47/07/23
الموضوع: نظرية المعرفة العقلية والقلبية
الإثارة عند أمير المؤمنين (ع) معلومات عظيمة لطيفةٌ هي رواية ذعلب، حيث يقول الإمام الصادق (عليه السلام) عن جده أمير المؤمنين (عليه السلام): "لا تخرج منه العظائم - أي المعلومات العظيمة الثمينة جداً - إلا عندما يُستثار". فهذا ذعلب - جزاه الله خيراً - أثار أمير المؤمنين لتُستخرج من عنده المعلومات، حيث قال: "يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربك؟". والإثارة ليس بالضرورة أن يتلقاها المرء بعلاج إيجابي، بل قد تصبح أمراً مهماً، لذا أجابه الإمام: «ويلك يا ذعلب! ما كنت أعبد رباً لم أره»[1] . وهذا يعني أن إيمان أمير المؤمنين بالله تعالى نابعٌ عن علم، وليس عن تقليد أو إمعية، بل عن معرفة.
أمير المؤمنين علي (ع) يرى ما يراه النبي (ص) إيمان أمير المؤمنين برسول الله (صلى الله عليه وآله) كان عن علم ومعرفة، بل وشهود ومكاشفة، فكان يرى نور النبوة. وقد قال له النبي (صلى الله عليه وآله): «يا علي، إنك ترى ما أرى، وتسمع ما أسمع».[2] دققوا هنا؛ لم يقل النبي: "إنك ترى كما أرى"، فكل حرف في كلمات الوحي له حساب وكتاب؛ لو قال: "إنك ترى كما أرى" لصار أمير المؤمنين نبياً. ولكن قال: «إنك ترى ما أرى». فالجهاز النبوي لسيد الأنبياء عندما يستلم الوحي، ينعكس تلقائياً على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويتحول إليه تلقائياً، فلم يكن بين أمير المؤمنين وسيد الأنبياء حجاب. وبحسب بيان أمير المؤمنين، فإن فاطمة والحسن والحسين كذلك، وإن كان أمير المؤمنين في الدرجة الأولى. إذن، «إنك ترى ما أرى» وليس "كما أرى"، و«إنك تسمع ما أسمع» وليس "كما أسمع"، وهناك فرق بين المطلبين.
الوحي للنبي وفاطمة عليها السلام لذلك استوحش أمير المؤمنين وحشة عظيمة أصابته من رحيل النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لأن جهاز الاستقبال عند النبي للغيب أعظم من جهاز الاستقبال الموجود عند أمير المؤمنين. وكذلك فاطمة (عليها السلام) استوحشت؛ وأحد أسباب وحشتها وبكائها هو تقوض الوحي الذي كانت تستلهمه مما ينزل على أبيها النبي. كم كانت فاطمة منشدة (سلام الله عليها) إلى الوحي الذي ينزل على النبي، بحيث فقدت طاقة الحياة. ويقولون في باب المكاشفات الغيبية: إن بعض المكاشفات إذا حصلت للإنسان، لا يستطيع أن يبقى في الحياة طويلاً، بل يموت لشدة انجذابه لذلك الغيب؛ ولذلك ورد في الروايات أنه لو كُشف عن جمال في الجنة لخرجت الأرواح من الأجساد.
كربلاء الوله لمعراج الحسين (ع) لأسلافه وهذا لا ينافي ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) لهم: «إنكم قتلى». فكون الإمام الحسين مقتولاً ومظلوماً لا ينافي قوله: «وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف». فالأمران كلاهما يجتمعان، وهذا على حال وذاك على حال. من جهة أخرى - وهذا ما لم يبحثه أحد - أن أحد أسباب ذهاب الإمام الحسين إلى كربلاء هو لكي يعرج إلى أسلافه؛ فكربلاء معراج لسيد الشهداء إلى أسلافه، وفيها بُعد عرفاني. ولهذا استخدم العناوين: "ما أولهني"، "أوَله"، "وَلَه". والألوهية إنما سميت ألوهية لأن العبد يصير "والهاً" في الإله. و"الوله" أشد من العشق، وأشد من المودة؛ لأنه حالة انجذاب قصوى.
علم الرجال معرفة التاريخ العلمي للرواية وردت رواية في أصول الكافي عن الصادق عن جده المصطفى (صلى الله عليه وآله): «أفضل الناس من عشق العبادة»[3] . هذا الحديث أدلى به الإمام الصادق لفقيه من فقهاء العامة هو "عمرو بن جميع الأزدي البتري"، وكان قاضياً (قاضي الري إن لم أشتبه). ثم روى هذا الرجل الرواية لـ "يونس بن عبد الرحمن" من فقهاء الشيعة، ورواها يونس لتلميذه "محمد بن عيسى العبيدي"، ورواها العبيدي لـ "علي بن إبراهيم" من زعماء الإمامية والأستاذ الأكبر للكليني. أنظروا كيف وصلت الرواية؟ هذا هو ما يسمى بـ "علم الرجال" الحقيقي؛ أي معرفة التاريخ العلمي لصدور الرواية والمعلومة عن المعصوم، وليس مجرد البطاقات الصفراء والحمراء للتوثيق. وهذه مدرسة عظيمة في علم الرجال. وقد جاء سند آخر لهذه الرواية في كتاب "الجعفريات" (أو الأشعثيات) لمحمد بن محمد الأشعث - من رواة الشيعة في مصر - يرويها عن آبائه عن أمير المؤمنين، وهذا يوثق انتشار المعلومة في طبقات العلماء الرواة وتلقيها في الوسط العلمي الشيعي.
الوله والعشق والمودة والجذب الأفعال القلبية إتجاه الله والنبي (ص) تقول الرواية: «أفضل الناس من عشق العبادة، فعانقها، ثم أحبها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرغ لها». النبي (صلى الله عليه وآله) يذكر هنا للعبادة (ومنها الصلاة) خمسة أو ستة مقامات:
1. عشقها (مقام).
2. عانقها (منزل).
3. أحبها بقلبه (مقام). (قيدها بالقلب لا بالنفس).
4. باشرها بجسده (مقام رابع).
5. تفرغ لها (مقام خامس، أي الانقطاع). هذه مراتب ورياضات وأفعال قلبية يمارسها القلب تجاه الله، وتجاه النبي، وتجاه أهل البيت، وتجاه الآخرة. وقد وردت في بيانات الوحي مصطلحات مثل العشق، المودة، الوله، والجذبة، وكما في نهج البلاغة: «بَرَقَ لَهُ لَامِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ». والوله قمتها مثل الهيام، والقلب المتيم أحد الدرجات: "واجعل قلبي بحبك متيماً". وهناك مقطوعة في نهج البلاغة تشير لهذا النظام الرياضي، بدايتها: «قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ وَأَمَاتَ نَفْسَهُ، حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ، وَلَطُفَ غَلِيظُهُ...». وفائدة هذه المكاشفات أنها تقوي إيمان الإنسان بحقائق الوحي، فليس فقط يقتنع بها فكرياً، بل يُخبت لها قلبياً.
المشهد القلبي والنفسي في واقعة كربلاء وبالعودة لقوله: «وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب»، نجد أنه في كربلاء كان هناك "مشهد قلبي"، غير "المشهد النفسي". في كربلاء: مشهد قلبي، ومشهد روحي، ومشهد نفساني، ومشهد بدني عسكري مادي سياسي. وهذه المشاهد روعة لو تُستخلص.
نظرية المعرفة للدين قائمة على العلم والتفكر لا الجهل نرجع إلى أصل البحث في قوله: «ما كنت أعبد رباً لم أره»[4] . هذا يدل على أن باب الدين والتدين قائم على المعرفة والتفهم. لولا نفر من كل فرقة... لماذا؟ ﴿{لِيَتَفَقَّهُوا}﴾ أي يتفهموا، {﴿فتَبَيَّنُوا﴾﴾}، {﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾}، {أ﴿َفَلَا يَعْقِلُونَ﴾}. وفي آيات أخرى: ﴿{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا}،﴾[5] {﴿وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾[6] }. إذن الدين قائم على التفكر، والتعقل، والتدبر، والتفهم. فالرؤية في "ما كنت أعبد رباً لم أره" تدل على أن نظرية المعرفة في الدين قائمة على العلم لا على الجهل.
التسليم نتيجة وجود العلم الإجمالي لا التفصيلي أن يكون طريق الدين طريق العلم لا ينافي "التسليم"؛ لأن التسليم هو نتيجة وجود "العلم الإجمالي". لا ينبغي للإنسان أن ينيط تسليمه وانقياده بـ "العلم التفصيلي". نعم، العلم التفصيلي مُرحب به ومطلوب، ويحث الوحي على اكتسابه، لكن لا تجعل إيمانك وتدينك والتزامك منوطاً ومعلقاً عليه. بل سَلِّم بوجود العلم الإجمالي. وهذا بحث منطقي لطيف؛ فالإنسان كما يسلم للعلم التفصيلي، يجب أن يسلم بالعلم الإجمالي، وهو علمٌ أيضاً وله طبقات عديدة ومعاني عديدة. والجهل التفصيلي يجتمع مع العلم الإجمالي وهو طبقات.
العلم الإجمالي مقدم رتبة على التفصيلي
فالتسليم هو في الحقيقة آلية تحصيل العلم التفصيلي؛ لأن الذي لا يسلم بالإجمال لا تكون لديه بواعث لكسب التفاصيل، بخلاف الذي عنده تسليم، حيث يستحثه هذا التسليم للعلم بالتفاصيل. ودائماً "العلم الإجمالي" مقدم رتبةً أو زمناً على "العلم التفصيلي". أحد فلسفات ما جرى بين النبي موسى والخضر (عليهما السلام) هو أن الله أراد بيان أن العلم الإجمالي يترتب عليه التسليم والانقياد، ولا تجعل التسليم مرهوناً بالعلم التفصيلي. موسى (عليه السلام) كان لديه علم إجمالي أن هذا الخضر عنده علوم اصطُفي بها، وكان مفروغاً منه عند موسى أن الخضر عُلِّم رشداً لدنياً ليس بحوزة موسى، فسأله: {﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}﴾[7] ، أي هل تبوح به لي؟
النظام السري في شؤون الخضر (ع) والأنس للإمام المهدي (عج) الخضر شأنه كله "سري في سري". وقد ضرب الله الخضر مثلاً لبيان طول عمر صاحب العصر والزمان وهذا صحيح، ولأنه خُلق ليكون أنساً وعوناً له كما في الروايات وهذا أيضا صحيح. ويُستدل بالخضر على المهدي ليس فقط في السرية، بل في كيفية أنشطة الخضر الخفية والمصيرية، مما يدل على أنه يمكن للقائد ولي الله أن يدير الأمور بخفاء، وهذه حقيقة يذكرها القرآن وليست خزعبلات. واللطيف أن القرآن يقول: ﴿{فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا}،﴾[8] عبارة "من عبادنا" تعني مجموعة أنهم مختصون بالدولة الإلهية، وهم "طاقم" ومجموعة وليس فرداً واحداً. هؤلاء يشتغلون بالخفاء في الدولة الإلهية منذ آلاف السنين، سواء تبدلوا (أبدال) أم لا. والقرآن يقسمهم: {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} كالخضر (وهو سري)، {وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}. والذين لم يقصصهم الله أكثر بكثير؛ فعدد الأنبياء 124 ألفاً، والمذكورون 26 فقط كما انه في جانب الظاهر هكذا ففي جانب الخفي أيضا هكذا. فالطواقم السرية موجودة في كلا الطرفين (من قصص ومن لم يقصص). وكما يقول أحد المحققين: هؤلاء الخفيون المرتبطون بصاحب الزمان لو اجتمعوا في وادٍ لغص بهم الوادي. سورة الكهف سورة للأسرار وهذا أحد أسباب قراءة سيد الشهدا سلام الله عليه لسورة الكهف. هذه الدولة الإلهية دولة عظمى.
التسليم غير مرهون بالعلم التفصيلي ويكفيه العلم الإجمالي فأياً ما كان، بحسب بيانات القرآن الكريم، أحد الدروس العظيمة في نظرية المعرفة ونظرية المسيرة الدينية، أن الله عز وجل بين أن التسليم غير مرهون حصراً بالعلم التفصيلي. فالانقياد إلى الدين، وإلى الله، وإلى الوحي، يكفي فيه العلم الإجمالي. وإن كان الشارع والوحي يرغب في التفقه والتدبر، لكن لا تجعل التسليم معلقاً على خصوص العلم التفصيلي، بل يكفيك العلم الإجمالي، فيورثك الله بعد ذلك العلم التفصيلي.