلوم والمسائل؟ إنَّ هذا المنطق الذي يجعل المدار على المعاصرين، ويعرض عن أقوال جميع العلماء حتى من كان في زمن الأئمة من تلاميذهم، هو نغمة جاهلة جهولة.

فالعالم أو الفقيه الذي يحرم عليه التقليد، لا يعني ذلك أنه يقاطع العلماء أو يستغني عنهم، فإنه لا يستطيع ذلك. هو لا يقلد، لأنَّ تضافر جهود آلاف العقول أقوى من عقل واحد. وهذه هي وصية صاحب الجواهر في مواضع عديدة من كتابه، ووصية كاشف الغطاء، ووصية العلامة الحلي لابنه فخر المحققين[14] .

فدعوى الاقتصار على فتاوى المعاصرين في البحث العلمي أو الثقافة الدينية، من أين جاء بها أصحابها؟ إنَّ كلامنا ليس في التقليد، بل في الثقافة العلمية. ففي الضروريات والعقائد، الميزان واحد ليس فيه أي مزايدة. يجب على عموم المؤمنين، فضلاً عن العلماء، أن ينفتحوا على القرآن وكتب الروايات. فإن قيل لك: “لا تقرأ هذه”، فكيف لا يقرأ؟ نعم، عليه أن يستعين بجمهور العلماء وغالبيتهم، وليس له أن يكتفي بالأعلم الحي في زمانه في منطقة الضروريات والعقائد. هذه ليست مزايدة ولا تلقلقاً ولا تملقاً، بل هي موازين متفق عليها بين الجميع. يجب أن نتنبه لهذا الميزان المتفق عليه. نعم، قل للعامي: “ليس لك أن تستبد بقراءتك للروايات دون أن تطّلع على جهود العلماء، كما يفعل العالم تماماً”. هذا ميزان واضح.

والحاصل أنَّ هناك ثلاثة ضوابط تمنع العوام من قراءة روايات العقائد أو روايات الفروع؛ وذلك لأنَّ دائرة الضروريات لا تقتصر على العقائد فحسب، بل هي موجودة في الفروع أيضاً، وفي الأخلاق، وفي التفسير. والضروريات لا تقليد فيها، ولا تملّق فيها، ولا تلقلق، وما زلت أعني أنَّها ليست محل مزايدات.

 

ولكن حيث إنَّ مصادر الوحي تُدرَس، فإنَّ الخطاب فيها ليس موجهاً للعلماء فقط؛ فالنبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ»[15] ، لم يخصّص الفقهاء والعلماء، بل شمل عموم المؤمنين. والسبب في ذلك أنَّ العقائد لا تقليد فيها. ومعنى عدم التقليد فيها لا يقتضي مقاطعة العلماء، وهي دعوة تبعث على العجب. وهذه الدعوة ليست من المنهج الأخباري في شيء، بل هي ضرب من بربرية الفكر؛ فمعنى أنَّك تريد أن تطّلع على المصادر لا يعني أن تطّلع عليها بمعزل عن جهود العلماء الذين بذلوا جهوداً مضنية في فهم النص من جهة الإعراب والصرف والدلالة والبلاغة والنحو والدراية، فيجب الاطلاع على جهودهم. إنَّ مواد الوحي ليست ميداناً للعبث، يقتحمه كل من يشاء ويتشهّى.

فمن يدّعي الانتساب إلى المنهج الأخباري وهو على هذه الشاكلة فهو كاذب، ليس بأخباري ولا بأصولي، بل هو إنسان حشويٌّ يتلاعب بالدين. وهذه ظاهرة موجودة الآن، حيث يقال لمثل هذا: أنت بربري ولست بأخباري.

فائدة: الأخباري هو من يعمل بحسب الموازين العلمية المقرّرة.

نعم، قد تقرّر في الفقه أنَّ المكلّف إمّا أن يكون مجتهداً أو مقلِّداً أو محتاطاً. أمّا أن يريد اللعب والرجوع إلى المصادر من قرآن وروايات دون الاستعانة بجهود العلماء، فهذا ما لا يسوغ حتى للفقيه نفسه؛ فالأعلم في علم الكلام، أو الأعلم في علم الفقه، أو الأعلم في الفقه السياسي، أو الأعلم في التفسير، لا يسوغ له أن يخوض المسائل العلمية دون أن يطّلع على جهود جمهور العلماء. وليس للمجتهد أو الفقيه أن يقتصر على مراجعة المعاصرين فقط، فليس هذا أمراً مزاجياً، بل يجب عليه أن يطّلع على المظانّ المحتملة القوية للأقوال جميعها، فالقضية ليست خيارية.

والشاهد على ذلك: ما ورد في الرواية الصحيحة: «خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ»[16] وهو إرشاد إلى ضرورة الالتفات إلى ما هو المشهور بين الأصحاب، ولهذا التوجيه عدة تفسيرات.

فهذا العالم ليس له أن يستبد برأيه، فكيف بمن ليس بعالم؟ إنَّه لا يستطيع الاستبداد برأيه. فأيُّ إخبارية هذه التي تدعو إلى ذلك؟ إنَّها ليست بإخبارية ولا أصولية، بل هي دعوة حشوية قشرية سطحية للتلاعب بالدين. وليكن للعلماء آراء مختلفة، عشرون نظرية أو عشر في المسألة الواحدة، لا ضير في ذلك، ولكن يجب الاطلاع عليها جميعاً.

فإن قيل: إنَّ مراجعة مثل كتاب الجواهر أمر متعب، ويكفي الاقتصار على كتب السيد محسن الحكيم كـالمستمسك، وكتب السيد الخوئي كشرح العروة، بدعوى أنَّهما قد جمعا كل أقوال الأولين والآخرين.

 

قلنا: مع عظيم الاحترام للسيد محسن الحكيم والسيد الخوئي، فهل يُعقل أنَّهما قد جمعا ولخّصا كل أقوال الأولين والآخرين؟ إنَّ هذا الادعاء أقرب إلى الدعاية الصورية منه إلى الحقيقة.

ومثال ذلك: مسألة “من زنى بذات بعل حرمت عليه مؤبداً”، فإنَّك قد لا تجد دليلها في المستمسك أو في شروح العروة، مع أنَّه مجهود جُمع، بينما لو راجعت أقوال ثلاثة عشر عالماً من القدماء لوجدت مدركاً سهل المأخذ للمسألة. والحق أنَّه لا يستطيع أحد أن يجمع كل أقوال الأولين والآخرين، مهما كان.

وكم في كتاب المبسوط للشيخ الطوسي من مباحث لا تجدها ولا تقف عليها في كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلّي، وهي مباحث مهمة في الفقه السياسي والاقتصاد وغيرهما. فلا ينبغي أن يُظنَّ أنَّ المحقق الحلّي، الذي يُسمّى كتابه “قرآن الفقه”، قد استطاع أن يستوعب كل الإنجازات العلمية للشيخ الطوسي. لا نقول إنَّه لم يلتفت إليها، أو أنَّه قصّر فيها، أبداً، ولكن كثيراً من البحوث في الفقه السياسي مثلاً تركها المحقق الحلّي في الشرائع، وهي موجودة في المبسوط، وهذه حقيقة يجب أن نلتفت إليها. سواء اختزلها المحقق الحلّي أم أعرض عنها، فإنَّها أبواب مهمة ذات ابتلاء.

والنتيجة: أنَّه لا يصح الظن بأنَّ المتأخرين، في كل طبقة منهم، يستوعبون كل ما عند المتقدمين؛ فهذه الدعوى لا حقيقة لها. بل إذا أردنا الصراحة، فإنَّ أوسع كتاب في فروع الفقه عندنا ليس الجواهر الذي يقال إنَّ فيه اثنين وستين ألف فرع، ولا الشرائع الذي يقال إنَّ فيه اثني عشر ألف فرع، بل هو المبسوط للشيخ الطوسي (رحمه الله)، بل وحتى كتابه الخلاف. إنَّه بحر موّاج في القواعد الفقهية وفي الأبواب، لا في التفاصيل الاستدلالية التطبيقية. وهذه بحوث لا نريد الدخول فيها الآن، وقد ذكرناها في كتابنا مناهج صناعة الاستنباط الفقهي، حيث فصّلنا الفروق بين القدرات العلمية للقدماء في كل طبقة من طبقات علماء الإمامية على مدى قرون، وهكذا الحال في علم الكلام والتفسير والفلسفة.

تنبيه: هذه نكتة مهمة يجب الالتفات إليها. إذا كان جميع الفقهاء والعلماء قد قالوا إنَّه لا تقليد في العقائد، فإنَّ معنى ذلك لا يعني الابتعاد عن العلماء. فمن يوحي لك أيها المؤمن من عموم المؤمنين أنَّ معنى عدم التقليد في العقائد هو الاستغناء عن العلماء، فإنَّما يقدّم لك توجيهاً منحرفاً عن الدين؛ فالعالم نفسه لا يستغني عن العلماء.

وقد يُشكل: هل العلماء معصومون؟

والجواب: لا، العلماء ليسوا بمعصومين، ولكن جهودهم العلمية ليست لُعبة، كما أنَّ تراث الوحي من آيات وروايات ليس لُعبة. فكيف يصح أن يقفز كل أحد على النص الديني ويقرأه من دون امتلاك المؤهلات؟ إنَّ هذه دعوة تلاعبية، ليست بإخبارية ولا أصولية.

والحاصل: أنَّه تلزم على عموم المؤمنين ثلاثة أمور في مساحة العقائد أو الضروريات. ففي مواد التقليد في الفروع، أنت أيها المكلّف المؤمن تستريح إلى عالم واحد تقلّده، أمّا في الضروريات فلا استراحة ولا راحة؛ إذ لا يمكنك الاعتماد على عالم واحد، ولا اثنين،

 

ولا حتى على المعاصرين فقط، بل يجب عليك الرجوع إلى كل الأولين والآخرين بحسب وسعك. وهنا لا يفرَّق بين الحي والميت، بل المدار على الأعلم والأضلع والمتبحّر.

والسبب في ذلك: أنَّ البحث هنا علميٌّ وليس تقليدياً، وهذا يشمل عموم المكلفين. إذن، في العقائد وفي ضروريات التفسير والأخلاق والفقه والثقافة الدينية، وفي أي علم من العلوم، تكون الثقافة غير التقليد. وهذه الثقافة يجب أن تكوّنها بالانفتاح على جميع العلماء، مع الرجوع إلى جميع المصادر من قرآن وروايات. فلا تكتفي بالعلماء دون الرجوع إلى القرآن والروايات، ولا تكتفي بالقرآن والروايات دون الاطلاع على كلمات العلماء. وهذا الأمر يرتبط بالعلم والدلائل، لا بالعدالة؛ فأنت لا تتبع شخصاً لكونه حياً أو ميتاً، عادلاً أو غير عادل. ولو افترضنا جدلاً أنَّ العلماء ليسوا عدولاً، فهذا لا يعني أن تستغني عن جهودهم العلمية. لماذا؟ لأنَّ القضية قضية علم ودلائل واستدلالات، لا علاقة لها بشخص العالم، فليس المقام مقام تقليد، ولذلك لا يُشترط في المرجع العلمي الحياة، لأنَّ المدار على ما قيل لا على من قال.

إنَّ هذه من المغالطات التي تُلقى على العوام لصرفهم وإبعادهم عن العلماء، وخصوصاً عبر حصرهم في العلماء المعاصرين فقط. وهذا إبعاد أيضاً لعموم المؤمنين عن جذور طبقات علمائنا، وهو انحراف بيّن. يجب أن تستعين بالمعاصرين والآخرين والأولين، وعندما ترى المسار الواضح، فخذ بما اشتهر بين أصحابك؛ «فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَدَعِ الشَّاذَّ النَّادِرَ». فلا تتبع الرأي الذي قلَّ قائله في قضايا الضروريات والعقائد. هذه موازين لا مزايدة فيها ولا تلاعب، والكل محكوم بها.

ومن ثم كان الجدّ والاجتهاد في التتبع. لقد رأيت بعض الإخوة المؤمنين، وهو أكاديمي، لكن عنده ولع بعلوم الدين، وإنصافاً فإنَّ تتبعاته مشكور عليها، سواء في الفقه أو العقائد أو غيرها من الأبواب. إنَّ التتبع يعطيك حصيلة تاريخ العلماء وآرائهم. وقد بيّنا في بحوثنا أنَّ من يرى أنَّ التاريخ مجرّد تأريخ محض لا علاقة له بالعقيدة، فهو في غفلة، ورؤيته ليست صحيحة. وقد ذكرنا الدليل العقلي الذي نبهت عليه روايتان للصدوق في الأمالي وغيره، وهو إرشاد عقلي.

مفاد هذا الدليل العقلي: أنَّ تاريخ أهل البيت عليهم السلام معالمه عقيدة وليس تأريخاً محضاً. وهذه مغالطة خطيرة، تماماً كما أنَّ مكة المكرمة ليست جغرافية محضة، بل هي بصمة عقائدية وأرض مقدسة وحرم الله، والمدينة المنورة حرم النبي، والنجف والكوفة حرم أمير المؤمنين، وكربلاء حرم الحسين. فهذه الأماكن لها بُعد جغرافي، ولكن له طابع ديني ملكوتي، سواء استشعرنا به أم كنا من الغافلين.

قال تعالى: ﴿يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾[17] . ﴿قَالُوا يَـٰمُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ﴾[18] ، أي دولاً عظمى أو أنظمة تابعة لها. فهل يمكن إزعاجهم؟ ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾[19] . هذه الآية عجيبة، وهي استراتيجية في القضايا العسكرية. فكثيراً ما يُصوَّر العدو على أنَّه “بُعبع” عسكري لا حقيقة له، بل هو مجرّد صورة إعلامية كرتونية. فكلما كان خوف الله في القلب أشدّ من خوف العبيد، تحققت الجرأة والقوة والشجاعة والنصر. فإذا كانت الأمة أو القيادة خوف الله فيها أشد من خوف البشر، فإنَّ معادلة ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ﴾ تتهاوى. والقرآن يثبت هذه المعادلة العسكرية بقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي يخافون الله ﴿أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ﴾[20] إنَّ هؤلاء الجبابرة في كثير من الأحيان مجرّد دعاية إعلامية.

وقد نُقل أنَّ الصين قد أصدرت تقريراً مؤخراً قالت فيه إنَّ الحرب التي قام بها أتباع أهل البيت عليهم السلام أثبتت أنَّه لا تستطيع قوة عظمى أخرى أن تهزمهم رغم بساطة أسلحتهم. وقد أبدى الصينيون دهشتهم، وقالوا إنَّ هذه الحرب قلبت موازين القوى في العالم كله. وهذا هو منطق الآية الكريمة. وقبل ذلك، نُقل عن تقرير صيني آخر أنَّ الحسين (عليه السلام) قلب الموازين. فماذا يعطي الحسين؟ إنَّه يقدّس الموت ويقدّس الشهادة، فيتحول ذلك إلى رعب وخوف في قلوب الأعداء، وهو عين منطق الآية. فمسار الحسين (عليه السلام)، عندما يقال إنَّ مشروعه هو الشهادة…

يريد (صلى الله عليه وآله) أن يزرع في الأمة حب لقاء الله، وليس مقتضى ذلك ابتذال الإنسان نفسه للعدو، بل هو إشارة إلى مقام “إحدى الحسنيين” [21] . إنَّ أحد المشاريع العظيمة التي أرساها سيد الشهداء (عليه السلام) في الأمة، على غرار ما فعله عمه جعفر الطيار، هو زرع قضية حب لقاء الله، فإذا تمكن هذا الحب من القلب لم يعد صاحبه يرتعب من أحد.

والشاهد على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ﴾ [22] . فمن أين يخبر هذان الرجلان بهذه الحتمية؟ إنها معادلة إيمانية تكشف أن قوة الجبابرة كثيراً ما تكون قائمةً على الدعاية الإعلامية والتضخيم.

ويُذكر في هذا السياق أن تقارير حديثة، كبعض التحليلات الصينية، قد ذهبت إلى أن القوة الإعلامية للخصوم كانت توهم بقوة غير حقيقية، وأن المواجهات الأخيرة كشفت عن هذا الوهم. وهذا هو منطق أهل البيت عليهم السلام؛ فالحسين (عليه السلام) يصنع بأتباعه رجالاً لا يهابون الموت ولا يغترون بمظاهر القوة المادية.

وقبل هذه الآية، نجد قوله تعالى: ﴿يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُواْ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾[23] ، وهي أرض النور والتكامل والعبادة والنسك، لكنهم قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾[24] ، سواء أكانوا جبابرة حقيقيين أم أنظمة تتكئ على الجبابرة. فجاء التحذير الإلهي من التراجع عن الأراضي المقدسة، وهو منطق ينسحب على كل زمان. فالدعوة إلى الدولة المدنية العلمانية قد تفضي في مآلاتها إلى إطفاء أنوار العتبات المقدسة في العراق.

وتأمل في هذه السنن الاستراتيجية التي يقررها القرآن بوصفها قوانين جارية لا مجرد حوادث تاريخية، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾[25] . وقد أشار إلى أهمية الأماكن المقدسة السمهودي[26] ، وهو من علماء العامة إلا أنه كان شديد المحبة لأهل البيت عليهم السلام، فمع أن في التصوف نزعات منحرفة، إلا أن محبة أهل البيت كانت له سبيلاً للاستقامة.

إنَّ التمسك بالأماكن المقدسة في العالم الإسلامي هو تمسك بالدين، لأنها معراج لتكامل أرواح الأحياء. فإنَّ ليلة عادية في النجف الأشرف قد تفوق في نورانيتها وبركتها ليالي أُخَر، حتى نُقل في المعنى أن فضلها عظيم جداً. بل إنَّ ليلة عند سيد الشهداء (عليه السلام) تُعد أفضل من ليلة القدر، فكيف إذا كانت ليلة القدر نفسها عند الحسين (عليه السلام)، فإنها تتضاعف فضلاً ونوراً.

ولاحظ أن الأراضي المقدسة قد كتب الله لها أن تكون كذلك، فقد ورد في المأثور أن قبور المعصومين عليهم السلام هي معراج لأعمال شيعتهم، ومختلف الملائكة [27] . فكل قبر من قبورهم هو محط لنزول الملائكة وصعودها، وشبكة النور فيه قوية، تخزى فيها الشياطين وتُكبَّل.

وعلى هذا الأساس، فإن الحفاظ على الأراضي المقدسة كلها، من عمرة وحج وزيارة، وكونها بيد المؤمنين هو سبب لبقاء الدين. وقد حذّر القرآن من التهاون في ذلك، فاعتبره ردة، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾[28] . وقد أثيرت تساؤلات إبان جائحة كورونا حول التضييق على العتبات المقدسة في الوقت الذي بقيت فيه الأسواق والمنتزهات مفتوحة، مما أثار شبهة وجود استهداف ممنهج.

ثم يعود السياق القرآني ليؤكد على معادلة النصر: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ﴾[29] .

تنبيه مهم

أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.


[2] الحر العاملي، محمد بن الحسن. وسائل الشيعة.. تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط2، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1414 هـ، ج16، ص123، باب “وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطهما”، ح13
[3] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج5، ص59.. باب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ح11. وقد وردت الرواية بسند آخر في المصدر نفسه، ح10
[5] المصدر نفسه. ج5، ص59، ح11.
[8] الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص32. باب “صفة العلم وفضله وفضل العلماء”، ح1.
[12] الإمام الحسن العسكري (المنسوب إليه). تفسير الإمام العسكري (عليه السلام).. تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ط1، 1409 هـ، ص300-302
[13] الصدوق، محمد بن علي. معاني الأخبار.. تحقيق علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، 1403 هـ، ص199
[14] يُراجع وصية العلامة الحلي لابنه فخر المحققين، وهي مطبوعة في مقدمات بعض كتبه، وفي مصادر ترجمته، وفيها حثٌّ بالغ على النظر في كتب المتقدمين والاستفادة من جهودهم.
[16] مقطع من مقبولة عمر بن حنظلة. انظر: الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج1، ص68.. باب “اختلاف الحديث”، ح10
[21] هو مفهوم قرآني ورد في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ﴾سوره توبه، آيه 52. .، ويعني النصر أو الشهادة، وكلاهما فوز للمؤمن
[26] هو نور الدين علي بن عبد الله السمهودي (ت 911 هـ)، مؤرخ وفقيه شافعي، اشتهر بكتابه وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى.
[27] ورد هذا التعبير “مختلف الملائكة” في العديد من نصوص الزيارات المأثورة، ومن أشهرها زيارة أمين الله. انظركامل الزيارات - ط مكتبة الصدوق، ابن قولويه القمي، ج1، ص123.
هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo