< قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الرميتي

بحث الأصول

38/03/06

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: مناقشة دليل العقل على الاحتياط

وهذا الاحتمال موجود بوجود مقارن للعلم الإجمالي، وقد حكم العقل بمنجّزيته لكونه قبل الفحص، وعليه فإن حال العلم الإجمالي مع الاحتمال المزبور بعد تقارنهما هو بعينه حاله مع العلم التفصيلي المقارن فيمنع ذلك أيضا عن تأثير العلم الإجمالي في تنجيز متعلقه كما يمنع عنه العلم التفصيلي، وعليه فلا يكون الظفر بالأمارات التفصيليّة بعد ذلك مضرا بموجبيتها لانحلال العلم الإجمالي لأن بالظفر بها يستكشف عن موجبيتها لانحلال العلم السابق لكونها من المنجز المقارن له، ولازمه رجوع الشك في الشبهات بعد الفحص إلى الشك البدوي فتجري فيها البرائة. والله العالم

ثانيهما: أي الوجه الثاني من تقرير حكم العقل. هو ان احتمال التكليف الوجوبي والتحريمي مساوق لاحتمال الضرر على مخالفته ودفع الضرر المحتمل واجب عقلا. وفيه ما ذكرناه سابقا من أن المراد من الضرر ان كان هو العقاب الآخروي، فوجوب دفعه إما أن يكون نفسيا أو غيريا أو طريقيا أو ارشاديا، فراجع ما ذكرناه عند الكلام عن امتياز قاعدة قبح العقاب بلا بيان عن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.

وان كان المراد من الضرر هو الضرر الدنيوي، فيرد عليه أوّلا: ان ارتكاب الشبهة التحريمية وان كان يلزم منها احتمال المفسدة إلا أنه لا يلزم احتمال المضّرة. وثانيا أنه لا دليل على وجوب دفع الضرر مطلقا فراجع ما ذكرناه هناك. وان كان المراد من الضرر هو المفسدة التي هي مناط الحكم بالحرمة فاحتمال الحرمة في شيء، وان كان ملازما لاحتمال المفسدة فيه إلا أن التحرز عن احتمال المفسدة ليس ممّا يستقل العقل بلزومه بل ان أدرك العقل المفسدة التامة في شيء وأحاط بجميع الجهات ولم ير مزاحما لها حكما بقبح الإلقاء في المفسدة، فراجع ما ذكرناه ولا حاجة إلى الإعادة، والخلاصة أن هذا الوجه الثاني لم يكتب له التوفيق. والله العالم.

قوله: (بقي أمور مهّمة لا بأس بالإشارة إليها الأوّل انه إنما تجري أصالة البرائة شرعا وعقلا فيما لم يكن هناك أصل موضوعي مطلقا ولو كان موافقا...الخ)[1] .

بقي عندنا بعض الأمور ينبغي التنبيه عليها. الأوّل: ان موضوع البرائة الشرعية هو الشك وعدم العلم كما أن موضوع البرائة العقلية هو عدم البيان، وهما من الأصول الحكمية الغير التنزيلية، وعليه فكل أصل تنزيلي يكون حاكما عليها بالاستصحاب ومرادنا من الأصل التنزيلي هو ما يكون مفاده إثبات المؤدى بتنزيله منزلة الواقع بحسب الجري العملي سواء كان المؤدى موضوعا خارجيا أو حكما شرعيا.

مثال الأوّل هو ما لو علم بخمرية مائع ثم شك في انقلابه خلّا، فإن استصحاب الخمرية يرفع موضوع أصالة البرائة عن حرمة شربه. ومنه أيضا ما إذا شك في حليّة لحم من جهة احتمال عدم وقوع التذكية عليه خارجا كالشك في تحقق الذبح أو كون الذابح مسلما أو عدم كونه إلى القبلة، ونحو ذلك مع عدم كونه في سوق المسلمين ولا في يد المسلم فإن استصحاب عدم التذكية الثابتة حال حياة الحيوان يرفع موضوع أصالة الحل والبرائة.

ومثال الثاني أي الشبهة الحكمية، كما إذا شك في جواز وطىء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، فإن استصحاب الحرمة السابقة – على تقدير جريانه في الشبهات الحكمية الكلّية – مانع عن التمسك بأصالة البرائة ورافع لموضوعها.

وهذا هو مراد الشيخ الأنصاري من الأصل الموضوعي حيث قال: (ان أصل الإباحة في مشتبه الحكم إنما هو مع عدم أصل موضوعي حاكم عليه فلو شك في حل أكل حيوان مع العلم بقبوله التذكية جرى أصالة الحلّ. وان شك فيه من جهة الشك في قبوله للتذكية فالحكم الحرمة لأصالة عدم التذكية لأن من شرائطها قابلية المحل وهي مشكوكة فيحكم بعدمها وكون الحيوان ميتة)[2] . انتهى

وليس مراده بالأصل الموضوعي خصوص الأصل الجاري في الموضوع مقابل الحكم الشرعي بل كل أصل تنزيلي يكون حاكما على أصالتي البرائة والاشتغال سواء كان مؤدى الأصل التنزيلي موضوعا خارجيا أو حكما شرعيا.

ثم أنه لما أنجر الكلام إلى أصالة عدم التذكية فلا بأس بالتعرض لهذا المثال وان كان خارجا عن المقام. وتوضيحه يتوقف على بيان أمرين. الأوّل هل التذكية الموجبة للحلّية وللطهارة على قول هي عبارة عن المعنى المتحصل من قابلية المحل والأمور الخمسة – أي فري الأوداج الأربعة بالحديد مع التسمية وكونه على القبلة وكون المذكي مسلما – يعني كون التذكية معنى بسيطا يحصل من المجموع المركب من قابلية المحل وتلك الأمور الخمسة أو أن التذكية عبارة عن نفس الأمور الخمسة، وقابلية المحل أمر خارج عن حقيقة التذكية وان كان لها دخل في تأثير الأمور الخمسة في الحلّية والطهارة أو أنها عبارة عن مجموع الأمور المزبورة مع القابلية.

والانصاف هو المعنى الثاني أي أن التذكية عبارة عن نفس الأمور الخمسة وقابلية المحل أمر خارج عن حقيقتها ولكن لها دخالة في تأثير الأمور الخمسة. والدليل على ذلك هو قوله تعالى: ﴿ إلا ما ذكيتم[3] ، فإن نسبة التذكية إلى الفاعلين تدل على أنها من فعلهم، وكذا قوله (ع) في ذيل موثقة ابن بكير: (ذكاه الذابح أم لا ...)[4] ، وكذا قوله (ع) في رواية علي بن أبي حمزة بعد قول السائل: (أو ليس الذكي ممّا ذكي بالحديد. قال: بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه)[5] ، ولكنها ضعيفة بمحمد بن سليمان وبعلي بن أبي حمزة وبجهالة عبد الله بن إسحاق العلوي. فإن المستفاد من هذه الأدلّة هو أن التذكية عبارة عن فعل المذكى وان قابلية المحل أمر خارج عن حقيقة التذكية وان كان لها دخل في تأثير الحلّية والطهارة.

الثاني اختلفت كلمات الأعلام فيما يقبل التذكية من الحيوان فقيل لا يقبل التذكية إلا ما


BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo