< قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الرميتي

بحث الأصول

38/01/24

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: تنبيهات حديث الرفع

إلا بطيب نفسه فإن الإكراه لما كان منافيا لطيب النفس بالمعاملة اقتضى الامتنان رفعها، وهذا المناط وان كان جاريا في الاضطرار إلى المعاملة إلا أن حديث الرفع لا يرفع المعاملة المضطر إليها، لأن في رفعها خلاف الامتنان، إذ يقع صاحبها في شدّة إذا ابطلنا المعاملة بحديث الرفع، وهذا بخلاف الإكراه على المعاملة فإن في رفعها وابطالها بحديث الرفع غاية الامتنان على المكره بالفتح، والله العالم.

الأمر التاسع: قد اتضح ممّا تقدم ان المشكوك فيه ان كان هو التكليف النفسي الاستقلالي كالشك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وكالشك في حرمة شرب التتن فلا إشكال في جريان البرائة فيه، وان كان المشكوك فيه هو التكليف الغير الاستقلالي كالشك في جزئية شيء كالمأمور به أو شرطيته أو مانعيته، فالأقوى جريان البرائة الشرعية والعقلية فيه لما سيأتي إن شاء الله تعالى من أن الصحيح هو جريان البرائة في الأقل والأكثر الإرتباطيين، وان كان المشكوك فيه من المحصلات فلا تجري فيه البرائة كما سيأتي ان شاء الله تعالى. وقد مثلوا لذلك بالشك في اعتبار الغسلة الثانية في التطهير من النجاسة الخبيثة، وكالشك في اعتبار أن يكون المسح ببلة الوضوء، بناء على أن تكون الغسلات والمسحات في باب الطهارة الخبيثة والحدثية من المحصلات والاسباب لا أنها بنفسها وبما هي هي متعلقات التكاليف.

وعليه فإن قلنا أن المأمور به في باب الطهارة الخبثية هو افراغ المحل عن القذارة الظاهرية فيكون الغسل سببا لذلك وكذا الحال ان قلنا ان المأمور به في باب الطهارة الحدثية هو تطهير الباطن عن القذارة المعنوية الحاصلة من الاحداث، فتكون الغسلات والمسحات أسبابا لذلك، فلا تجري البرائة حينئذ للشك في المحصل بل لا بدّ من الاحتياط، وان قلنا ان المأمور به نفس الغسلات والمسحات وان افراغ المحل عن القذارة الظاهرية وكذا تطهير الباطن حكمة للامر كما هو الإنصاف عندنا، فالأقوى جريان البرائة في الشك في اعتبار الغسلة الثانية في التطهير من النجاسة الخبثية، وفي الشك في اعتبار أن يكون المسح ببلّة الوضوء.

ومن هنا تعرف السّر في اختلاف الأعلام في أنه هل يعتبر في الوضوء قصد رفع الحدث أو الكون على الطهارة، إذا لم يقصد المكلف إحدى الغايات الواجبة أو المستحبة أو لا يعتبر ذلك، بل يكفي مجرّد قصد أفعال الوضوء من الغسلات والمسحات بقصد امتثال الأمر المتعلق بهما، فان قلنا إن المأمور به هو نفس الغسلات والمسحات فلا يعتبر قصد رفع الحدث أو الكون على الطهارة، وان قلنا إن المأمور به هو الطهارة وتلك الأفعال محصّلات لها فلا بدّ مع عدم قصد إحدى الغايات من قصد الكون على الطهارة، لأن قصد حقيقة المأمور به ممّا لا بدّ منه في كل عبادة.

ومنشأ الخلاف هو وقوع الأمر بالتطهير والغسل في الكتاب العزيز، فمن قال ان المأمور به هو الطهارة وتلك الأفعال محصلّة لها، استدل بقوله تعالى: }وان كنتم جنبا فاطهروا {، بضميمة عدم الفرق بين الوضوء والغسل في ذلك. ومن قال إن المأمور به هو نفس الغسلات والمسحات استدل بقوله تعالى: }إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم {، فمن قال بانه يعتبر في الوضوء قصد الكون على الطهارة، وأنها من المسببات التوليدية للأفعال، حمل الأمر بالأفعال في آية الوضوء على كونها محصّلة للطهارة لا من حيث هي هي، ومن قال انه لا يعتبر في الوضوء قصد الكون على الطهارة حمل الأمر بالتطهير في آية الغسل على ان المراد منه نفس الأفعال لا المعنى الحاصل منها ويكون التطهير حينئذ من قبيل الحكم والمصالح وهذا هو الأنصاف كما عرفت وذكرنا ذلك بالتفصيل في باب الوضوء والغسل في مبحث الفقه فراجع.

ويؤيده ما ذكره الشيخ الصدوق في عيون الأخبار والعلل بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) قال: (إنما أمر بالوضوء وبدىء به لأن يكون العبد طاهر إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه مطيعا له فيما أمره ...الخ) ، وانما جعلناه مؤيدا لضعفه سندا بعدّة من الأشخاص الواقعين في اسناد الشيخ الصدوق إلى الفضل بن شاذان.

الأمر العاشر: قد عرفت أن الحديث الشريف قد اشتمل على عدّة عناوين منها الحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق، وقد وقع الكلام في المرفوع في هذه العناوين الثلاثة، فعن جماعة من الأعلام أن المرفوع فيها هي المؤاخذة عليها فالشارع من باب الامتنان دفع المقتضي فيها عن تأثيره في تشريع الحكم التحريمي، لكن الإنصاف أن الرفع في جميع العناوين المذكورة في الحديث الشريف هو رفع تشريعي كما ذكرنا والمؤاخذة أمر تكويني لا تنالها يد التشريع وضعا ورفعا.

ومن هنا نقول أما الحسد فتارة يلحظ من جهة كونه صفة نفسانية رذيلة وهو عبارة عن تمنّي زوال النعمة عن الغير من دون أن يظهر أثرها باللسان أو اليد، وانما هو مجرّد تمنّي زوال النعمة، وأخرى يظهر ذلك بلسانه أو يده، والمرفوع في حديث الرفع هو حرمة الحسد من الجهة الأولى أي مجرد تمنّي زوال النعمة عن الغير.

إن قلت إن الحسد من هذه الجهة أمر غير اختياري لكونه صفة نفسانية رذيلة راسخة فكيف يتعلق بها التكليف ومتعلق التكليف لا بدّ أن يكون أمرا اختياريا قلت انها بنفسها وان كانت غير اختيارية ولكن مبادئها اختيارية فيمكن التحرز عن هذه المبادئ وعدم الوقوع فيها باعتبار ان حصول الملكات أمر تدريجي ولمجاهدة النفس أثر كبير في ذلك فبإمكان الانسان أن يغضّ النظر عن أمور الناس ولا يفتش عمّا أعطوا من الأموال والأولاد والرئاسة ونحو ذلك، فإذا صرف الانسان نفسه إلى أحواله وامر آخرته ولم يتعرض للناس وما أعطوا من النعيم فلا تحصل له هذه الصفة الخبيثة وان كانت

 

BaharSound

www.baharsound.com, www.wikifeqh.ir, lib.eshia.ir

logo