47/07/21
الموضوع: القلب بين العبادة والاعتقاد لغة مزدوجة
إيمان القلب عبادة مرادفة عقلية
في حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) مخاطباً ذعلب: "ما كنت أعبد رباً لم أره"[1] ، المراد بالعبادة هنا ليس عبادة البدن، بل عبادة القلب؛ وعبادة القلب تعني تصديق القلب ومعرفته. فقوله "لم أره" يشير إلى نفس الإيمان، فالإيمان هو عبادة القلب. إذن، العبادة عنوان آخر مرادف للإيمان؛ فبلغة العقل العملي تقول "عبادة"، وبلغة العقل النظري تقول "إيمان وتصديق". وقد مر بنا في باب المعارف أن الحقائق الموجودة في لغة العقل النظري والفكري، يوازيها ويرادفها عناوين في العقل العملي، أي في لغة القلب وفقه القلوب والمشاعر الباطنة والوجدان. ولكن بسبب تعدد العناوين -مع أنها متوازية ومتحادية ومتطابقة- يحصل كثير من الغفلة والتشويش. فقوله "ما كنت أعبد رباً لم أره" يقابله في الجانب الآخر عبادة الأصنام؛ فالمراد بعبادة الأصنام ليس مجرد قضية السجود الظاهري، بل الاعتقاد بها، فسمي الاعتقاد عبادة. أين وردت كلمة "عبد" في أهل الباطل في القرآن؟ وردت في قوله تعالى: ﴿عَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾[2] ، أي اعتقادهم بالطاغوت. ولا تعبد الشيطان، أي لا تطعه أو تعتقد به وبأنه يضر وينفع.
الخوف من غير الله شرك خفي
الخوف من غير الله، كالخوف من الشياطين أو الجن أو أئمة الجور، يعد شركاً خفياً. طبعاً، الخوف الذي بمعنى "الحذر" بحث آخر، وكذا الخوف الجبلي الطبيعي والقلق، إنما كلامنا في الخوف العقائدي. لماذا يعد شركاً؟ لأن الإنسان هنا يعتقد أن هؤلاء يضرون وينفعون من دون الله.
التستر على وحشية الدول الكبرى والانحياز الإعلامي
من الغريب أن نجد مفكراً "حداثوياً" -معروفاً ولا أريد ذكر اسمه- يصف القرآن الكريم بأنه يدعو للوحشية! والحال أن هذا الشخص قابع ومقيم في الدول العظمى التي تسفك الدماء بالآلاف، ولا يتكلم ببنت شفة حول وحشية هذه الدول. فيا أيها المتكلم، ننظر إليك من تحت أو من فوق؛ إذا كنت حقاً تنبذ الوحشية، ما بالك لا تتفوه بكلمة حول وحشية الدولة الطاغية التي تعيش فيها وراء المحيطات؟ هل هذه حيادية وأمانة علمية؟ أم أن هذا دجل وأنت من وعاظ السلاطين؟ هذه النقطة ذكرتها في بحث "ضرورة الدين وبواعث الإلحاد" -وللأسف لم يقرر هذا الكتاب إلى الآن- قلت: عجيب أمر الملاحدة، يتمردون على الدين ويطالبون بالحرية والعدالة، ولكنهم لا ينبسون بكلمة ضد حكام الجور البشر في زمانهم. أو تجد صحفياً، يُفترض أن لديه رسالة مقدسة في إيصال صوت المظلومين والمضطهدين، ولكنه حين يأتي الحديث عن الدول العظمى لا يكشف شيئاً من جرائمها! فأنت أيها المراسل الإعلامي، أين إنصافك؟ هذه علامة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾[3] . والطاغوت استعمل في القرآن حصراً في أئمة الجور. وأنا أتعجب من أستاذ بحث الخارج الذي يقول لي إن القرآن لم يستخدم الكفر في أئمة الجور وإنما استخدمه في الأصنام! عجيب، ألم يرَ كيف استخدم القرآن لفظ "الطاغوت"؟
الوهابية ودجل عبادة سلطان الجور
لاحظوا الوهابية، يتشددون ضد المذاهب الأخرى وضد التوسل والشفاعة، ويعتبرون التوجه لغير الله شركاً، ولكن ما بالهم لا يقولون حول أئمتهم وسلاطينهم إنهم لا يضرون ولا ينفعون؟ ما لهم يعبدون سلاطينهم؟ ما لهم لا يكفرون بقدرة سلاطينهم؟ الأمر عجيب واقعاً؛ فبالنسبة إلى سلاطينهم وأئمة الجور، عندهم طاعة السلطان -ولو في معصية الله- هي عين التوحيد! صار استحلال حرام الله طاعة وعين التوحيد! أي دجل هذا؟ يا مسلم، تعتبر التوسل بأولياء الله شركاً، وتعتبر طاعة أئمة الجور توحيداً؟ الله أكبر على هذا الدجل والنفاق العلمي العقائدي. التشبث بالرسول (صلى الله عليه وآله) عندهم شرك، أما الخضوع لسلطان الجور ورب البرية المزعوم فهو الدين! سبحان الله ممن لا يعي هذا الدجل ولا يتنبه له. وأنت أيها المراسل الصحفي، ما بالك "باؤك تجر هنا وباءك لا تجر هناك"؟ أي نزاهة هذه؟
الاعتقاد عبادة القلب لا نقياده والطاعة للحق والحقيقة
نعود للتعبير: "ما كنت أعبد رباً لم أره". الاعتقاد بالرب عبادة، بل هو أعظم عبادة. إذا اعتقدت بالباطل فقد عبدت الباطل. العبادة ليست مجرد طقس بدني، العبادة في الأصل خضوع. لماذا سُمي الاعتقاد عبادة؟ لأن فيه انقياد القلب للمعلومة، وهذا الانقياد والاخبات والتصديق يسمى عبادة. حتى في قضية سجود الملائكة لآدم، هل المقصود خصوص هذا الطقس البدني؟ أم شيء أعظم منه وهو الانقياد والطاعة؟ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[4] مثل ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[5] . الإيمان هو الطاعة القلبية. الآية تقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾[6] ، الولاية ثلاثية وليست ثنائية. فالإيمان عمل كله كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام)، وعمل القلب هو الاعتقاد والمعرفة والتصديق.
المعرفة والتصديق عبادة القلب
هذه نكتة مهمة واصطلاح إذا استمسك به الإنسان تنفتح منه بحوث قواعدية في المعارف والتفسير إلى ما شاء الله: "المعرفة والتصديق عبادة القلب". وعبادة القلب تختلف عن عبادة البدن؛ فهناك سجود للقلب، وركوع للقلب، وخضوع للقلب، واعتكاف للقلب، وصوم للقلب. هذه كلها عناوين في الجانب العملي لكن جوهرها فكري. كيف يصوم الفكر؟ يصوم عن الأفكار الباطلة ويمسك عنها. العقل أيضاً يحج ويطوف، كما ورد في الرواية أن معنى طواف القلب هو أن يحوم قلبه حول ربه. المعصوم دائماً يحوم قلبه حول ربه. وهذا ليس من باب التوسع في الاستعمال والمجاز، بل هي حقيقة.
وجوب الصلاة من اصول الدين لا من الشريعة
في عالم القلب وعالم الملكوت، الصلاة موجودة، والصوم موجود، والحج والجهاد موجودان. هذه أصول ولها جذور؛ فوجوب الصلاة من أصول الدين وليس من الشريعة والفروع فقط. ولذلك، فإن أصول الدين باقية حتى في عالم الجنة. القلب في عالم الجنة له صلاة وطواف وحج وصوم وجهاد؛ لأن أصل الصلاة ليس من الشريعة التي تُنسخ وتنتهي بالنفخ في الصور، الشريعة هي "أزياء" الصلاة وأشكالها، أما "الدين" فلا يرتفع بنفخ الصور، بل هو ثابت في كل العوالم. انظروا كيف أن باباً واحداً يفتح منه ألف باب. فعندما يتكلم المعصوم عن المؤمنين يستخدم لغة العبادة في باب المعرفة، فالمعرفة عبادة وهذه الأمور لا تتقوض في الجنة.
طواف القلم وانوار الانبياء حول نور النبي (ص)
ورد في روايات عوالم الخلقة -وهي من أعظم روايات الطوائف في المعارف- أن القلم (وهو ملك مهول من الملائكة) طاف حول نور النبي (صلى الله عليه وآله). وكما ورد أن أنوار الأنبياء طافت حول نور النبي؛ فنور النبي هو كعبة الأنوار. كيف يطوف القلب؟ يعني يحوم، يعني يركز شغله الشاغل دوماً. فهل وجهت وجهي؟ أم وجهت قلبي وفكري ونفسي؟ أم وجهت شهوتي وهواي؟ الشهوة أيضاً لها توجيه واستقبال، وهواك النفسي يصلي ويتوجه ويلتذ.
عشق العبادة التلذذ والانس بالصلاة لدرجة العشق
ورد في الكافي الشريف حديث نبوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أفضل الناس من عشق العبادة، فعانقها، وأحبها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرغ لها"[7] . لاحظوا تعبير سيد الأنبياء: "عشق العبادة"، ثم "عانقها". العناق يعني شدة الارتباط القلبي والميل واللذة. إذا لم تلتذ بالصلاة لم تعانقها، فالعناق ذروة التلذذ. من منا يصلي وهو يشتهي الصلاة بشدة كما يشتهي مأدبة طعام فيها ما لذ وطاب؟ هل أنسنا بالصلاة يضاهي أنسنا وسرورنا النفسي عند مشاهدة ألوان الطعام الفاخ أو الحلويات؟ النبي والأئمة (عليهم السلام) يدعوننا لأن تبلغ صلاتنا وصيامنا وحجنا درجة "العشق"، أي اللذة الشديدة بالعبادة نفسها.
حديث حنين جذع النخلة وعناق سيد الانبياء (ص) له
في حديث حنين الجذع، عندما بكى الجذع اليابس لفراق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، نزل النبي من على المنبر وعانق الجذع. هذا المشهد لماذا قام به النبي وهو سيد التشريع وسيد السادات؟ وهو الذي قال الله عنه: ﴿وَلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[8] . هذا التصرف مع خشبة جامدة يابسة، تعامل معها النبي كأنها كائن حي ذو مشاعر. هل هذه خرافة؟ أعوذ بالله، بل هي سنة نبوية تدل على أننا نحن الخارجون عن تغطية المشاعر ولا ندرك هذه الحالات. رسول الله يريد أن يقول إن العلاقة بيننا وبين العبادة يجب أن تكون هكذا؛ يكمل الإنسان حتى يشتد "وجده" -أي مشاعره الباطنة- في الصلاة والعبادة ويلتذ بها. وكما في مناجاة الزاهدين للإمام زين العابدين (عليه السلام): "أستغفرك من كل لذة بغير ذكرك"[9] . المطلوب ليس فقط الذكر، بل الالتذاذ بالذكر والأنس به، كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) أسعد ما يكون عند سماع الأذان والإقبال إلى الصلاة.
التصنع داخل النفس يدرب الانسان على الالتذاذ الشديد بالصلاة والعبادة
طبعاً في البداية قد نحتاج أن "نتصنع" هذا العشق. لا أقصد التصنع أمام الآخرين (الرياء)، بل التصنع أمام "مملكة الذات". أخاطب شهوتي وغضبي وقلبي وفكري قائلاً: يا جماعة لنتصنع أننا نتشهى الصلاة. التصنع هنا يورث ويدرب الإنسان على الحقيقة؛ يُلقن الإنسان نفسه "إني أشتهي الصلاة، ألتذ بالصلاة"، فبعد مدة مديدة من التكرار والإصرار يحدث هذا الأمر وتتحول العادة إلى حقيقة، ونصل إلى تلك الدرجات بعون الله. فالحديث يقول: "أفضل الناس من عشق العبادة.. فعانقها".[10] العناق هنا نتيجة شدة اللذة، اجعلها شهوة نورية كعناق الصديقين الحميمين بعد طول غياب. "وباشرها بجسده" لتنعكس الأمواج الروحية على الجسد، "وتفرغ لها" أي لا ينشغل عنها ولا يتوزع قلبه وذهنه. كل هذا يصب في قوله (عليه السلام): "ما كنت أعبد رباً لم أره"، فهذه العناوين في عالم القلب تعني ما تعنيه.